من بغداد إلى مسقط .. محطات وذكريات مع الشاعر عبدالرزاق الربيعي

استذكر حوارات مهمة مع العديد من الشخصيات الأدبية والفنية

كتبت: خلود الفزارية

استضاف مركز حدائق الفكر للثقافة والخدمات الشاعر عبدالرزاق الربيعي في أمسية افتراضية لمحطات وذكريات من حياته أدارها الشاعر وسام العاني.
واستهل الشاعر عبدالرزاق الربيعي الأمسية الافتراضية بقصيدة لبيروت التي أشار بأنها جزء من الذاكرة الثقافية وأنها كانت حلم كل مثقف ليزورها، فهي التي تطبع الكتب وهي الحاضنة للتجارب الشعرية الكبيرة، سائلا الله أن تبقى دائما مثل طائر الفينيق الذي ينهض دائما من الرماد، لتواصل مسيرتها ورسالتها.
غيمة مثقلة بالحزن
ظل على طريق
عُبِّد بالعصور والتكايا والزهور
عند الساحل العتيق
أم تراه حينما تلقاه غيمة مثقلة بالحزن والأوجاع
ترمي همها على فؤاد طائر صديق
ظل على طريق أم شبح طليق
من أسره يفر كل ليلة من ظلمة في الروح
حدَّها السؤال والترحال
في فضاء صبوة خضراء
في جدار جرحه العميق
ظل على الطريق أم تراه من أقبية الجنون
والنسيان والشجون
من أودية يلهو بها أحفاد عبقر الكلام
من دخان الشعر والحريق
قد قام في بيروت طائر الفينيق

المحطة الأولى

ويعود الربيعي لأول تجاربه الأدبية إلى بغداد وإلى أعوام خلت في لقائي مع الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد بمشاركة في مهرجان أقيم في ثانوية الكاظمية وبعد انتهاء المهرجان، استدعاني أنا وصديقي الشاعر الراحل صباح أحمد حمادي وقال: لنا أريدكما أن تزوراني في مكتب الوزارة، وبعد زيارته داعانا إلى نادي التعارف الذي كان أحد أعضاء مجلس إدارته لنلتقي أحيانا ونسمعه بواكير كتاباتنا.
ويتابع: في أحد الأيام سألني هل كتبت للأطفال، وأخبرني أنه أصبح مديرا لدار ثقافة الأطفال ويدعوني لزيارته لأريه ما كتبت للأطفال، وحينها لم أكتب بعد للأطفال، وفي طريق عودتي للمنزل كتبت نصين، وزرته اليوم التالي وقرأ القصيدة ونزع نظارته وقال لي: ستكون من أهم شعراء الأطفال في العراق، وستكون قريبا مني، لأتعين في مكتبه بعد ذلك، وكان من حسن حظي أنه كلما كتب قصيدة كنت أول من يقرأها لأعطيه رأيي فيها، واستمرت علاقتنا إلى آخر زيارة له لمسقط قبل وفاته بعدة أشهر، وكان هذا الرجل نقطة التحول الأولى في حياتي لأشق طريقي في العمل في الصحافة والكتابة للأطفال، وفي فضاءات الكتابة الشعرية.
وكانت مقدمة ديواني الأول بخط يد الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد، حيث كانت أشبه بقصيدة، وحين طبع الديوان جاءني صديقي الشاعر عدنان الصائغ وأخبرني أن الشاعر رشدي العامل يسأل عن الديوان، فأهديته ديواني، والتقيته صدفة بعد ذلك في أحد المنتديات الأدبية وأشاد بما كتبت، وتوفي بعد ذلك.

المحطة الثانية

بدأت المحطة الثانية من حياتي الأدبية في مهرجان الأمة للشعراء الشباب، حيث استضاف نخبة من الشعراء الكبار، وكان من بينهم الشاعر عبدالوهاب البياتي، والشاعر نزار قباني، والشاعر الإسباني أنطونيو غالا، والكاتب الفرنسي روجيه جارودي، والمستشرق الفرنسي جاك بيرك وغيرهم من الأدباء العرب والأدباء الشباب التي استمرت علاقتنا إلى اليوم.
وحين التقيت بعبدالوهاب البياتي، وكان مشروعي للتخرج هو الدلالة الرمزية في شعر عبدالوهاب البياتي طلب مني هذا البحث، وأرسله لجريدة الأنباء الكويتية التي نشرته على عدة حلقات، وكنت مبهورا به وطلبت أن أكون مرافقا له وأمضينا وقتا جميلا واستفدت كثيرا من ملاحظاته، كما كانت لنا لقاءات مع نزار قباني وسعاد الصباح الذين كانوا من ضيوف المهرجان، والمكسب الكبير من ذاك المهرجان هو لقائي بالشاعر الصديق عدنان الصائغ.
وتعرفت على صديقي عدنان الصائغ الذي ما تزال صداقتنا حتى اليوم، وكانت كاريزما هذا الرجل محبا لإثبات وجوده بعكس شخصيتي حيث كنت أتوارى وأستمتع بالكتابة نائيا عن مشاحنات الوسط وزحامه، إلا أنه هددني بقطع علاقته به في حال لم أنشر ديواني الأول، ونشرته بعد ذلك، وكان يشجعني دائما على دخول المعتركات الشعرية وما كان لي إلا أن أستجيب له.
واستعاد الربيعي بعض الذكريات التي جمعته مع أصدقائه الشعراء عدنان الصائغ وفضل خلف جبر، وكيف أن الصداقة يمكن أن تكون حافزا للإنتاجية حين يجد الشاعر الدعم والمنافسة، بالإضافة إلى بعض ذكريات الزيارات المتبادلة، والقصص الطريفة.

