عودة الملاحق الثقافية

محمود الرحبي

من المنتظر أن ينعش خبر استئناف صدور الصّحف ورقيا أمنية بعودة الملاحق الثقافية للمنابر العمانية، وأهمّها ملاحق صحف “الوطن” (أشرعة) و”عمان” (شرفات) و”الشّبيبة”( آفاق). وليست هذه الرّغبة وليدةَ شعور فردي، بل تهمّ فئة عريضة من الكتّاب والقراء معا. وتجد هذه الأمنية الجماعية مسوّغاتها وتبريراتها في عدّة عوامل تستدعي منا التوسع فيها.
كان من تداعيات “الأزمة الاقتصادية”، إذن، إغلاق هذه الملاحق الثقافية، بعدما ارتأت إدارة الصّحف ضرورة تقليص الصفحات، فكانت الملاحق الثقافية “كبش الفداء”، فاختفت -إلى أجَل غير مسمّى ـ من الهيكلة العامّة لعدة صحف. ويمكن القول، والحال هذه، إن للملاحق الثقافية ارتباطا وثيقا بالوضع الاقتصادي العامّ، أي أن ازدهارها يشكّل، في العمق، أحد مؤشّرات التعافي الاقتصادي، وتوقفها مؤشّر على العكس. وبذلك، تبقى آمال إحياء هذه الملاحق معلّقة بنهوض أو تعاف اقتصادي. ودون الخوض في مقارنات خارج عمان، نؤكد أن صحفا عديدة لم تُراع هذا المؤشّر. في المقابل، ظلت الملاحق الثقافية مرتبطة بإصدار بعض الصّحف، وبالتالي كان حجبها مقترنا بإيقاف هذه المنابر أو تحوّلها من “الورقي” إلى “الرّقمي”. لكنْ ثمة سؤال ملحّ يفرض نفسه هنا: ألم تعوّض هذه الصّحف غياب ملاحقها الثقافية بصفحات يومية؟ وبصيغة أخرى: هل يمكن للصفحات الثقافية أن تُشكّل -ما كانت تشكله – الملاحقَ الأسبوعية؟ وأن تُغني -ولو مؤقتا- عن وجودها؟ أخشى أن يكون الجواب صادما، بالنفي.

إذا سلّمنا بأن بمقدور الصحف الثقافية اليومية تقديمُ “طبق ثقافي” يومي فستكون قناعتنا في محلها، لكنها قناعة منقوصة.. فما تقدّم الصحف اليومية من أخبار ثقافية أشبهُ بيوميات الثقافة في العالم. وهذا يحدث عادة حتى في وجود هذه الملاحق الثقافية، التي لا تستقي مادتها من وكالات الأنباء والإصدارات العالمية إلا لتثبت أنها تفتقر إلى المشاركة، محليا وعربيا. لذلك تُخصّص معظم الصحف التي لها ملاحق “وازنة” صفحات ثقافية يومية مستقلة عن هذه الملاحق، أو تفرد لأخبار الوكالات جزءا هامشيا من الملحق، وذلك لتفتح نوافذَ إضافية لإسهامات أكثر للكتّاب بإبداعاتهم الجديدة. فإصدارٌ جديد في الصفحة الثقافية يكون خبرا، بينما هو في الملاحق الثقافية تحليل وقراءة وسبر. فالخبر لا يدلّ، بالضرورة، على قراءة عميقة للمادة المقدَّمة، بل يخبرنا بصدور الكتاب، وهي معلومة – مع ذيوع منابر التواصل الاجتماعي – يسهل الحصول عليها . أما البحث أو الدراسة فيتعمق ويتوسّع في شرح النص أو الكتاب وفي كافة جوانبه والإضافة التي يقدّم. وربما تطرقت لنواقصه أو عيوبه أو فضحت تهافته وأدخلته، بذلك، في دائرة الجدل البنّاء، الذي لا تحتمله سوى الملاحق الثقافية، وذلك نظرا لطبيعتها كبيت أو ميدان لهذا النوع من الجدل والدراسات ذات الطبيعة النقدية.. فمن يقرأ ورقة عن كتاب ما في ملحق ثقافي أسبوعي لن يجد خبرا كالذي في الصفحات اليومية التي تستقي أغلب مادتها من وكالات الأنباء، وأشير هنا بإعجاب إلى الصفحة الثقافية التي تبنّت إصدارَها، وكالةُ الأنباء العمانية حول جديد الفعاليات والإصدارات الثقافية في الوطن العربي والعالم.
الملاحق توفر مادة تثير في القارئ رغبة البحث وتُشوقه للمتابعة، إنها البيت الطبيعي أو ميدان الجدل والإبداع والتوسع البحثي، هذا المتنفس الربيعي الذي أغلقت نوافذه دفعة واحدة، نتمنى رجوعه كما كان.
وأتذكر في هذا السياق كيف كنا في الثمانينات، ونحن بعدُ في الثانوية، ننتظر بتلهّف، صدورَ الملحق الثقافي لجريدة عمان، موقنين بأنه سيأتي بـ”جديد”، من خلال نص إبداعي أو مقالة نقدية أو مادة مترجمة. وكانت المشاركات على أشدها من مختلف الأقلام العمانية، وخاصة الأقلام ذات التطلع الحداثي الغربي التي تفاعلت – من خلال الترجمة – مع كل ما وفد إلى الثقافة العربية من جديد. وكنا نتطلّع إلى المشاركة في مجال نرى أن وجوده يعنينا.
من هذا المنطلق تشكّل الملاحق الثقافية بوابة للنقاش الثقافي، خاصة في شقه الأدبي، باعتبار أن أغلب المساهمين فيها أدباء ومترجمون وباحثون ونقاد. ويعيشون، بسبب هذا الإيقاف الدّراماتيكي، أفق انتظار أرجو ألا يطول أكثر. فقد كانت الملاحق الثقافية للصّحف الثلاث المذكورة تشهد زخما وتنوعا ملحوظين، في موادّها الأدبية على الخصوص. ونشرت لمبدعين وباحثين عمّانيين نصوصا وأعمدة ومقالات، وأحيانا دراسات. بل إنه لكثرة هذه المواد، كان ملحق ” شرفات”، مثلا، يصدر ثلاث مرات أسبوعيا. كما تمتلك الملاحق الثقافية ميزة مهمة، فهي بمثابة ملاذ للإنتاجات الجديدة، مشكّلة بذلك مرجعا للباحث العلمي الجامعي في مجالات الثقافة والأدب والنقد. فإذا أراد باحث حر أو باحث جامعيّ أن يُعدّ أطروحة أو دراسة أكاديمية فسيضطرّ إلى التوقف أمام تواريخ ما قبل أزمة حجب هذه الملاحق؛ وهذا في حد ذاته مصدرُ إحراج علمي.
في المقابل، شكّل المحلق الثقافي بالنسبة إلى عدة صحف جزءا أساسيا من هويتها تحرص على عدم التفريط فيه، لأن تكريسه تطلّب منها سنوات طويلة، استطاعت خلالها كسب ثقة أقلام لبعضها وزنه وقيمته. حتى صارت هذه الملاحق بالنسبة إلى هذه الصحف بمثابة الروح، التي تصير بغيابها جسدا بلا روح، بلا حياة.