اكتشاف نوع جديد من أسماك المياه العذبة بأودية جبل سمحان

نوع نادر وضعيف البنية بسبب وجوده في عزلة بمنطقة صحراوية وظروفه غير مستقرة
“عمان”: اكتشف فريق من الباحثين بالمركز الوطني للبحث الميداني في مجال حفظ البيئة بديوان البلاط السلطاني نوعًا جديدًا من الأسماك في برك المياه العذبة بأودية محمية جبل سمحان الطبيعية بمحافظة ظفار يتغذّى على عوالق الصخور وسُمِّي بـ “جاراسيندي” Garrasindhi، وقام الفريق باستكشاف جزء كبير من محمية جبل سمحان الطبيعية إذ أجرى دراسة مكثفة لمدة عام عن التنوُّع البيولوجي في العديد من الأودية – (وديان الأنهار الجافة) – في تلك المنطقة، وكان الهدف محاولة إجراء مسح سريع لما يمكن العثور عليه في المنطقة، وقد أسفرت الدراسة عن الكثير من المعلومات حول حياة الطيور والثدييات والزواحف والبرمائيات والنباتات والحياة المائية واللافقاريات في المنطقة، بما في ذلك أنواع نباتات جديدة محتملة ونوع جديد من الجرذان الصحراوية. أحجام مختلفة ولاحظ الفريق البحثي أنّ هناك بعض الأسماك تسبح في المياه الضحلة لتلك المسابح الصخرية، حيث كان عددها كبيرًا إلى حد ما، وقد تبيّن للفريق عند اندفاع الأسماك من المياه الضحلة إلى المياه الصافية بأن لونها أخضر زيتوني، كما تبيّن بأنّها تتغذى على عوالق الصخور باستخدام أفواهها السفلية الشبيهة بالمصاصات، وتتباين أحجام هذه الأسماك إذ تتراوح الكبيرة منها بين 80-85 ملم تقريبًا، فيما يبلغ الحجم المتوسط منها حوالي 45 ملم، وكانت بينها أيضًا عيّنات أصغر حجمًا خضراء اللون وعليها بقع ذهبية مرقطة تبدو شديدة الوضوح في الضوء ولها شريط ظهري أصفر أو ذهبي باهت ممتد على ظهرها، إضافة إلى ذلك لاحظ الفريق وجود طائر مائي يُعرف باسم وحيد العنق، وهو طائر مائي محلي يُعرف عنه ملاحقته الأسماك تحت الماء.
وقال الدكتور آلان رو – قائد الفريق البحثي” بعد قراءاتي عن أسماك المياه العذبة في عُمان ودراسة حياة وأنواع الأسماك في العديد من الأودية في ظفار، أصبحتُ على دراية بعالم الأسماك المعروفة والمتوقع التعرُّف عليها في المنطقة، حيث تعرّفت على الفور على الأسماك الموجودة في برك المياه العذبة على أنها عيّنات تنتمي إلى ما يُعرف في عالم الأسماك بفصيلة Garra) ) وهي فصيلة تنتمي إلى عائلة أسماك الشبوط المعروفة علميًا باسم “سيبرينيديا” وهي فصيلة فضولية يمثلها العديد من الأنواع التي تستوطن أجزاء من آسيا الوسطى، بما في ذلك إيران وباكستان وتركيا والهند، وكذلك في أجزاء من إفريقيا خاصة في إثيوبيا، وكنا نعلم بأنّه توجد 9 أصناف معروفة في المنطقة من بينها نوعان فقط يوجدان في محافظة ظفار.
بيئات معزولة
وأضاف:” تمكنا في إطار بحثنا من جمع بعض العيّنات لأحد أنواع الأسماك التي تُسمّى “جاراسمارتي” حيث سبق اكتشافها ووصفها قبل بضع سنوات في وادٍ يقع على بُعد 70 كم تقريبًا من منطقة البحث في منطقة نجد، كما عثرنا على نوع آخر من هذه الأسماك وهو النوع الثاني المعروف في ظفار ويُعرف باسم “جاراديونسيري”، وهو من فصيلة (troglodytespies) تم العثور عليه في حفرة الإذابة بطوي إعتير في كهف يقع عند قاعدة حفرة الإذابة على عمق 211 مترًا،” مشيرًا إلى أنّه يعتقد أنّ هذه الأسماك كانت منتشرة في وقت ما خلال الأوقات الرطبة مع هطول الأمطار الوفيرة التي ينتج عنها تجمّع مسطحات مائية أكثر ديمومة، وعندما أصبحت المنطقة أكثر جفافًا في السنوات 10- 15000 الماضية حيث تضاءلت المسطحات المائية أصبحت تلك المجموعات من الأسماك في عزلة عن فصائلها الأخرى مما أدّى إلى ظهور مجموعات مفصولة أو معزولة تطوّرت منذ ذلك الحين لتصبح أنواعًا جديدة في بيئات معزولة خاصة بها.
وقال” قبل جمع عيّنات أسماك الـ “جاراسمارتي” التي تم توصيفها لاحقًا في عام 2009م، كانت أسماك “جاراديونسيري” حينها تعتبر النوع الوحيد من أسماك المياه العذبة الأصلية داخل دائرة نصف قطرها 600 كم، ومع ذلك كان هناك نوع من الأسماك يسبح في مساحات محدودة في البرك المائية العذبة المعزولة، في وادٍ داخلي (وهو وادٍ يتدفق إلى الصحراء وليس نحو البحر) في وسط صحراء من الحصى في منطقة نجد وسط محافظة ظفار، وقد اشتبهنا على الفور في أنّ هذا يمكن أن يكون بالفعل نوعًا جديدًا من الأسماك، وعليه فقد قمنا بنصب بعض الكاميرات الفخية لالتقاط بعض العيّنات واستمررنا في جمع البيانات وإجراء المسوحات اللازمة على بعض الكائنات الحيّة الموجودة في تلك المنطقة وكذلك النباتات، وبعدها قمنا بعمليات العد والقياس وفحص العيّنات وقياس بضع مئات من الأسماك قبل إطلاقها مرة أخرى في البرك”.
مجموعة متميّزة
وقال:” إنه ضمن قيامنا بهذه العمليات البحثية الإجرائية قمنا بأخذ 10 عيّنات عشوائية لفحصها لاحقًا ومقارنتها مع عيّنات من مجموعات أخرى من الأنواع المعروفة المحفوظة في متحف التاريخ الطبيعي العُماني، وكانت الدراسة تتطلب جمع عيّنات أكثر إلا أنّنا رجّحنا جانب المحافظة عليها نظرًا لقلة عددها ولعدم توافرها في مكان آخر، وقد أصبح من الواضح بعد الفحص في المتحف أنّ العيّنات التي جمعناها تمثّل مجموعة متميّزة من حيث الشكل، إذا ما قورنت بأنواع الأسماك المعروفة الأخرى، لذلك قرّرنا جمع المزيد من العيّنات للتحليل الجيني وزيادة حجم العيّنة لدينا لتكون ذات دلالة إحصائية أكثر، وقال” عدنا أنا والباحث خالد الحكماني إلى البرك بمفردنا لجمع العيّنات المتبقية حيث تمكنا من جمع ما إجماليه (30) عيّنة تم تصويرها وحفظها وإرسال تلك العيّنات إلى ألمانيا، حيث أجرى كل من الدكتور يورج فريهوف وماتياس جيجر (المشاركان في كتابة ورقة العمل) التحليل الجيني لتلك العيّنات، كما أجريا أيضًا بعض المقارنات المورفولوجية لعيّنات الأسماك المحفوظة في المتاحف الأوروبية، وخلصت النتيجة إلى أن الأنواع السمكية من وادي أنظور كانت مرتبطة ارتباطًا وراثيًا وثيقًا بجيرانها وأنها كانت مع ذلك مجموعة متميّزة وراثيًا وبالتالي تعتبر فصيلة جديدة من فصائل الأسماك، حيث تم توصيفها وتحديد أقرب صلة وعلاقة لها بفصيلة “جاراسمارتي”، مضيفًا: تمكنتُ من إكمال الورقة العلمية لوصف تلك الأنواع من الأسماك وتم نشرها في المجلة العلمية “Zootaxa” بعد عام من اكتشاف هذا النوع وقد سُمّي باسم “جاراسيندي”.
