في أقصى درب الدموع… وطن لهنود أمريكا

جوي هارجو
ترجمة : أحمد شافعي
كان صباحا عاديا في مقاطعة آرتس هنا في أراضي أمة مسكوجي كريك. لم يتهيأ اليوم بعد للمزيد من الحرارة. وكنت في بيتي أداعب بعض الأبيات وتداعبني حينما اندفع زوجي داخلا وهو يقول “فزنا”. كان الهاتف المحمول في يده يحمل نبأ عاجلا. “فزنا في قرار مكجيرت ضد أوكلاهوما”.
أصابني الشلل، تنفست بعمق، غير مصدقة نفسي، ومذهولة. كيف لأمتي القبلية الأصلية أن تفوز بأي قرار في ظل هذه المحكمة العليا المحافظة؟ وفي وقت من تاريخ أمريكا كهذا الوقت الذي تبدو العدالة فيه معرضة لأشد أشكال الخطر؟ انهمرت دموع زوجي ودموعي.

وفود 34 قبيلة في بيت مستشار كريك بالأراضي الهندية التي عرفت لاحقا بأوكلاهوما قرابة سنة 1880م


لم نكن غير جزء من صيحة جماعية تعالت فيما نطلق عليه “البلد الهندي” لحظة أن وصل إليه القرار. قضينا أغلب الوقت المتبقي من اليوم نتواصل مع الأصدقاء والأهل، نؤكد لبعضنا البعض أن الخبر حقيقي.
باسم أغلبية القضاة، حكم القاضي نيل جورستش ـ الذي رشحه الرئيس ترامب للمحكمة العليا ـ بأنه “بموجب معاهدة سنة 1866 التي وقعتها أمة كريك مع الولايات المتحدة تبقى أغلب أراضي ولاية أوكلاهوما أرضا قبلية ذات سيادة، وعليه فإن السكان الأصليين الذين يتهمون بارتكاب جرائم على هذه الأرض لا بد أن يقدموا للعدالة أمام محاكم قبلية أو فيدرالية لا أمام محاكم الولاية”.
كتب القاضي جورستش “إننا اليوم أمام سؤال عما إذا كانت الأرض التي وعدت بها هذه المعاهدات تبقى في حيازة الهنود وخاضعة للقانون الجنائي الفيدرالي. ولأن الكونجرس لم يقل بغير هذا، فإننا نطالب الحكومة بالالتزام بكلمتها”. لكن الحكم يعني أكثر من ذلك بكثير. كان يعني الشرعية، والتفرد، والإنسانية، كان يعني تأكيد حقوقنا الإنسانية بوصفنا سكانا أصليين لنا الحق في الوجود.
واصل القاضي جورستش: “إن ما كان في أقصى طرف درب الدموع [الذي سلكه الهنود مرحَّلين حوالي سنة 1700 عن أرضهم إلى أرض جديدة] هو وعد. فبعد إرغامهم على الرحيل عن أرض أسلافهم في جورجيا وألاباما، تلقت أمة كريك تأكيدات تضمن لهم أراضيهم الجديدة في الغرب إلى الأبد. وفي مقابل التنازل عن ’كامل أراضيهم، إلى الشرق من نهر الميسيسيبي’، وافقت الحكومة الأمريكية بموجب معاهدة على ’أن تضمن ضمانا مقدسا بقاء بلد كريك إلى الغرب من الميسيسيبي لهنود كريك”.

ظللت طوال النهار أفكر كيف أن هذا قرار بلدين في ذمة التاريخ، وكيف يمكن أن يكون وقع هذا النبأ على أبوي، وأجدادي، وجدود أجدادي ممن رحلوا عن هذا العالم.
لطالما آمن الشيوخ والكبار أنه في نهاية المطاف، سوف ينال العدالة من ظلوا يعنون بها ومن لم ينسوا التعاليم الأصيلة الضاربة بجذورها في العلاقة بالأرض. لم يزل بوسعي أن أسمع أصواتهم ونحن جالسون في السقيفة في مساء يوم الحكم حينما أصبح الجو لطيفا. أحيانا تأتي العدالة بعد سبعة أجيال، بل وأكثر. لكنها محتومة.
حينما تفهمون التاريخ على هذا النحو ـ بوصفه حكايات متصلة ـ فإنه لا يكون ماضيا يقصيه الضباب. لقد كان سلفي موناهوي ـ قبل ستة أجيال ـ من مقاتلي “العصا” الحمراء الذين قاتلوا مباشرة أندرو جاكسن، وقاوموا السرقة المجرّمة لأرضنا في الجنوب الشرقي في معركة منحنى الحدوة.
طالما ذكّرنا الكبار بأننا سوف نبقى هنا بعد أن يبلى الاستعمار ويذوي. وأوضحت لي ذلك واحدة من الكبار ذات يوم بأن ضمت أصابعها إلى بعضها بعضا وقالت “أترين هذا؟” ولم أكن أرى من بين أصابعها نورا. قالت “هذا هو الزمن المنقضي منذ الاستيطان الأوروبي”. ثم فردت ذراعيها من الأفق إلى الأفق وقالت “أما هذا فهو الزمان كله”.
جاء قرار المحكمة العليا الأسبوع الماضي فأكد ما يعرفه بالفعل من يعيشون منا هنا على مقربة من التاريخ. ولكننا مع ذلك لم نكن واثقين أن هذا سيحدث لأن دأبنا في المحاكم ألا تطيب أمورنا. فطالما غلبتنا الخيالات القانونية والحكايات الكاذبة. حتى لقد جاء ذكرنا في إعلان الاستقلال باعتبارنا “الهمج الهنود معدومي الرحمة” المتربصين على “حدودنا”.
فلما وقف قاض مرشح للمحكمة العليا مع أربعة قضاة غيره والتزموا بسيادة القانون بدلا من الانحناء أمام الحجج السياسية، كان هذا مذهلا: كان قرارا شريفا. وإنه ليبث فينا الأمل بأن قاعدة سيادة القانون التي أقيم على أساسها هذا البلد قد تنطبق على الجميع سواسية.
لقد فهم كبارنا حقيقة “أننا جميعا مترابطون”، والآن يبدأ المزيد منا، نحن أبناء هذه الأمة التي تصفي حسابها حاليا مع العنصرية، في فهم هذا.
سنظل نحن مواطني الأمة القبلية نعيش حياتنا مواطنين عاديين في الولايات المتحدة وفي أوكلاهوما: نلتحق بالمدارس الحكومية، ونتولى الوظائف، وندفع الضرائب، ونحتل مواقع بالانتخاب، ونرعى أسرنا.
ومع ذلك، ستكون لنا حياتنا بعيدا عن التيار السائد. ستجدوننا في كنائسنا الكريكية، وأراضينا الشعائرية، ومراكزنا الاجتماعية، راسخين في أوساطنا، على حواف البلدات والمدن، هنالك في البعيد، وسط الشجر، والأرض.
هنالك سوف تسمعون لغتنا كلاما وأغنيات، تدعونا إلى الدخول في الدائرة المحيطة بأمتنا. ستسمعون المبدأين اللذين تقوم عليهما حياتنا: إياسكيتيف أي التواضع وفنوكيتكف أي الحب.
من المهم أن نتوقف هنا، في هذه اللحظة، وندرك كل ما بذل وصولا إلى لحظة العدالة هذه. ما بذل من تصميم وكفاح ونضال، وما طبخ من طعام ليدعم أولئك الذين يقضون في العمل الساعات الطوال.
لقد كان منا من قاموا بالتوصيل، ومن اعتنوا بالصغار، ومن ساروا على أقدامهم قاطعين المسافات، مفطوري القلوب، حتى إذا ما وصلوا، بدأوا المسير من جديد. وكان ثمة أيضا، وأخيرا، في طرف قصي من درب الدموع، وعد لم ينتهك.

كاتبة المقال هي أميرة الشعراء الأمريكيين
نشر المقال في نيويورك تايمز