الادخار والاستثمار والاستهلاك

حققت دول عربية مثل السلطنة ومصر والإمارات والسعودية، إنجازات جيدة في مجال جذب الاستثمار الأجنبي المباشر عن العام ٢٠١٩، وإذا كان من حق كل دولة أن تزهو بما حققته على هذا المؤشر العالمي المهم، فإن من واجب الجميع أن ينافشوا مع أنفسهم بكل وضوح تحديات السؤال الصعب : ماذا بعد؟ خاصة وكما هو معروف فإن تدفقات الاستثمار الأجنبي ستقل بواقع ٤٠٪ فى ٢٠٢٠/٢٠٢١ كما تتوقع “الاونكتاد” ، كما لا أحد يعرف ماذا سيحصل بعد ذلك فالسيناريوهات كلها داكنة والاستبصار عصيب. يقول تقرير منشور على موقع منظمة دول التعاون الاقتصادي والتنمية يوم ٢٩ يونيو ( إن الاضطرابات في تدفقات الحافظة والاستثمارات الأجنبية المباشرة – التي تعد جزءًا لا يتجزأ من العولمة الاقتصادية – ليست استثناءً مما يجرى العولمة وأعمدتها التجارة والاستثمار، ومصداق ذلك قيام المستثمرين بسحب مبالغ هائلة من استثمارات المحافظ من البلدان النامية منذ بداية أزمة COVID-19 ، وهي أكبر تدفقات رأسمالية تم تسجيل سحبها على الإطلاق….. وسيضرب الانكماش في الاستثمار الأجنبي المباشر البلدان النامية بشكل خاص ، لسببين.١ من المتوقع أن تنخفض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلدان النامية أكثر من المتوسط ​​العالمي بالنظر إلى أن القطاعات التي تأثرت بشدة بالوباء تمثل حصة أكبر من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في البلدان النامية (كالسياحة والنقل) . ٢، أصبحت البلدان النامية أكثر اعتمادًا على الاستثمار الأجنبي المباشر على مدى العقود القليلة الماضية – زادت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلدان النامية من 14 مليار دولار أمريكي إلى 706 مليارات دولار أمريكي (الأسعار الحالية) بين عامي 1985 و 2018). إن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلدان النامية ليست صنفا واحدا من حيث الكم والنوع، ولا متساوية في حركتها الجغرافية تجاه تلك المنطقة أو تلك أو هذا البلد أو ذاك، وهنا يأتي الواجب الأول على الدول المتلقية الا وهو التحليل المعمق لحركة الاستثمار الأجنبي إلى القطاعات المختلفة، ثم مشروع بمشروع، ومقارنة الأثر أو العائد على المستثمر وعلى البلد مقارنة بدول أخرى، وجنبا إلى جنب، دراسة أنماط الحوافز أو الجواذب التي كان لها الأثر الأعلى في جذب الاستثمار وترتيب تلك العوامل تنازليا ليستفاد منها، ويقود ذلك إلى دراسة مصادر الاستثمار الأجنبي وتمويله، سواء كان من دول أو مؤسسات متعددة الأطراف او صناديق أو الخ، وبحث الجهات التي يمكن أن يفضي التواصل معها إلى نتائج إيجابية في مجال ضح استثمار جديدة أو عمل توسعات اكثر من غيرها مع اخذ البيئة العالمية الراهنة في الاعتبار بالطبع. هناك حاجة كذلك إلى عمل تحليل شبيه بذلك الذي تقوم به أجهزة الاحصاء على الواردات لبيان أيها يمكن إنتاجه محليا وكيف، أقصد تحليل الاستثمارات الأجنبية التي تم التطلع إلى استقدامها وأصبح من الصعب تحقيق ذلك الان وبيان إمكانية أن يكون الاستثمار المحلي العام أو الخاص أو خليط منهما بديلا. ان الدول التي أنجزت الكثير في مجال تحسين مناخ الأعمال والحد من البيروقراطية والاتمتة، وزيادة التنافسية، لن