قصة قصيرة المصحة/شهر العسل

جويس كارول أوتس
ترجمة – أحمد شافعي

“المصحة”.
كلمة لا تكاد تنطق جهرا إلا ويقع تحول مزلزل. ستشعران به.
كأنها خيط (شديد القصر) مرَّ من ثقب إبرة، سريعا في الدخول، وفي الخروج.
الهواء نفسه يرقُّ، ويَصْلُب.
على أطراف مجال إبصارك، إعتام فوري. يبدأ الغبش في التقلُّص. مع الوقت يتحول إلى نفق. دائم التناقص. حتى لا يبقى من الضوء إلا قليل، ملء حفنتين. ثم ينطفئ.
ذلك أنه كلمة “المصحة” لا تكاد تنطق، حتى تنجلي الحقيقة أخيرا: لا أمل.
لا أمل. كلمتان فاحشتان، لا ينبغي الجهر بهما. فمن يكن بـلا أمل إنما هو بلا مستقبل.
والأنكى أنك إذ تعترف أنك بلا مستقبل، تكون “استسلمت”.
وهكذا حينما تنطق كلمة “النزل” للمرة الأولى ـ بحذر، وحرص، على لسان فرد من طاقم الرعاية الطبية (ويكون امرأة) ـ لا يسمعها أيٌّ منكما. وإن سمعتماها، لا يسجّل أيٌّ منكما أنه سمعها.
طنين خفيف في الأذنين، رنين، كأنه منبِّه بعيد، منبِّه في غرفة مغلقة الشبابيك. ولا مزيد.
ذلك أنكما إذا لم تسمعا، فكأنها (بعدُ) لم تنطق.
ذلك أنه إذا لم يسمعها أيٌّ منكما، فلعلها لن تنطق (أبدا).
غير أن ذلك يحدث: ويتواتر نطق كلمة “المصحة” بمرور الأيام.
ويحدث، على نحو أو آخر، أن يبدأ زوجك، مفاجئا نفسه شخصيا، بالكلام عن أيامه “الأخيرة”. ومن ذلك قوله “يهيأ لي أن هذه قد تكون آخر أيامي”.
كما لو بخجل. على الهاتف في صباح مبكر للغاية، عندما يتصل، كما دأب أن يتصل، فور أن ينتهي طبيب الأورام من فحصه في ثنايا مروره على المستشفى.
على الهاتف، فيعفيه ذلك من رؤية وجهك. ويعفيك من وجهه.
خجل جديد كأنه الخجل الأول، خجل البدايات. خجل العثور على طريقة تقال بها أنا أحبك.
قول محال على البعض، أحبك.
لكن زوجك قدر عليه، وأنت بطريقة ما قدرت: أنا أحبك.
والآن، بعد سنين، ها هو يقول “يهيأ لي أن هذه قد تكون هذه قد تكون آخر أيامي”.
هذه كلمات تسمعينها على الهاتف واضحة، غير قابلة للتغيير، ومع ذلك (ستزعمين لاحقا أنك) لم تسمعيها. مطلقا.
لكن الحقيقة أنك سمعتيها. لا بد أنك سمعتيها. لأن جدران المستشفى تدور من حولك، والدم ينسحب سريعا من رأسك، فإذا أنت في دوار، تنهارين على ركبتيك كأنك طفلة مذعورة تتلعثم، “ماذا؟ ما الذي تقول؟ هذا سخف. لا تردِّد كلاما كهذا. ما الذي تعنيه فعلا بـ’الأيام الأخيرة’؟”
يعلو صوتك جامحا. تريدين أن ترمي الهاتف المحمول من يدك.
ذلك أنك لا تحتملينه. ولا تتصورين ذلك. ولا تعرفين، في هذه المرة، الصحراء الشاسعة المبسوطة أمامك وفيها كل ما لا تقدرين على احتماله، وما سيُحتمل برغم ذلك، وما ستكونين أنت بالذات من تحتمله.
ذلك أنك دائما، تقاومين كل خطوة على الطريق.
وهو تل صاعد حاد الانحدار. مقاومته أمر طبيعي. أما إذا قبلت الصعود، فليكن لك عزاء في فكرة أن الأمر برمته مؤقت. والسهل، المنبسط، الذي اعتدت عليه، ينتظرك، ينتظركما معا. وسترجعان إليه. عما قريب.
ذلك حتى يوم، حتى ساعة ـ ودائما يأتي يوم، وساعة ـ تبدئين فيها أنت نفسك في الكلام عن المصحة.
في البداية، أنت أيضا، يعتريك الخجل، واللعثمة. وتشعرين بحلقك يتمزق كأنما ببرادة الحديد.
وشيئا فشيئا تتعلمين نطق المقطعين بوضوح، وجسارة مَصَحْحَة.
