أمسية “نمتُ لكي أطير” تشعل فتيل تجربة الشاعر محمود درويش

سيف الرحبي: درويش وإدوارد سعيد أبرز من حرر الوعي الفلسطيني من عقلية الضحية
صبحي حديدي: هناك نوع من القدرية ولكن درويش استطاع أن يروضها وأن يشتغل على مشروعه
ليانا بدر: ديوان درويش “ورد أقل” كان عتبة وفاتحة لتغييرات كبيرة في قصيدته

في الذكرى الثانية عشرة لرحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش، والذي غادرنا في التاسع من أغسطس عام ٢٠٠٩، أحيى صالون فاطمة العلياني وبالتعاون مع مؤسسة ومتحف محمود درويش برام الله أمسية (نمت لكي أطير)، احتفاء بالذكرى السنوية لرحيل الشاعر الفلسطيني الكبير.
وشارك في الأمسية الشاعر العماني سيف الرحبي والناقد السوري صبحي حديدي والروائية الفلسطينية ليانا بدر، وإلى جانبهم مدير متحف محمود درويش برام الله قيس الرنتاوي، فيما أدار الحوار الإعلامي المصري سيد محمود
افتتح قيس الرنتاوي مدير متحف محمود درويش الأمسية بالتعريف عن المؤسسة والمتحف الواقعين في رام الله واللذين صدر مرسوم رئاسي بعد وفاة محمود درويش في التاسع من أغسطس بتأسيس مؤسسة ومتحف محمود درويش اعترافا واحتراما لمكانته الوطنية والثقافية وتسلطيا للضوء على إرثه الثقافي والذي يحوي حديقة سميت بالبروة نسبة إلى قريته في رام الله وتضم هذه الحديقة ضريحه الذي يتوسط قاعتين تقام فيهما الفعاليات والأنشطة، ويضم المتحف مقتنياته، وأعماله المترجمة والأوسمة والجوائز التي حاز عليها، ومخطوطات ومسودات أعماله الشعرية، إضافة إلى الكثير من الوثائق والصور، إلى جانب محاكاة لمكتبه.
وابتدأ الناقد السوري صبحي حديدي الأمسية بالحديث حول ارتباط النص الفلسطيني بالسياسة وهو الذي حاول درويش التحرر منه، وحول ما إذا كانت الأجيال الجديدة منشغلة بالقضية كما انشغلت بها الأجيال التي رافقت محمود درويش. ورأى حديدي أن انشغال محمود درويش بها هو نوع من المغالبة للقضية لأنه ابن فلسطين وابن قضيتها، وكان محتما عليه كما هو الحال مع شعراء المقاومة، وأن محمود درويش لم يختر الموضوع السياسي طواعية. وأشار حديدي أنه عندما وصل محمود درويش إلى بيروت التي كانت تغلي بالتطور والقصيدة اللبنانية الحداثية كان ينبغي أن يعبر عليها حتى يكون شاعرا حداثيا، مضيفا أن خيار محمود درويش اكتسب نوعا من الحيرة، محيلا إلى كتابته لقصيدة نثر واحدة نوع فيها بين التفعيلة والنثر، والتي كان واضحا فيها حسب حديدي أنه كان يباري حركة الحداثة الشعرية في لبنان.
وأشار حديدي إلى أن محمود درويش غالب الموضوع السياسي الذي لم يكن موضوعا عاديا بكل ما تعنيه الكلمة من شحنات رمزية ووجدانية وفي المواجهة كان هناك عدو شديد البطش، وأنه غالب القضية لكي يتوصل تدريجيا إلى شخصية الشاعر الكوني وليس شاعر المقاومة فقط كما كان يسمى بتحويله للقضية الفلسطينية إلى مسألة كونية. وأضاف: “هناك نوع من القدرية ولكن درويش استطاع أن يروضها وأن يشتغل على مشروعه معاندا جماهيره لكي يتوصل إلى شخصيته الشعرية التي عرفناها”.
وفي سؤالها حول الكيفية التي يمكن لكاتبة فلسطينية تحقيق ضرورة تحرر النص الأدبي الفلسطيني من ثقل السياسة دون أن يتخلى عن الالتزام بالمعنى الأخلاقي؟ أشارت الروائية ليانا بدر إلى أنه عندما جاء محمود درويش إلى بيروت بدأت تتكون تجربته حول الإنسان الفلسطيني كإنسان وليس كضحية وكانت هذه نقطة تحول.
وتعتقد بدر أن ذهاب درويش إلى باريس غير في شعره، وأن ديوانه “ورد أقل” كان عتبة وفاتحة لتغييرات كبيرة في قصيدته، لأنه حسب بدر خرج ولأول مرة من النمطية التي وبطريقة ما كانت أسطورية. وأشار سيد محمود هنا أن خروج درويش من صورته التقليدية كان مع قصيدته (سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا).
وفي سؤال سيد محمود عن الكيفية التي تعاطى معها الشاعر العماني سيف الرحبي في بداياته الشعرية مع نص محمود درويش وما إذا كان قائما على التعاطف الكبير مع القضية الفلسطينية أو قائما على وضع مسافة واضحة بين مشروعه الشعري ونصه الجديد ونص محمود درويش بما كان منشغلا به من أسئلة والتي كانت تقرأ على أنها أسئلة سياسية وليست فنية، قال الرحبي إنه وبالنسبة له فقراءته الأولى لمحمود درويش كانت في القاهرة في المرحلة التي غلب عليها الصخب والشعار السياسي، مضيفا إلى أن تجربة محمود درويش رافقته طويلا.
وأشار الرحبي إلى أن بيروت كان المحطة تحول لمحمود درويش وكانت هي المجال الأوسع لحرية التعبير وحرية الإبداع للتجارب المختلفة والطليعية التي تأتي من أوروبا وأمريكا، مؤكدا أن لها فيه أثرا كبيرا. ويعتقد الرحبي أن درويش لم ينشغل كثيرا بسجالات الحداثة التي انشغل بها كثيرون في بيروت كما انشغل بالإنجاز الإبداعي، مشيرا إلى أن الحداثة الخاصة بدرويش تجلت في إنجازه الشعري أكثر مما في تنظيرات نمطية معينة.
ويرى الرحبي أن أبرز اثنين حرروا الوعي الفلسطيني من عقلية الضحية وأخذوه إلى مكان آخر تماما هما محمود درويش وإدوارد سعيد.