مقامات ..« مدن الذاكرة » إيطاليا؛ بلاد الحب والطعام والفن

فاطمة الشيدي

1.مسقط. دبي
15/7/2019

نهرب للأمام من فوضى العدم الكبير، نبحث عن قطرة ماء في صحارى الوجود حيث الحمى ترتفع في مفاصله أبدا مكانيا وإنسانيا، والليل يطبق رؤاه على الجثث الفارغة، ويحاصر الأرواح ويدفعها للبحث عن خيارات أقل فداحة. وليس إلا السفر والغياب المؤقت ومزاحمة ذرات الكون الحرة في دوراناتها المستمرة، وكائناته الباحثة عن شهيق جديد كلما ازدحمت رئة المكان برائحة الاحتراق والاختناق.
نهرب للمطارات، للتحليق نحو البعيد، لتأمل الوجوه المتعددة السحنات، والتي تطفو عليها الحالات النفسية والأوضاع الاجتماعية والجغرافيات المتعددة، فتجعلك تتأمل الإنسان بكل أحواله وأوضاعه. تأمل الوجوه عادة سرية لمعظم البشر وكأنهم في محاولة لفهم الآخر عبر لغة الجسد لتحقيق أكبر قدر من التعالق مع العالم ومع الإنسانية وربما يبحثون عمّن يشبههم أو يعزّيهم في مصابهم الوجودي الكبير. وغالبا نقف كثيرا عند وجوه الأطفال وكبار السن فهم بدايات السلام والفرح ونهاياته والعالم يمر بينهما في قلق وسعي حثيث في الرحلة الوجودية المرهقة.
نصل دبي يبهرنا كل ذلك الاتساع والتقدير للغربة التي تتجلى في وجوه البشر؛ عبر محاولة صادقة لجعل المكان أكثر راحة وتوفير كل الوسائل للانتظار المريح والغفوات القصيرة وحتى للنوم والاستراحة والاستمتاع قدر المتاح في اللامكان عبر وسائل الاتصال التي تحتجز الجميع في أجهزتها النقالة.
يأخذنا الحال بين القهوة ومحاورة الوجود فينسل الوقت من بين أيدينا وتحلّق الطائرة دوننا. نحاول ألا نسمح للكدر والضيق بالتسلل لأرواحنا حتى نلحق بالرحلة بالأخرى، نتجاسر على أجسادنا المرهقة فيمر الوقت بين الرحلتين الفائتة والقادمة أسرع مما تصورنا ونمضي في غفوة التحليق.
نصل ميلانو وقد أخذنا التعب والإرهاق فتأخذنا بين أحضانها برفق، وتهدهد أجسادنا المرهقة وقلوبنا المتعطّشة للجمال فنطلق العنان لأرجلنا تعانق خطواتها الطرقات، ونلتذ بطعامها اللذيذ. ثم في محطة القطارات التاريخية نستسلم لشجن القطارات ونمخر عبرها تحرسنا الأشجار العالية ذهابا لفينيسيا مدينة الماء والملح والجمال.