المحطة الثالثة

بعد انتهاء الدورة الثانية من مهرجان منتدى الأمة للشباب، أقيم مهرجان بغداد للمسرح، وكنا حينها نعمل في صحيفة يومية تواكب أحداث المهرجان، وشاهدت عروضا مسرحية كثيرة والتقيت بكبار الفنانين في المسرح، إلى جانب نخبة من الفنانين العرب، وعززت حب المسرح بداخلي وقربتني من الفنانين العرب.

المحطة الرابعة

مرحلة الدراسة في جامعة بغداد والعلاقة بالأساتذة كانت مرحلة مهمة في حياتي، فكلية الآداب كانت حافلة بأسماء كبيرة، وحتى الطلاب كانوا نخبة من الشباب، ويومنا الدراسي كان مهرجانا كاملا، وكنا نحضر المجالس الثقافية، ويمكن أن نسميها حياة مليئة بالثقافة، لنواصل عملنا الثقافي ونرضي شغفنا بالمعرفة والثقافة.

المحطة الخامسة

محطة الحوارات مع الكثير من نجوم الفن، ومن محاسن العمل بالصحافة أنها تضعك في قلب الحدث الثقافي، وبالرغم من أخذها لوقت الصحفي إلا أنها توفر أجواء لدخول عوالم فنية ترضي غرورك وتنمي ثقافتك وتجعلك تطلع على تجارب الآخرين، ودخلت من هذا الباب والتقينا بشخصيات ثقافية كثيرة عراقية وعربية وجميعها روافد خدمتنا، وأثناء عملي الصحفي تحولت جريدة الجمهورية إلى منتدى ثقافي، وكان الكثير من الكتاب والفنانين الكبار يترددون علينا، وكان من بين الحوارات حواري مع محمد علي كلاي الذي زار العراق1991 للتوسط لإطلاق سراح الأجانب المحتجزين من حرب الكويت.

محطة الأردن

وهنا ركبنا مركب الغربة وكانت في فترة حصار قاس يمر بها العراق في وقت انقطعت فيها المطبوعات والمجلات وانقطعنا عن الحياة الثقافية، وعند انتقالنا إلى الأردن، سبقنا عدنان الصائغ بستة أشهر ومهد لي الانتقال إليه، ويومها كانت عمّان محطة للزوار والسياح، وفي هذه المرحلة حضر سميح القاسم حين أقمنا أمسية واستمع إلينا وهو واقف، لأنه وصل متأخرا ولم يجد كرسيا وتابع واقفا، وكان ذلك تواضعا منه، حيث تعلمنا منهم التواضع والمحبة التي هي عنوان دائم لكل شاعر ومثقف. والتقينا بمحمود درويش بأكثر من مناسبة كما التقينا به مسبقا في بغداد.

محطة اليمن

يقول عبدالرزاق الربيعي معلقا على لقب “جلجامش”، أنه أطلق عليه لأنه كان كثير المشي، وصنعاء ليست كبيرة وكنا ندور وجوها جميل، مضيفا: وأنا أتألم اليوم لما يحصل هناك وكان عبدالعزيز المقالح المسؤول عن الصفحة وكان ينشر لي نصوصي، كما التقيت في اليمن بالقامات الكبيرة، منها سليمان العيسى، وعبدالرضا علي، وعلي العلاق، والبردوني، حتى سيف الرحبي التقيت به هناك. أما حاتم الصقر وفضل خلف كنا نلتقي يوميا في مجلس المقالح أو في مجالس بيوت المثقفين، كما كان لي حوار طويل مع سليمان العيسى.
وألقى عبدالرزاق الربيعي قصيدة لصنعاء الذي يحن إليها قلبه كما يحن لبغداد، وبعدها انتقل إلى محطته الأخيرة التي أحب المكوث فيها في مسقط.

محطة مسقط

وأشار إلى أنها نقلة كبيرة إلى جانب حياته الاجتماعية وزواجه الذي دام لمدة عشرين سنة من عزة الحارثية –رحمها الله-، وتناول بعدها المحطة الثقافية التي بدأت بمهرجان الخنساء للشاعرات العربيات في عام 1999 في دورته الأولى ولقائه بالشاعرة لمياء عباس عمارة وأجرى معها حوار ونشر كثيرا لأنها طرحت العديد من القضايا الحساسة، بحضور ملك عبدالعزيز ومجموعة من الشاعرات والشابات، كما التقيت بسعيد الصقلاوي في هذا المهرجان، والذي ما يزال صديقي إلى اليوم وهلال العامري والدكتورة سعيدة خاطر ومجموعة من الشاعرات العربية.
ومن مسقط يذكر الرزيقي أنها كانت ملتقى لنخبة من الأدباء والشعراء، ففي معارض الكتاب المقامة التقينا بالعديد من الشعراء، بالإضافة إلى سيف الرحبي ومارسيل خليفة ومهرجان الشعر العماني جمعني بأحمد عبدالمعطي حجازي وأجريت معه حوار طويلا، وجمعتني مسقط بالكثير من القامات الأدبية والفنية.
ولاقت الأمسية أصداء كبيرة من شريحة واسعة من المثقفين العرب وأصدقاء الشاعر في مختلف دول العالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتعليقات.