مكر الذهب

مصباح قطب
mesbahkotb@gmail.com
ارتفع سعر الذهب منذ أيام إلى ما فوق المستوى التاريخى الذى كان قد بلغه فى ٢٠١١ . الارتفاع فى عمومه له مبررات معروفة للجميع ،فالذهب ملاذ آمن وقت عدم اليقين الاستثمارى ، والأزمات ، وما أكثرها ، من كوفيد١٩ إلى التوترات الحادة فى العلاقات الأمريكية الصينية ،كما أن ارتفاعه قرين – شبه دائم- لانخفاض العملة الأمريكية والفائدة ( وبصفة خاصة على السندات طويلة الأجل ) ، والدولار كما نرى يشهد تراجعات حادة. واسعار الفائدة على كافة العملات الرئيسية فى أدنى مستوياتها.لكن خلف هذا التحليل العام هناك ما يمكن قوله ،فنظرة إلى أسعار الذهب منذ ١٩٩٠ تبين أن الذهب كان قد هبط دون الـ ٤٠٠ دولار للأوقية فى أوائل التسعينيات، لكنه بدأ الارتفاع القوى منذ ٢٠٠٧، أى مع تباشير الأزمة المالية العالمية، التى تفجرت بوضوح فى ٢٠٠٨ ، لكن اللاعبين الكبار فى الأسواق أدركوا مقدمتها مبكرا، ولهذا أخذت الأموال تتدفق إلى الذهب ، كملاذ، ولم يتوقف الصعود اويبدا التراجع عامة إلا فى٢٠١٣ وبعد أن مر بسعر ذروة فى ٢٠١١ كما أشرنا وكان نحو ١٩٢٢ دولار للأوقية . ثم ها هو يصعد مع القلاقل الراهنة والشاملة فى الاقتصاد العالمى . الملاحظة الجوهرية أن الذهب ينخفض بقوة حين يأتي التباطؤ فى الاقتصاد العالمي ضمن دورة هبوط طبيعية أي ليست مصحوبة بازمات حادة أو كوارث كبرى كحروب أو أوبئة واسعة النطاق ، لكنه يحلق عاليا مع الركود الناتج عن صدمة، أو عن كارثة كوباء كورنا الذى نحيا فيه . أيضا فإن علاجات الأزمات الاقتصادية لا تخرج فى النهاية عن ضخ كميات هائلة من السيولة ، وبذلك فهي تضع أساسا لدورة صعود الذهب نفسه لاحقا ، لأن عدم التناسق بين كمية الأموال التى تتحرك واحتياجات التجارة والاستثمار عالميا، يتيح أموالا هائلة تبحث عن فرص بما يغذي المضاربات على الذهب وأمثاله .
في بداية انكسار النشاط الاقتصادي بسبب كورونا كانت التعاملات على الذهب حذرة فلم يكن أحد يعرف الأجل الذي ستستغرقه ، وأيضا وكما أشرت في مقال سابق ، لأن المشاركين الأفراد عبر ” الفوركس” من منازلهم ادركوا انهم قد يحتاجون السيولة لسد الحاجة إلى طعام أو شراب بعدما وضح الارتباك الشديد في التجارة العالمية وبدأت أنانية الدول تتجلى من خلال حجب سلع أساسية عن التبادل .
في الوقت الراهن فإن اكبرخطر يجب التحذير منه هو دخول الأفراد إلى السوق، بغير وعي، وطمعا في قضم جانب من كعكة المكاسب الضخمة التي حققها الذهب ، والتي فاقت ال ٢٧ ٪ في اشهر.سيكون الدخول متأخرا و المخاطر مرتفعة للغاية لأن موجة الصعود تشارف نهايتها ، ثم إن من يدخل الان سيلعب مع الغيلان الذين يديرون اللعبة بأدوات شديدة التعقيد وفوق مستوى قدرة أو حتى ادراك الأفراد.
إذا متى نقطة النهاية الصعودية ؟ . الإجابة واضحة و غامضة في وقت واحد فالمنطق يقول إن الإعلان عن بدء الانتاج التجاري للقاح فعال لكوفيد ١٩ هو بكل يقين بداية نهاية للرحلة . يأتي الغموض من أن أباطرة لعبة الذهب يعرفون أكثر من غيرهم بكثير ما يدور في مطابخ المؤسسات البحثي الدوائية ،كما أن لحظة النهاية يسبقها عادة تشديد محموم للنكير المضاربي قبل الخروج من الملعب، و تنافس عنيف بل ومدمر على من يخرج في نهاية آخر ثانية لذروة الارتفاع، ويترك الباقين مع دورة الهبوط.
أن المضاربة على الذهب تتم خلال ملاعب ولاعبين كثر وبالتالي لا نعرف عنهم ما نعرفه عن مستثمري الأوراق المالية، فلا بيانات كافية عن المستثمرين الأفراد والمؤسسات، وتطورات أحجام و آجال العقود ، ولا زلت أخمن أن مشاركة الأفراد كانت محدودة ،حتى وقت قصير مضى ، لكن يحدث عادة أن تصدق النبوءة التي يغذيها الكبار ويراهنون عليها، إلا وهي اندفاع جحافل من الأفراد إلى الملعب في الوقت الخاطىء. هؤلاء هم من يتحمل عبء الخسارة الافدح، لذا لزم التنوبه إلى مكر الذهب هذا .
السؤال آخر – إلى أي حد يهبط الذهب إذا ما ظهر علاج فعال لكورونا؟ . يصعب التحديد لكن سعر الذهب سيعود إلى أن تكون العوامل الأساسية المؤثرة عليه هي العوامل الطبيعية وعلى رأسها ارتباطه بأسعار الفائدة الحقيقية وما يتاثر بها من عوائد السندات والأوراق المالية ، وسعر الدولار ، ومعطيات جانب العرض من حيث الاستثمارات في المناجم والإنتاجية ، يضاف إليها عامل برز بقوة في الاعوم الأخيرة وهو الشراء المكثف من المعدن الأصفر ولأغراض سياسية.