مرفأ قراءة… “الرواية في الوطن العربي”.. حُلم ناقد عروبي

إيهاب الملاح:

  • 1 –
    “إنني آمنت دائمًا بأن لا شيء يُبنى على واقع صلب يمكن أن يموت، مهما اشتدت الأنواء، واستفحلت قوى أعداء الثقافة”
    (علي الراعي)

  • 2 –
    مائة عام على ميلاد الناقد والأستاذ الأكاديمي المصري عروبي الهوى والأيديولوجيا والثقافة؛ الدكتور علي الراعي (1920-1999) الذي تحتفل بمئويته المؤسسة الثقافة الرسمية، فضلا على اهتمام واسع نالته المناسبة بين أوساط المثقفين المصريين والعرب؛ خاصة في دوائر المعنيين بالنقد والدراسات الأدبية؛ والأنواع الحديثة خاصة الرواية والمسرح وهما النوعان اللذان أولاهما الناقد الراحل جل اهتمامه عبر ما يقرب من نصف القرن تقريبا.
    خلال خمسة وخمسين عامًا تقريبًا، أصبح علي الراعي بجهدٍ دؤوب لا يكلُّ، واحدًا من أهم النقاد العرب المعاصرين؛ ومثقفًا واعيًا صاحب موقف أخلاقي وإنساني صارم، ومسؤولية أدبية وفكرية وثقافية، تنطلق من مواقف تقدمية تحررية جريئة لا تلين ولا تضعف، ولم يتنازل عنها قط طيلة حياته.
    حياة حافلة كرسها الدكتور الراعي للفن والناس ووطنه العربي الكبير الذي كان يحلم به، أثمرت إنتاجًا فكريًا راقيًا ووفيرًا ضم في جنباته تناولًا للفنون بشتى تجلياتها، ولا سيما المسرح. ولم يعرف تاريخ النقد العربي واحدًا من أبناء الجيل الأوسط في القرن العشرين، قد انقدحت في أعماقه شرارة العروبة، ورآها مستقبلًا واعدًا قريبًا مثلما حدث لعلي الراعي؛ عنه يقول الناقد الدكتور صلاح فضل “كان رفاقه من كبار النقاد مشغولين بهمومهم المنهجية والأيديولوجيا المحدودة، أما علي الراعي، فقد امتد به العمر ليشهد ذروة المد القومي ويتذوق حلاوته، وليعاني، في عظمة، آلام انحساره وتمزيق حلمه. ومع ذلك، فقد كتب في إهداء موسوعته النوعية عن (المسرح في الوطن العربي)، يقول: “إلى الوطن العربي الكبير، إنهم يرونه بعيدًا وأراه قريبًا”.

  • 3 –
    بحسب الناقد والأكاديمي الراحل سيد البحراوي (أحد أبرز من درسوا الخطاب النقدي لعلي الراعي)، فقد توزع جهد علي الراعي النقدي على نوعين أدبيين محددين هما؛ “الرواية” و”المسرحية”، وإن كان قد تناول ما يتصل بهما من أنواعٍ وفنون أخرى؛ مثل “المقامة”، و”الحكاية” و”خيال الظل” (وقد خصص لها كتابه المرجعي المهم “شخصية المحتال في المقامة والحكاية والرواية والمسرحية”؛ كتاب الهلال، القاهرة”)، والقصة القصيرة (التي أفرد لها كتابًا من أهم كتبه “القصة القصيرة في الأدب المعاصر”؛ كتاب الهلال، القاهرة، 1999).
    وفي النوعين الأدبيين كليهما؛ جمع عمل الراعي بين الناقد المحترف ومحلل النصوص البارع، وبين مؤرخ الأدب ذي النظرة التاريخية الشاملة والنزعة التصنيفية الترتيبية التي تتقصى الجذور وترصد النشأة وتتابع التطور عن كثب ودراية. إلى جانب ذلك، فقد اهتم الدكتور الراعي على وجه الخصوص بمتابعة النتاج الروائي والقصصي في جميع أنحاء العالم العربي، ولعب دورا بارزا في اكتشاف المواهب الجديدة والشابة وتقديمها لجمهور القراء وإفساح مجال لها في الحياة الأدبية العربية.
    استهل علي الراعي جهده في النقد الروائي مبكرا جدا؛ إذ قام خلال الفترة من 1956 وحتى 1962 بنشر سلسلة من المقالات المهمة عن الرواية المصرية جمعها فيما بعد في كتابه ذائع الصيت دراسات في الرواية المصرية الذي صدر عام 1964 وهو من الكتب النقدية المبكرة جدا في دراسة النوع الروائي في سياق الثقافة المصرية والعربية؛ معالجا في ثناياه قضايا إشكالية مثل نشأة الرواية العربية وعلاقتها بأشكال القص القديمة في التراث العربي، ومتعرضا كذلك وربما للمرة الأولى في تاريخ النقد العربي لإشكاليات البناء الروائي ودلالة عناصره الأساسية (السرد والحوار والشخصية والفضاء الروائي والزمان.. إلخ).

