تحليل: رغم تصدعه بسبب الحرب .. امطار اليمن تنعش سد مأرب التاريخي

صنعاء- “عمان”- جمال مجاهد
أنعشت الأمطار الغزيرة والسيول الجارفة التي يشهدها اليمن ولا يزال، سد مأرب التاريخي، إذ فاضت بحيرة السدّ لأوّل مرّة منذ إعادة بنائه عام 1986، والتي تبلغ سعتها القصوى 660 مليون متراً مكعّباً. وسد مأرب (في محافظة مأرب شرق صنعاء) يعود تاريخه إلى بدايات الألفية الأولى قبل الميلاد، ويعتبر أحد أقدم السدود في العالم وكان يروي ما يقارب 98 ألف كيلو متراً مربّعاً، وهو ما عنى أن سكان اليمن حقّقوا الاكتفاء الذاتي من ناحية احتياجهم للماء والغذاء، فالماء الناتج عن السد القديم كان يكفيهم للزراعة وإطعام مواشيهم. ويعود تاريخ إنشاء السد إلى عهد دولة سبأ (1200- 275 قبل الميلاد) وبدأ تشييده في حوال القرن الثامن قبل الميلاد، واستمر تطوير بنائه وتوسيعه حتى اتخذ شكله النهائي والكامل بجميع مرافقه ومصارفه في القرن الخامس قبل الميلاد. وإعتبر الباحثون السد معجزة تاريخ شبه الجزيرة العربية، ولكنه ليس الوحيد الذي بناه السبئيون وليس الأقدم إذ أظهرت الآثار أن السبئيين حاولوا حصر المياه والاستفادة من الأمطار منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، إلا أن السد الشهير نفسه يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. وينظر اليمنيون إلى سد مأرب باعتباره رمز حضارتهم التليدة وتاريخهم المجيد. وطمأن محافظ مأرب سلطان العرّادة اليمنيين لدى تفقّده بحيرة السد وقال “اطّلعنا خلال هذه الزيارة ومن الواقع على وضع السد، حيث أكد لنا المهندس الذي رافق عمليات إنشائه وتشغيله منذ لحظاته الأولى والمسؤول الفني عنه، والأكثر خبرة علمية وعملية بالسد وجوانبه الهندسية والفنية، أن السد آمن جداً ولا صحة لما ينشر ويثار من مخاوف”. وأمر المحافظ الجهات المختصّة بتوفير كافة المتطلّبات الخاصة بالصيانة حالياً وبصورة عاجلة، وكلما احتاج إلى ذلك وبشكل دائم. وأكد مدير السد المهندس أحمد العريفي أن السد “صمّم قبل بنائه على احتمال أن يأتيه طوفان كل 10 آلاف سنة، وهو قادر على استيعابه”، وفقاً لما أورده الموقع الإليكتروني لمحافظة مأرب. وقال العريفي “إن السد صمّم له منفذاً طبيعياً تبدأ المياه بالمفيض منه إلى خارجه، وبعد تشغيل هذا المنفذ، نحتاج إلى 280 مليون متراً مكعّباً من المياه زيادة استيعابية في السد لنبدأ الحديث عن الخطورة”، لافتاً إلى أنه “ما يزال حتى الآن يستطيع أن يستوعب كمية هائلة من المياه تتجاوز 100 مليون متراً مكعّباً حتى يصل إلى المفيض من المنفذ الطبيعي في حدود طاقته الاستيعابية الآمنة والطبيعية جداً”. وأفاد مدير عام مكتب الزراعة والري بمحافظة مأرب المهندس سيف الولص أن كميات المياه التي وصلت إلى سد مأرب التاريخي حتى الآن “تبشّر بموسم وفير للمزارعين هذا العام، وستشكّل رافداً كبيراً للقطاع الزراعي في المحافظة التي تمثّل واحدة من السلال الغذائية التي تمد اليمن ودول الجوار بالعديد من المحاصيل الزراعية ذات الجودة العالية”. ويعتبر سد مأرب من أرقى السدود من الناحية الهندسية. وقام المهندسون بمعاينة طبيعة الأرض قبل إنشاء السد، ثم بنوا عليها المخطّط الهندسي الذي هو عبارة عن حائط حجري ضخم أقيم في “مربط الدم” عند مخرج السيل من الوادي، وبني على زاوية منفرجة، ممتداً من الجنوب إلى الشمال مسافة 650 متراً، وله فتحات وأبواب تفتح وتغلق حسب الحاجة لمرور الماء منها إلى المسايل المتصلة بها لإرواء الحقول والبساتين والمزارع. وحسب التنقيبات الأثرية بني السد من حجارة اقتطعت من صخور الجبال، حيث نحتت بدقة، ووضعت فوق بعضها البعض واستخدم الجبس لربط الحجارة المنحوتة ببعضها البعض، واستخدمت قضبان اسطوانية من النحاس والرصاص يبلغ طول الواحدة منها 16 متراً، وقطرها حوالي أربعة سنتيمترات توضع في ثقوب الحجارة فتصبح كالمسمار فيتم دمجها بصخرة مطابقة لها وذلك ليتمكّن من الثبات أمام خطر الزلازل والسيول العنيفة. وتعرّض السد لعدّة تصدّعات ولكن نهايته كانت في العام 575 بعد الميلاد لغياب حكومة مركزية واضطّراب الأمن في البلاد وتدخّل القوى الأجنبية (الفرس) واستقلال زعماء القبائل بإقطاعياتهم. ويعد تدمير سد مأرب (سيل العرم) حدثاً تاريخياً، وذكر في القرآن الكريم. وترتّب على ذلك فشل نظام الري، ما أدّى لهجرة ما يصل إلى 50 ألف شخص من اليمن إلى مناطق أخرى من شبه الجزيرة العربية. وفي الشهور الأولى من الحرب التي اندلعت أواخر مارس عام 2015، تعرّضت البوّابة الشمالية لسد مأرب لقصف جوي. وأفاد شهود عيان بأنه في مساء 31 مايو 2015، تعرّضت البوّابة الشمالية (المصرف المائي الشمالي) من السد القديم للتدمير، نتيجة غارة جوية نفّذها طيران التحالف العربي إذ ألحقت الغارة أضراراً بالغة ببوّابة السد، فيما كان أفراد مسلّحون وآليات عسكرية تتبع جماعة “أنصار الله” تتمركز عند البوّابتين الشمالية والجنوبية للسد القديم.