محمد مشالي.. تبكيه كل عيون الدنيا

خالد فاروق السقا
ومن هو الإنسان إن لم يكن بخصال وسمات وأخلاق محمد مشالي؟ وما هي الإنسانية إن لم تكن أفعال محمد مشالي؟ بمثل مشالي نقترب من الحقيقة الكبيرة ونلامس جوهر الذات الإنسانية. هذا الإنسان لا يمكن تعريفه، فقد عرفته كل الدنيا في حياته ويوم رحيله بالأمس القريب.. وبكته كل عيون الدنيا، ونعته بكل ألسنها المختلفة.
لم يكن لأحد أن يمر بجانب سيرته دون أن يقف إجلالا واحتراما لهذا الراحل الذي أحبه القاصي والداني.. فتح الدكتور محمد مشالي كل علامات الاستفهام حول حقيقتنا الإنسانية، لم يكن طبيب الغلابة وحسب وإنما طبيب الإنسانية في نقائصها وتعاليها.. كان أول دفعته في كلية الطب وقد دخلها بأعلى نسبة يمكن أن يدخل بها نابغة.. ذلك يغلق الباب على من يرون في أنفسهم أكثر ما يستحقون فقد حطم الراحل كل مظاهر الاستعلاء والتعالي البشري ولم يترك فرصة لواهم بأن يرى نفسه أكبر وأعلى من الناس.
نزل إلى الغلابة في حاراتهم الضيقة، وجاورهم، وعاش وسطهم، وعالج عللهم وجراحاتهم، ولم ينقص ذلك منه شيئا بل زاده رفعة ومحبة ووفاء وتقديرا واحتراما تجاوز حدود مصر إلى العالم كله.
ذلك الراحل المقيم بذكراه لم يكن ابن ذوات متغطرس أو متعجرف أو يظن في نفسه الظنون، وإنما ابن أسرة بسيطة صنع الفارق لكل أسرة مصرية بعظيم صنعه في إنسان بلده.. هي خمسون عاما تزيد قليلا أو تنقص لم يكل أو يمل من استقبال أولئك الفقراء الغلابة بما يتيسر لهم من أجر الكشف أو حتى لم يتيسر لهم.
من مثله في زماننا يفعلها؟ ومن مثله تتعلق روحه بذلك السمو الإنساني الذي يجعله كملاك في هيئة إنسان؟ لم يمنعه تقدم العمر من أن يبذل وسعه وجهده ووقته في مداواة مرضاه.. يا للهول: كان ذلك العبقري الإنسان يعالج ما يقرب من 100 حالة يوميا في 3 عيادات. ألم أقل إنه أكثر من إنسان!!
الآن وقد رحل.. لا توجد أكف إنسانية إلا وترتفع بالضراعة لله تعالى أن يتقبله القبول الحسن، وأن يكرم نزله كما أكرمنا جميعا بعظيم السيرة ونبيل الذكرى وجليل العمل الصالح، وليت أحدنا يستطيع أن يعمل أقل القليل مما نذر نفسه له في أعوام عمره المليئة بكل ذلك العطاء.. مع الخالدين والمرحومين بإذن الله الدكتور الإنسان محمد مشالي وأنت راحل بجسدك وباق بأثرك وإرثك وعملك الجميل الذي يضيء مساحات واسعة في ظلام الإنسانية المعاصرة.