2. فينيسيا
8/7/2019

نصل فينيسيا/ البندقية فتستقبلنا بالمطر، بعاصفة ثلجية ماطرة وتستمر في إدهاشنا لليوم التالي بمطر لم يكن متوقعا، فيما كنا نخشى الحر كما أرهبتنا مواقع التنبؤات الجوية. يأخذنا الماء إليه؛ لنصرخ يا رب الماء والجمال فلأول مرة يحدث أن يكون (التكسي) في الماء ولأول مرة نشاهد مدينة كاملة في الماء. البيوت والفنادق والمقاهي والحانات والساحات في الماء، بينما تأخذك القوارب عبره فقط، أما الجسور فترتفع فوق الماء وتأخذك من الماء وتعيدك للماء.
نسكن في منطقة سان ماركو في مركز المدينة الباذخة الجمال، والمرهِقة بجمالها وكثرة جسورها وقد اختار لها القائمون عليها ألا تكون صديقة للأطفال وكبار السن والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة.
يبهرنا المكان المدهش الذي يضم أجناسا متنوعة من البشر أهل المكان والسياح والعاملين في المكان، فيصادفك الجميل والقبيح والبشوش والمكفهر كما تصادف العربي بنموذجيه الرائع بأخلاقه؛ كالشاب المصري في محطة القطار الذي يحمل عنك الحقائب الثقيلة بود أثقل، والنادل القبيح الذي يتعامل بلزوجة ما أن يسمع عربيتنا الخالصة قبل أن ندرك عربيته المثقل بثقلها حتى في بلاد غريبة كان يمكن أن يكون فيها سفيرا للجمال العربي الداخلي. ولكن كل شخص يمثل نفسه فقط هكذا أدرك الآن بعد زمن طويل من الوعي والتأملات، فالحكم العام والمطلق هو غباء كبير وعنصرية كامنة، فكل من الجمال والقبح حالة فردية تمثل صاحبها تماما، هذا ما يجب أن نؤمن به ونعيشه.
تتأمل كل شيء يمر عليك بحب؛ الجسور التي ترتفع فوق الماء لتشكّل منطقة عبور للبشر، الساحات الواسعة والتي تتوسط كل حي صغير، ويجتمع فيها البشر ليأكلوا ويشربوا ويتكلموا ويقرأوا. الأرصفة التي تأخذ الخطوات للدروب في مشي مستمر لا يهدأ فيه الإنسان وهو يقضي أغلب حاجاته مشيا. المقاهي المنتشرة في كل مكان حيث يمكنك الجلوس وشرب القهوة أو ما تحب من المشروبات. المحلات، والمعارض الفنية، والموسيقا التي تؤاخي خطوات البشر بلا حاجة للبحث عنها فهي ظل المكان. الطعام الإيطالي اللذيذ المتوفر في كل زاوية بأصنافه المعروفة وأكثرها البيتزا والباستا، الجمال المتفاوت صعودا ونزولا، الأناقة غير المفتعلة والبسيطة غالبا، الهدوء والانشغال بالذات، الإنسان الذي لا يفكر في شيء كما يبدو سوى أن يحيا الحياة.
تقف طويلا عند لوحة كتب عليها بالإنجليزي (المستقبل هو الآن) نعم هذا صحيح تماما. وهذا ما ينقص الإنسان في العالم العربي تماما أيضا، فهم يفكرون في الغد والمستقبل حتى ينسوا الحياة. كما تنقصهم الحرية والديموقراطية وتراخي السلطات الثلاث الدينية والاجتماعية والسياسية عن روح الفرد ليعيش.

3. فلورنسا
13_7_2019

من نشيج الماء إلى شجن القطارات نغادر فينيسيا/البندقية ونصل لفلورنسا التاريخية بمبانيها الضخمة، بموسيقاها التي تستقبلك بحفاوة الفرح، ومقاهيها ومطاعمها المنتشرة ببذخ، فلا أحد يجوع أو يبحث طويلا عن الطعام في إيطاليا، الطعام في كل مكان وحسب ذوقك الصعب غالبا في السفر، حساء البحريات أو سلطة الدجاج مطلبك الدائم متوافر في كل المطاعم.
الشقة الصغيرة في المبنى التاريخي الضخم الذي يعيدك للوراء قرونا من الزمان ليست ذات رفاهية عالية ولكنها بنمطها التاريخي تلبي حاجتك للذهاب في الزمن والاستئناس بالمكان التاريخي. التاريخ يحضر بعكازه ولحيته البيضاء في المكان، ولكأن هنا بيته، ويده التي تحيطه بالرعاية والدفء في كل زاوية وركن، هذا ناهيك عن المتاحف التي تحنط الزمن والأرواح والأعمال الخالدة، كمتحف دافنشي، ومايكل انجلو وغيرها، بل لعل المدينة كلها متحف خالد.
تشعر أن كل شيء يستقبلك بحفاوة ويحضنك بروعة ويفتح لك مغاليق الزمن لتعبر وسط هذا الجمال زمنك الحالي لأزمنة المكان البعيدة، لذا كان المطر يحتفى بقلوبنا الجافة ليلة كاملة ونحن نركض منه إليه في شوارع فلورنسا لتعقبه شمس حنونه ستأخذنا لمكان آخر.