  • 4 –
    ويأتي كتابه المرجعي الضخم الطموح بعد قرابة الثلاثين عامًا من صدور كتابه عن الرواية المصرية؛ بعنوان “الرواية في الوطن العربي”؛ الذي صدرت طبعته الأولى عن دار المستقبل العربي عام 1992؛ وصدرت طبعته الثانية التي تقع في 792 صفحة من القطع الكبير؛ في إطار طبعة الأعمال الكاملة للناقد الراحل التي صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة 2018. يهدي علي الراعي كتابه إلى “نجيب محفوظ الذي فتح الأبواب أمام الرواية العربية؛ لقاء ما أمتعنا وأغنى حياتنا”..
    في هذا الكتاب، سيدشن علي الراعي مقولته ذائعة الصيت “الرواية ديوان العرب”، وهي أسبق من مقولة “زمن الرواية” التي أطلقها الدكتور جابر عصفور بعد ذلك بسنوات، ولقد أراد الراعي بكتابه عن الرواية أن يماثل أو يحاكي كتابه العمدة “المسرح في الوطن العربي”، لكنه جاء مختلفًا تمامًا، ومن وجوه عدة.. لعل أهمها أنه قام بما يشبه المسح النقدي لنماذج مختارة من الرواية العربية من المحيط إلى الخليج، وتضمن الكتاب فصولًا لأهم النصوص الروائية في كل منطقة من مناطق العالم العربي، فجاء الكتاب أقرب إلى النقد التحليلي المعمق منه إلى تاريخ النوع الروائي في كل بلد؛ نشأته وتطوره، واتجاهاته الفنية، كما كان في كتاب “المسرح في الوطن العربي” الذي خاض فيه مغامرته النقدية العروبية الأولى، كما أشرنا.
    وجاء كتاب “الرواية في الوطن العربي” ليستوعب مغامرته النقدية العروبية الأخرى التي استقطبت السنوات العشر الأخيرة من عمره، فبرغم عشقه اللامتناهي للمسرح، كان علي الراعي يهرع إلى قراءة الأعمال الروائية في تلك الليالي التي لا تُضاء فيها خشباته. ويبدو أن موسوعته النوعية الأولى قد مثلت له تحديًا لكتابة نظيره الثاني “الرواية في الوطن العربي”، لكنه عندما جال في أبهائها الرحبة، هتف بحماس شديد (المجد للرواية العربية)، وكتب يقول: “لقد جعلها أفضل المبدعين فيها لسان حال الأمة وديوانًا جديدًا للعرب، ومستودعًا لآمال وآلام أمتنا العظيمة المقطعة الأوصال، لا تزال شعوب هذه الأمة ترنو إلى التوحد من جديد، لا تزال تناضل الحدود الزائفة ومؤامرات الأجنبي، لا تزال تستهزئ بالحواجز والكوارث وأسلحة البغي التي تحاول جاهدة الهيمنة على الشعوب”.
    وعندما يستخلص على عادته (الثيمات) الأساسية في الرواية العربية، يضع القهر السياسي والاجتماعي على رأس قائمة المشكلات الحارة للإنسان العربي، قهر الرجال والنساء والمجتمع، بحيث تغدو الحرية هي أنشودة الإبداع الحقيقي. وهكذا نجد أن الموضوع المحبب لدى الراعي -الذي ذهب إلى إنجلترا شابًا ليدرسه وهو (الالتزام)- لم يفارقه طيلة حياته منذ أمسك بالقلم في أربعينيات هذا القرن حتى نهايتـه في التسعينيات الأخيرة.

  • 5 –
    بالتأكيد، تحتفظ محاولة الناقد الراحل رغم نقصها وقصورها، وعدم وفائها بالطموح الذي نذَرت نفسها له، بقيمتها التي تتمثل في ارتيادها الطريق، وقطعها الخطوة الأولى، وإرساء حجر الأساس لمحاولاتٍ تالية ستقطع مساحات أوسع مما قطعته محاولة الراعي، وستغطي تجارب روائية عربية بازغة وواعدة، كما في عُمان مثلا التي لفتت الأنظار بعددٍ من أصواتها الروائية الموهوبة في العشرين سنة الماضية..
    من هذه المحاولات؛ على سبيل المثال، معالجات فيصل دراج الموسوعية للرواية العربية، ومتابعات محمد برادة التي لم تفتر، وصلاح فضل في أكثر من كتاب، وجابر عصفور الذي أنجز وحده ما يزيد على الخمسة كتب في النقد التطبيقي تغطي تيارات واتجاهات الرواية العربية من مشرقها إلى مغربها عبر ما يزيد على الثلاثين عاما، ثم العمل الموسوعي الضخم الذي قام بالتخطيط له والإشراف عليه الأكاديمي حمدي السكوت عن تاريخ وببليوجرافيا الرواية العربية الحديثة (1880-2005)، وصدر في طبعة تجريبية عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة قبل عقدين من الزمان.
    لقد كان الراعي ناقدًا صاحب رسالة إبداعية وفكرية وقومية، لم يترك للأيديولوجيات الطاغية صوغ معالم هذه الرسالة في أوج سخونتها واستقطابها، ولم يتخل عن مبادئها طيلة حياته.