عن اشتقاقات التراث العماني المكتوب

محمود الرحبي
ربما أكثر ما أتمناه هو الاهتمام بالبحوث وخاصة تلك التي تساهم في إعادة قراءة التراث العماني وفق مناهج حديثة. لدينا تراث هائل ولكن لا أحد يعرف عنه شيئًا ومعظمه محقق ومطبوع بطرق قديمة. فوجود مركز بحثي للتراث من شأنه أن يعيد الألق لهذا الإرث العربي العماني المهم والأساسي الموجود في عمان، وهو بمثابة أمانة تاريخية يجب أن نعتني بها، حتى وإن كان في معظمه إرثًا فقهيًا، فحتى المتون الفقهية من الممكن جدا أن نستنبط منها ما هو مهم في مختلف المجالات العلمية والتاريخية والبيئة والطبية وحتى النفسية عن طريق مثلا معرفة نمط التفكير والطبيعة الصحية عن طريق معرفة أساليب العلاج. أشير هنا إلى المجهود الذي قامت به الباحثة أحلام الجهورية في مؤلفها الذي صدر عن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء تحت عنوان “المجتمع العماني في القرنين الرابع والخامس الهجري” حيث قامت بدراسة كتاب بيان الشرع للشيخ محمد الكندي، وهو كتاب فقهي أشبه بموسوعة تقع في واحد وسبعين جزءًا. وقد درسته دراسة سيسيولوجية، مستخرجة منه ما يشكل صورة مكتملة للحياة الاجتماعية العمانية في ذلك الوقت. تتفرد كتب التراث الفقهي العماني بالكثرة والوفرة، ويمكن الحصول منها على ما هو يعنى بمختلف مجالات العلم والحياة، كالفلك والطب مثلا أو العادات أو ما شابه من مفردات مشتقة من متون كتب التراث العماني التي في معظمها كتب فقهية. الغريب أن هذه الكتب الفقهية، وهذا الأمر موجود في معظم كتاب التراث العربي، هي من التنوع والجرأة والانفتاح بحيث يمكن للدارس أن يجد فيها مؤونة كبيرة من المعارف. وقد سبق للباحث المغربي الدكتور سعيد يقطين، في كتابه “قال الراوي” أن ألمح إلى أن كتب التراث الحكائي، وهو هنا يقصد السير الشعبية المعروفة، وهي سيرة ذات الهمة التي جاءت في سبعة أجزاء، وسيرة عنترة التي في ثمانية أجزاء، وسيرة الظاهر بيبرس التي في خمسة أجزاء، وسيرة بني هلال التي في ثلاثة أجزاء، وسيرة سيف بن ذي يزن التي في أربعة أجزاء، وسيرة الزير سالم وحمزة البهلوان وغيرها من السير، تفرغ الأستاذ يقطين في قراءتها وتأملها واستخراج أهم بنياتها، ليكتشف أن كاتب السيرة الشعبية ليس فقط حكاء يروي القصص السابقة والمغازي والبطولات، إنما كذلك هو عارف بمختلف العلوم ومن ضمنها علوم الفلك والتاريخ والعمران وغير ذلك، وقد عُدَّت هذه الدراسة التي أنجزها سعيد يقطين من أهم الدراسات العربية في قراءة ودراسة وفهم كتب التراث الشعبي الذي كان مهمشا في مقابل التراث العالم أو الرسمي. كما أن وجود مركز للأبحاث يساعد جميع الباحثين الشباب والأجانب ويساعد حتى كتاب السرد في إيجاد المعلومة، فحين كتب تولستوي مثلا روايته العالمية “الحرب والسلام”، لن يكن ليتم له ذلك لولا وجود مركز أبحاث زوده بكل ما يرغب عن المرحلة التاريخية التي أراد الكتابة عنها، وهي فترة تبعد عن زمانه قرابة الخمسين عاما، حيث كتب روايته عن حملة نابليون على روسيا، واستطاع أن يستخرج في أسلوب روائي شيق، أهم تفاصيلها الدقيقة التي تدور فيها روايته الضخمة. هذا الجانب من شأنه أن يكشف لنا تفاصيل كنوز تراثنا العماني الكبير من المؤلفات القديمة التي للأسف يقف الاهتمام بها عند حدود التأليف والتجليد، خاصة وأن العديد من أعلام عمان التاريخيين تم ضمهم إلى قائمة أعلام التراث الإنساني كابن الذهبي وأبو محمد الأزدي ونور الدين السالمي والخليل الفراهيدي والطبيب راشد بن عميرة ومؤخرا أبو مسلم البهلاني، فلو فقط ركزت على ما تركه أحمد بن ماجد في علوم البحار لاستخرجنا معجما هائلا “معجما بحريا” لا نظير له في كل آفاق العالم، فما بالنا بكل هؤلاء الذين ألف معظمهم عشرات الكتب، والغريب أن بعضها حتى لم يحقق بعد، ناهيك عن استخراج كنوزه من مشتقات وإضافات لغوية ومعجمية علمية ومعرفية.