مقامات: “ميرنامه” حكاية المثقف وتاريخ الحبر والضوء

فاطمة الشيدي

لماذا نقرأ الرواية كثيرا؟! ولماذا هي أكثر الفنون الأدبية مقروئية من جميع اللغات والمستويات الثقافية والأعمار؟! لماذا نلجأ إليها غالبا حين يحاصرنا الملل أو تستهلكنا العزلة؟! هل لأنها الحياة، أم لأنها تجميل للحياة، فهي عمل أدبي يتقاطع مع الواقع فلا ينقله كما هو، بل يحكيه ولا يحاكيه، ينتقده ولا يغيّبه! فهي حكايات لأرواح كانت حية بطريقة ما في زمن ما بالقرب منا، حكايات تتسرب لأرواحنا عبر النص فتقبض عليها وتتصير جزءا من ذاكرتنا ووعينا بالحياة! ولماذا نحب رواية ولا نحب أخرى؟ هل الرواية صنعة؟ وهل البعد الفلسفي مهم للعمل السردي ليجعلنا نفكر ونستشعر آفاقا بعيدة للعمل، ونقدر عمق الراوي، ووعيه ونثق في تكوينه المعرفي وعمقه الإنساني التأملي؟ وهل اللغة عنصر مهم في صناعة الرواية؟ وهل الشعرية هي تلك الروح المفقودة في كثير من الأعمال؟ وهل التاريخ يضع الرواية في مسار الزمن وبالتالي يأخذ الوعي نحو تكرار العظة؟ وهل السرد لأحداث من الواقع أو من الذاكرة وتجميعها في خيط حكائي يخلق رواية ناجحة؟! هذه الأسئلة وغيرها تنبثق في روحي ووعيي كلما أنهيت قراءة رواية ما؛ لأجدني أتصاعد في تأملات ما بعد القراءة عبر روح النص وعلاماته السردية الفارقة.
هذه المرة كانت رواية “ميرنامة” هي فتنة السرد التي أخذتني بين يديها لزمن ما؛ لتجعلني أتساءل ما أن أنهيتها عن ثنائية الأضداد من معاني الحب والغدر، والجمال والقبح، وأستشعر روح التاريخ حين يتجلى درسا للحاضر. “ميرنامة” التي تؤكد لك الفكرة الراسخة؛ أن كل إنسان على هذه الأرض حكاية/رواية تطول أو تقصر حسب مدة عبوره عليها، رواية تختلف عناصر تشويقها حسب مجريات أحداث حياته، ثمة حياة/رواية عظيمة، وأخرى بائسة، وثالثة ممتلئة، ورابعة فارغة، وهكذا حسب عمق العبور ورسوخ الحضور. ولأن كل رواية جزء من الحياة، والحياة موقف، فلكل منا موقفه الخاص من كل شيء، من الله والحياة والبشر والوجود والعدم والفكرة والحب والقيمة والواجب والوطن. وهكذا يمكن أن تُكتب رواية/حكاية كل منا عبر رؤية الآخر له؛ بين مبغض ومحب، ومقدّر وحاقد. وهكذا وعبر صورة الإنسان في مرايا الآخر، تدور رواية “ميرنامة” للكاتب جان دمو، الكاتب الكردي الذي يكتب بعربية عذبة وجزلة قد يحسده عليها الكثير من أهلها الأقحاح والذي كتب الرواية بالكردي ثم ترجمها بنفسه للعربية.
يقدّم الكاتب الرواية كاملة في ليلة واحدة، هي ليلة وفاة الخاني مسموما، فعبر تقنية تعدد الأصوات تتقدم تاريخية العمل، ويحضر تاريخ الشخصية بعمق عبر رؤية كل من تقاطع معه في الحياة ورأيه فيه. وعبر صورة الشاعر والأمير بانعكاساتها جمالا وقبحا_ وهل الجمال (أو القبح) إلا في عين الرائي كما يقول أفلاطون _داخل الشخصيات التي عاشت معه، وهي تتذكره في الغياب الأخير محمولا على الأكتاف في ليلة ممطرة بحبر أسود كما يجمع المحبون والمبغضون على ذلك. فيمضي في نعش خفيف محفوظ بعناية الرب ومعجزاته؛ فلا تتسرب له قطرة مطر في حين يغتسل الجميع بالحبر الأسود الذي يهطل من السماء بعد أن انطفأت كل شموع البلاد لتظلم الدنيا حزنا وكمدا كقلوب العباد على الفقيد العظيم. وما أن يوضع في قبره المضيء بالعلم والخير والجمال والعدل، تلك المعاني والقيم التي عاش الخاني مؤمنا بها، وقضى عمره كاملا معلما لها قولا وفعلا؛ حتى تتداعى صورته في أذهان كل من عرفه، فيتذكره ويبكيه من جهة ويستحضر تاريخه وحياته قبله ومعه. وعبر موقف كل من يحكيه ويتذكره بحب أو بحقد، بغيرة أو بتقدير، بإنسانية أو بغدر؛ تتجلى شخصية (أحمد الخاني: الشاعر/الأمير الكردي الذي ولد سنة 1650 في هكاري، وتوفي سنة 1707 في دوغبايزيد. وقد عاش ومات كاتبًا وشاعرًا وفيلسوفًا ومتصوفًا) على لسان كل من حبيبته السابقة، وأصدقائه، وتلامذته وأعدائه، وعبر حكاية هذه الشخصيات؛ تظهر لنا بجلاء تلك الشخصية التاريخية التي يدور حولها العمل الأدبي المتقن بروح تاريخية وفنية. فتتضح فكرة العمل وهدفه الذي يتمثّل في استعادة حقبة من تاريخ الكرد يقدمها الكاتب بوضوح عارف للزمان والمكان بأحواله وشخوصه وناقد له بفساده وظلمه عبر رمزية شخصية “الخانى” بقوته وصلابته في الحق، ورقته في الحب والشعر، ووعيه وانفتاحه مع الله والإنسان، وهذا بلاشك هو جوهر العمل وقيمته وغايته. وهكذا حقق الكاتب قيمة العمل التاريخية وفكرته القومية عبر استحضار جزء من تلك الحقبة وصناعة حكاية تاريخية لشخصية تمثلها؛ تستند للتاريخ وتتفرع منه وعبره لتكون درسا تاريخيا للحاضر يصلح لكل شعب وقومية وكيان. إن الرواية التاريخية ليست استنساخا للأحداث وللذاكرة بقدر ماهي مثال للاهتداء بها، وأخذ روح الأحداث لتكون عظم الرواية ثم يكسوه الكاتب لحما جديدا لتتشكل ملامحه الخاصة عبر أصابع كل كاتب، وفتنة الخلق الخاصة بكل مبدع. وفي حين تظل الحكاية أصيلة راسخة في الماضي يأتي النسج مبدعا جديدا خاصا ودافئا فتخرج من العمل وقد عشت في زمانه ومكانه تماما، وكأنك انتقلت إليه، حتى إذا عدت منه كنت ممتلئا به عارفا بكل ما حدث هناك، ولكن بوعي جديد وذاكرة بعيدة عنه. وهذا هو سحر الروايات التاريخية مثل رواية “ميرنامة”.