وسرعان ما تبدئين بعد ذلك في قول الكلمة واضحة مفصلة، بما أضيف إليها: مصحتُـنا.
وسرعان ما تقطعين العهود. كأنما تقدمين إلى نفسك، أو إلى إله، طلبا رسميا.
هذا ما أرجوه: أن أجعل من مصحتنا شهر عسل.
أتعهد أن أمنح زوجي أقصى راحة ممكنة لإنسان.
أن أسعده. أن أسعدنا.
أن أحقق كل ما يرجوه في أقصى نطاق الممكن.
أولا: مكان جديد لأجله. ليس في مركز السرطان. مصحتنا ستكون في بيتنا، الذي يحبه.
الردهة غارقة في نور الصباح.
الأفق المختزل ـ لأن البيت محاط بالشجر.
سرب السحابات المنحوتة.
بوسع زوجي أن يستلقي على أريكة، محملقا في صف الشجر وفي السماء. مستريحا على الأريكة متكئا على الوسائد رافعا على أخريات قدميه (في جوارب دافئة).
والأرجح أن يستلقي على سرير (مستأجر من المستشفى) مهيأ بحيث يسهل عليه أن يشخص من الشباك. ويمكن أن أستلقي بجواره، مثلما فعلت في المستشفى.
متماسكي الأيدي. طبعا، سوف يمسك أحدنا بيدي الآخر. لم تزل يداه دافئتين، وقويتين. وأصابعه، عند اعتصارها، لا تعجز مطلقا عن أن تقابل الاعتصار بالاعتصار.
أما شفتاه، عند التقبيل، فلا تعجزان مطلقا عن رد القبل.
سوف أنام بجوار زوجي معانقة إياه بذراعي، وليستا ذراعين قويتين، بل هما ذراعان ضعيفتان، لكن يمكن بالفعل حملهما على الحركة وكأنهما قويتان.
سأنثر حبوبا على الإفريز الخشبي خارج النافذة. لن تكون حبوبا عادية بل “حبوب الطيور البرية” الغالية التي يشتريها زوجي.
منتشيا بمشاهدة الطيور. منفقا الوقت، دونما تشتُّت، في فرجة حقيقية، لمرة …
وزوجي يحب الموسيقى. سأغرقه في أجمل الموسيقى على مدار ساعات صحوه. ما لم تكن مرهقة له، سأستلقي في السرير بجواره، معانقة إياه، مستمعة معه إلى “أنشودة البهجة” لبيتهوفن و”صلاة المساء” لرحمانينوف.
وأنام معه. حتى في أثناء النهار. حتى ونور الشمس الواهن يميل من الشباك على وجهينا. رأسي على الوسادة بجوار رأسه.
من أرفف الكتب في البيت، سوف أنتقي كتب الفن، لفنانيه المفضلين، وكتبا من أرفف كتبه في الفوتوغرافيا ـ بروس ديفيدسن، وإدوارد ويستن، وديان آربوس، وإليوت بورتر. سأقلب الصفحات ببطء، وبرفقته أتأمل.
دفاتر الصور القديمة، الصور العائلية من مطلع القرن التاسع عشر. أسرته، والدا جديه اللذان هاجرا من بالي. ما أبدى به اهتماما في الفترة الأخيرة.
كتبه المفضلة … ليكن، سأحاول.
عندما يكون في البيت، محتمل أن يستعيد شهيته. عندما أعد له الطعام بيدي، سوف يستعيد شهيته، أنا متأكدة.
طبعا، سوف تأتي الأسرة للزيارة. الكبار، والأطفال، والأحفاد. الأقارب والأصحاب. زملاء الجامعة. الجيران. الأصدقاء القدامى من المدرسة الكنسية الذين لم يرهم منذ خمسين سنة. بعض المفاجآت له ـ سأحاول مستعينة بخيال مخرج مسرحي.
ليس مصحة وحسب، إنما مصحتنا. بعيدة عن الحزن، مبهجة، شهر عسل.
سنكون سعيدين هناك، في بيتنا. نحن الاثنين.
ولنا نحن الاثنين سوف تكون “الأيام الأخيرة” شهر عسل. عهد عليّ.
في الواقع لن يحدث شيء من هذا، ولا ما يشبهه من بعيد. كيف تتخيلين أن يحدث شيء كهذا.
مصحة، نعم. شهر عسل، لا يمكن.

*جويس كارول أوتس (1938 – ) روائية أمريكية شهيرة. نشرت القصة في مجلة ذي نيويوركر الأمريكية في 30 يوليو 2020