هل تهدد «وسائل التواصل الاجتماعي» نزاهة الانتخابات؟

فتحي مصطفى –

لم تعد الانتخابات بجميع أنواعها- لاسيما داخل الدول المتقدمة- كسابق عهدها، تلك الصورة التقليدية التي يلجأ فيها المرشح إلى إقامة السرادقات أو تأجير القاعات للقاء الناخبين فيها، أو القيام بالزيارات وتوزيع الكتيبات التي تحمل البرامج الانتخابية، وتأجير اللوحات الإعلانية لعرضها على الناخبين، والتي تحتوي على جمل رنانة وعبارات تمت كتابتها بحرفية عالية لاستمالتهم نحو المرشح ومن ثم الفوز بأصواتهم.
فالأمر تطور حديثاً إلى لجوء المرشحين إلى وسائل التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» و«جوجل» و«إنستجرام» و«تيك توك» وغيرها، لتتحول هذه الوسائل إلى سلاح جديد غير تقليدي تدار بواسطته أو عبره رحى المعارك الانتخابية بين المرشحين بعضهم البعض ونشر الخطط والرسائل وبث الصور ومقاطع الفيديو وأي من وسائل الجذب الأخرى للمتابعين لاستمالتهم ومعرفة نواياهم عبر تعليقاتهم.
ولقد أسهمت الأعداد المتزايدة لمستخدمي هذه المنصات في نجاح التجربة بنسبة كبيرة، خصوصاً وأنها باتت تغنيهم عن متابعة القنوات الإخبارية أو قراءة الصحف، ومطالعة الأحداث لحظة بلحظة، كما أن النسبة الأكبر من هذه الأعداد تتشكل في صورة أجيال الشباب المختلفة، ما يعني أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي سيزداد يوما بعد يوم، ويشي بجيل جديد سيكون محوراً للحياة السياسية وأساسياً فيها.
وعلى الجانب الآخر فإن عدد الأشخاص السياسيين أو المرشحين بمعنى أدق، الذين أدركوا أهمية هذه الوسائل كمنصات يطلون من خلالها على الناخبين ليتبادلوا الأفكار والرؤى لحشد المزيد وشحذ الهمم نحو المشاركة في الانتخابات ومن ثم انتخابهم. فيعمد المرشح إلى تكوين ما يسمى بالجيوش أو اللجان الإلكترونية التي تعمل وتتابع وترصد عن كثب آراء الناخبين في المرشح عبر رصد تعليقاتهم وإجراء الاستطلاعات.
وليس هذا معناه أن تتحول إدارة العملية الانتخابية من صورتها التقليدية إلى هذه المنصات، إنما هي وسيلة مساعدة وفعالة إلى جانب الوسائل الأخرى ولا تغني عنها، كما أنها لا تعبر بصورة أو بأخرى عن نسب المشاركة الرسمية داخل الصناديق.
ولأهمية الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في العمليات الانتخابية، لاسيما، فيما يتعلق بنزاهة الانتخابات، تم عقد مؤتمر في جنوب إفريقيا كان عنوانه، «أثر وسائل التواصل الاجتماعي على نزاهة الانتخابات»، والذي خرج بعدد من التوصيات تمثلت في ضرورة تعاون الهيئات الانتخابية والتواصل مع جميع أصحاب المصالح التي تتعلق بالانتخابات من مرشحين وأحزاب سياسية وناخبين وأعضاء المجالس النيابية بما يعزز شفافية ونزاهة العملية الانتخابية، ومكافحة التضليل والشائعات من خلال عقد شراكات خاصة مع خبراء في التكنولوجيا وأمن المعلومات وإبرام شراكات مع منصات التواصل الاجتماعي، وعقد حملات تثقيف وتوعية من قبل هيئات الانتخابات للجهات المشاركة فيها، وكذا عرض اللوائح التنظيمية لها.
كذلك يجب أن تقوم الهيئات الانتخابية بتطوير لوائحها التنظيمية وقوانينها لتشمل وسائل التواصل الاجتماعي بما لا يتعارض مع حقوق الإنسان وحرية التعبير، وضرورة أن تعمل الهيئات الانتخابية على جميع المستويات الإقليمية والقارية والمحلية والدولية على مناقشة التحديات التي تواجهها والاستفادة من الخبرات والإمكانات الأخرى بصورة متواصلة ومستمرة.
ولعل الانتخابات الأمريكية هي الأبرز على ساحة الانتخابات الرئاسية، فإن الولايات المتحدة تبقى في طليعة مستخدمي هذه الوسائل والتقنيات السياسية لضمان الفوز، وبرغم نجاحها، إلا أنها تقلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لما لها من تأثير قد يضر بحملته الانتخابية، ويحاول الوقوف ضدها بشتى الطرق، خصوصاً في ظل التحركات المحدودة بفعل انتشار فيروس كورونا «كوفيد-19» الذي يحد، بل يمنع، احتشاد وتجمع الناس خوفاً من العدوى بالفيروس الذي ينهش في جسد عدد من الولايات الأمريكية.
وأحدث ما جرى في هذا الخصوص هو أزمة البرنامج الصيني «تيك توك» التي أثيرت أخيرا، وبعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب ما قاله بعض مستخدمي برنامج «تيك توك» من أنهم ساعدوا في إفساد حشد كان مقرراً لمؤتمر انتخابي للرئيس الأمريكي في شهر يونيو الماضي في ولاية أوكلاهوما، حيث قاموا بحجز عدد كبير وصل إلى عدة آلاف من التذاكر عبر الإنترنت دون أن يحضروا الفعاليات.
وفي ظل ما قاله الرئيس الأمريكي أنه يدرس عدة خيارات تجاه برنامج «تيك توك» من بينها حظره، سيكون ترامب خاسراً إذا ما اتخذ هذه الخطوة خصوصاً وأن مؤيديه يتمتعون بحضور واسع جدا على هذه المنصة، لذا فسيأتي بنتائج عكسية، وفقاً لتقدير بعض الخبراء.
كما أن بعضا من كبار أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي من الذين ينتمون إلى الحزب الجمهوري طالبوا الرئيس الأمريكي بإجراء تقييم لاحتمال تدخل وتأثير هذا التطبيق في سريان العملية الانتخابية الأمريكية، وهو ما يؤكد قدرة وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في هذا الصدد.
وهناك أشكال أخرى للاعتراض الأمريكي على منصة «تيك توك» غير الانتخابات الرئاسية، طالب بها أعضاء الكونجرس، ربما كانت تغليفا للأزمة وصرف النظر عن الغرض من حظرها وهو الخوف على العملية الانتخابية، حيث أعلنوا في رسالة إلى مكتب مدير المخابرات الوطنية والقائم بأعمال وزير الأمن الداخلي عن شعورهم بالقلق البالغ من إمكانية استخدام «الحزب الشيوعي الصيني» سيطرته على برنامج «تيك توك» لتشويه المحادثات السياسية التي تُجرى، أو بث الخلافات بين الأمريكيين وبعضهم ليحقق من ذلك نتائج سياسية هو يحبذها ويريدها.
وأخيرا.. فقد عانت العملية الانتخابية على مستوى العالم وعبر الزمن من عمليات تزوير لترجيح كفة مرشح عن الآخر..
فهل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي إضافة أخرى لإفساد الانتخابات؟