هوامش .. ومتون الليل يستردّ هيبته!

عبدالرزّاق الربيعي
مع بدء تطبيق قرار اللجنة العليا المكلّفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار “كورونا” القاضي بحظر التجوّل الليلي، وإغلاق جميع الأماكن العامة والمحلات التجارية خلال ساعات الحظر (من السابعة مساء إلى السادسة صباحا) لغاية الثامن من أغسطس القادم، كإجراء احترازي لمنع تفشّي الفيروس، أقول: مع بدء تطبيق القرار، عادت لليل هيبته، التي فقدها بفعل الحركة اليوميّة المتواصلة في الشوارع على مدى 24 ساعة، مع أنها تخفّ كثيرا عمّا تكون عليه في النهار، وفي ذلك تطاول على الليل الذي خصّه الله تعالى بالسكون، والركون إلى البيوت بقوله جلّ جلاله “وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا”، وجاء في تفسير (الطبري) “وجعلنا الليل لكم غشاء يتغشّاكم سواده، وتغطّيكم ظلمته، كما يغطي الثوب لابسه لتسكنوا فيه عن التصرّف”، لكنّ الليل لم يعد في العقود الأخيرة، كما كان، إذ تعرّض للانتهاك، وهذه نتيجة طبيعيّة، للتغييرات التي أحدثتها المدينة في حياة الإنسان، وقد ساهم التطوّر التكنولوجي في تعزيز ذلك، فصارت بعض محلّات البيع الكبيرة، تتباهى بأنّها لا تغلق أبوابها على مدى ساعات اليوم، ولو جرّبنا، وقمنا بزيارة لها في ساعات متأخّرة من الليل لوجدنا فيها العديد من الزبائن، وهو أمر متوقّع، فلولا ذلك لما فتحت أبوابها، وجعلت عمّالها ساهرين حتى مطلع الفجر، الذي تبدأ معه دورة عمل جديدة، مع عمّال شبعوا نوما، وأحلاما في بيوتهم، وقاموا مبتهلين إلى الباري، وعلى شفاههم أدعية الصباح “اللهمّ يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلّجه، وسرّح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه وأتقن صنع الفلك الدوار في مقادير تبرجه، وشعشع ضياء الشمس بنور تأجّجه”، عائدين لمقارّ عملهم لمواصلة نشاطهم من حيث غادر زملاؤهم، ليناموا ساعات النهار، فينقلب نهارهم ليلا، وليلهم نهارًا! وكلّ هذا يحدث، لأنّ المدينة فرضت أسلوب حياتها على ساكنيها، ومع ذلك هناك دول ما زالت تحافظ على هيبة الليل، والعتمة، فتفرض نظاما على المحلات، فتجبرها على الإغلاق بعد غروب الشمس، في الظروف الاعتياديّة، وتشترط أن تكون الإنارة خفيفة جدا، لمن يتطلّب عمله ذلك، كالصيدليّات، والفنادق، والمطارات، ومراكز الشرطة، وتُتّخذ كلّ تلك الإجراءات من أجل أن يشرق ضوء الأعماق، انسجاما مع مقولة شمس الدين التبريزي “لكلّ ليل قمر حتى ذلك الليل الذي بأعماقك”! ويوما بعد آخر، صارت تلك الإجراءات نظام حياة، ففي الصين التي أمضيت فيها شهرا عام 2009، رأيت المطاعم تبكّر بتقديم وجبة العشاء، لأنّ الحركة تهدأ بعد غروب الشمس في الشوارع، فيما تعود بصخبها مع كلّ إشراقة لشمس جديدة! هذه الحالة نجدها بشكل واضح كلّما ابتعدنا عن المدن، وذهبنا إلى القرى، والمناطق الصحراويّة، كما اعتدنا أن نفعل بين حين، وآخر، مع عدد من الأصدقاء الذين يشاركوننا هذا الشغف العارم بالطبيعة، ففي المناطق الصحراويّة، والقرى، نعثر على فردوسنا المفقود، فهناك ما زالوا ينعمون بليل “كموج البحر يرخي سدوله” على الأرواح، فنستمتع بمرأى النجوم التي تلتمع في الأفق، والقمر الذي يرسل أشعّته الناعمة للسواقي، وأطراف الأشجار، فتنام الكائنات، مع الشمس، لتصحو من جديد مع شمس جديدة تضيء سماء الكون، والأرواح. وبهدف استثمار ضوء النهار، نبعت فكرة التوقيت الصيفي، الذي تتبعه بعض البلدان التي ترى أن السهر على أضواء المصابيح، هو إسراف لا ضرورة له، فيما النهوض المتأخّر هو “تبذير بضوء النهار”، لكنّ البعض يحبّ التسوّق، والحركة في الليل، تخلّصا من الزحمة، ويرى أنّ استثمار وقت الليل في العمل يخفّف من شدّتها، ويمكن أن أتفهّم هذا الكلام في مدن صناعيّة كبيرة، ومكتظّة بالسكّان، لكنّنا في “مسقط”، ننعم بالعيش في مدينة هادئة، قليلة السكّان قياسا إلى عواصم الدول الأخرى، ماذا سيقول لو عاش في عاصمة كبكّين يتجاوز عدد سكانها (21) مليونًا ونصف المليون، ومع ذلك تحافظ على أسلوب حياة هو أقرب ما يكون إلى أسلوب سكّان القرى عندنا!!؟ وبكلّ الأحوال، فهذا النوع من الناس لا يشكّل عدده إلا نسبة قليلة، وما دامت الظروف قد فرضت علينا المكوث بالبيوت، خلال ساعات الليل، فلنستمع بجماليّته، ونعود إلى أعماقنا، ونغني “يا ليل ياعين”!