نادر وضعيف البنية
وأوضح أنّه لا يمكن الاستهانة بقيمة مثل هذا الاكتشاف خصوصًا أنه بموجبه تم توصيف نوع جديد لصالح العلم، حيث أصبح هذا النوع الآن معروفًا رسميًا ويتم تسجيله الآن على أنه نوع نادر وضعيف البنية بسبب وجوده في عزلة في منطقة صحراوية وظروفه غير المستقرة، كما أنّ هذه المعرفة العلمية تتيح للمختصين وللجهات الحكومية اتخاذ خطوات لازمة لحماية أسماك “جاراسيندي” من خلال حماية موطنها المحلي، حيث ستعزز هذه الحماية أيضًا جهود حماية محمية جبل سمحان الطبيعية، خصوصًا وأن حماية موائل الأسماك تعني أيضًا أنّ النظام البيئي محمي لأنواع أخرى من المنظومة الأحيائية ومنظومة الحياة البرية التي تستخدم البرك المائية العذبة في وادي أنظور، وفيما تعتبر النباتات عنصرًا مهمًا في النظام البيئي المحيط بالبرك المائية العذبة، التي تم العثور على أسماك “جاراسيندي” المكتشفة الجديدة فيها، فإنّ أي حماية قد يتم توفيرها للمنطقة ستقلل من تأثير الرعي الجائر ومن تداعيات قطع الأخشاب، ومن آثار إنتاج الفحم القائم على حرق الأخشاب والنباتات، حيث سيؤدي ذلك النوع من حماية تلك البيئات إلى إضافة قيمة بيئية للمنطقة وبالتالي زيادة مرونة مجتمع الحياة البرية، وهذه الجهود بلا شك ستساهم في حماية التاريخ الطبيعي العُماني للأبد.
الجدير بالذكر، تقع البرك المائية على بُعد 45 كيلومترًا من طرق الوصول إليها، حيث يمكن الوصول إليها عبر مسارات ترابية مع قطع بعض المسافات عبر الرمال العميقة والمنحدرات الشديدة والممرات الملتوية، في حين تتميّز صحراء نجد بأنّها مساحة غالبيتها من الحصى الصحراوي. وقد تم خلال هذه الرحلة الاستكشافية أيضًا تسجيل مسارات للحياة البرية لأنواع عديدة من الحيوانات الأخرى مثل الضبع المخطط، والشيهم الهندي المتوج، والثعلب الأحمر وغرير العسل، كما وجد العديد من أنواع القوارض والطيور والحيوانات الأخرى حول البرك المائية، وتعود تفاصيل هذا الاكتشاف إلى رحلة استكشافية أواخر عام 2014م قام بها فريق من المركز بقيادة الدكتور آلان رو، حيث قامت مجموعة صغيرة من الباحثين بينهم جاري ليون، والدكتورة مارينا تساليكي، والدكتورة إريكا كويلار، والباحث معمر الشنفري، والباحث خالد الحكماني بالذهاب إلى نجد عبر ثمريت بهدف إجراء دراسة قصيرة لتلك المنطقة على أمل تسجيل أكبر قدر ممكن من المعلومات حول الحياة البرية التي يمكن العثور عليها في محمية جبل سمحان الطبيعية.