يكون أمامها الكثير لتفعله على هذا الصعيد لتجذب الاستثمار الاجنبي الذي كانت تعيقه أمور اجرائية او بيروقراطية او تنظيمية، وبالتالي سيكون عليها الاعتماد على الاستثمار الوطني على نحو أعلى خلال فترة التعافي العالمي غير المحدد المسار حتى الآن، ولكن تكمن هنا معضلتان اولاهما تراجع الطلب المحلي مما لايغري المستثمرين بالاستثمار ، وثانيتهما تراجع الادخار المحلي وبالتالي ارتفاع قلة المعروض للانفاق الاستثماري، مع حيرة البنوك المركزية بين الرغبة في تنشيط الاستهلاك وهذا يلزمه، مع أمور أخرى، تقديم عوائد عالية للقطاع العائلي وهو المدخر الأكبر، والمستهلك المهم، ومن جهة اخرى تريد خفض الفائدة لتنشيط الاستثمار، وتزداد هذه المعادلة تعقيدا بوجود استثمارات الأجانب في المحفظة او ارتقاب عودتهم إلى سوق الدين -او إلى البورصة- حيث لن يغريهم الا عائد مرتفع حتى وان أدى ذلك إلى إرهاق الخزانة العامة بمدفوعات اعلى لتمويل ديونها المختلفة. الطريف أن سلوك المواطنين في دول العالم المختلفة يتباين بشكل مثير ففي أمريكا ادخر المواطنون من قيمة الشيكات التي حصلوا عليها ضمن خطة التحفيز. والان اخذ معدل الادخار في التراجع بعد ارتفاع كبير لبدء تلاشي أثر هذه الشيكات مع إعادة فتح الاقتصاد. في الدول النامية فان فتح الاقتصاد سيجعل المواطنين يسعون إلى إعادة بناء، المدخرات التي تم استنزافها خلال الاغلاق، وهذا جيد في جانب، لكنه يحد من زيادة الاستهلاك ومن ثم يؤثر على رغبة المستثمرين في المخاطرة ويوجد بعد آخر، فكما يقول التقرير المنشور على موقع OECD,، المشار اليه ( إن المنافسة بين البلدان النامية على اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر من البلدان المرتفعة الدخل و / أو العمل كموردين للأسواق الاستهلاكية في البلدان المرتفعة الدخل هي أشد من أي وقت مضى ، ولا سيما في مجال التصنيع. تضاعفت حصة البلدان النامية من الصادرات الصناعية ذات التقنية المنخفضة ثلاث مرات تقريبًا منذ عام 1980 ، وتضاعف حجم العمالة العالمية غير الماهرة منذ عام 1990. وهذا يعني أن إعادة فتح الإنتاج بسرعة ، وربما حتى قبل أن يصبح ذلك آمنًا ، يمكن أن يوفر قدرة تنافسية حادة. على سبيل المثال ، في بنجلاديش ، تم الضغط على شركات تصنيع الملابس لإعادة بدء الإنتاج على الرغم من المخاطر الصحية المرتبطة بذلك. يشعر أصحاب المصانع بالقلق من أنهم إذا لم يستأنفوا الإنتاج بسرعة ، فإن تجار التجزئة في الخارج سيحصلون ببساطة على الإنتاج من الصين أو فيتنام أو كمبوديا). يبقى ان إعادة بناء شبكة سلاسل الإمداد كجري من دروس كورونا يمكن أن يوفر فرصا للدول النامية ويعتمد ذلك على سرعة الأداء والمرونة العالية في التجاوب مع الفرصة. وتشير كتابات كثيرة إلى أن كورونا بينت ايضا ان الادوار يمكن أن تتكامل بين الدول بل وبين ذوي المهارات المتباينة، وحتى مع وجود الرقمنة وحتمية تسريعها، وستظل هناك حاجة إلى ما هو تقليدي ، وإذا عز تحقيق ما تقدم بسبب التوترات الدولية خاصة بين الصين والولايات المتحدة وما يتبعها من تحالفات او عداوات، فإن قدرا من التكامل الاقليمي يمكن أن يلعب دورا مؤثرا في استمرار دورات الادخار والاستثمار والتجارة الخارجية عند مستويات مقبولة.