4. مدينة بيزا وبرجها المائل
16_7_2019

من فلورنسا وعبر القطار نذهب في رحلة قصيرة لمدينة بيزا لمشاهدة برج بيزا المائل أحد عجائب الدنيا السبع، يحتشد السواح هناك من كل بلاد العالم. لذا تشعر أنك من العالم وتتحد معه ومع إنسانه.
بيزا مدينة هادئة وبسيطة إلا من أعجوبتها المائلة هذه والتي تستجذب السواح من كل حدب وصوب، دون ذلك كل شيء عادي وبسيط وطرازها المعماري حديث نسبيا مقارنة مع فلورنسا. أكثر ما يبهرك البشر بحيواتهم الطبيعية، تشعر أنهم يحبون أجسادهم ويكرهون السيارات يمشون كثيرا في ملابس مريحة للحركة والأولوية للمشاة، ففي كل مكان خطوط مشاة بلا إشارات ضوئية غالبا إلا في الطرق السريعة حيث ضرورة السيارات لذا لا عجب أن تجد النحافة هي السائدة وتجد الأجساد الخفيفة والمتخففة تعبر الوجود بخفة وتتحرك دائما، الصغار والكبار يتحركون، تلتفت بإكبار لكبار السن الذين لا يمنعهم سوى الموت من الحركة بينما يموتون في بلادنا من قلة الحركة والسأم غالبا. كم درس علينا أن نتعلم من السفر والبشر!

5. كل الطرق تؤدى إلى روما
19_7_2019

نصل روما وتفتح لنا أحضانها الواسعة أصلا، فهي مدينة ضخمة ككل العواصم مليئة بالمتاحف والمطاعم والساحات ككل مدن أوروبا عامة وإيطاليا خاصة، نغترف من جمالها ونتجول بين أرجائها ساحة ساحة ونمشي في أزقتها الحجرية حتى تنهك أقدامنا وتتعب أجسادنا معانقين أهل الموسيقا والفن، متأملين للبشر من أهلها ومن سواح وباعة وهم يتزاحمون في طرقاتها.
نحاول أن نحبها لكنها مدينة بلا روح ككل العواصم -غالبا- فنادرا ما يبتسم لك نادل أو بائع، ولكن بالطبع لن تعدم من يلاطف طفل أو يبتسم لك في ساحة أو محطة قطار .
الشقة الصغيرة التي تقع في الدور الثالث بلا مصعد كهربائي، تقصم ظهرك صعودا ونزولا، ناهيك عن استقبالها المرير أول ليلة بانطفاء الكهرباء بعد رحلة مرهقه مما يبعدك عن محبة المدينة خطوات.
مع الوقت والمشي والأكل والنزهات في الساحات الضخمة وصولا للفاتيكان بلد “الرب” التي ترتل فيها صلاة خاصة بينك وبين ربك وربهم؛ تتحسن علاقتك بها قليلا قبل أن تغادرها نحو وطنك العزيز أبدا.

6. الإنسان بلا زيف في الضواحي والقرى
20 _7_2019

نذهب لمدينة براتشاينو من ضواحي روما، تستقبلنا المدينة الناعسة بعذوبة وحنان في أحضان بحيرتها العذبة بحفاوة خاصة، تستغرب ذلك الانجذاب الطيّب للإنسان والمكان، فتتساءل عن ذلك اللطف الذي غمرنا هناك وليوم واحد فقط من نادل المقهى وصاحب محل الأيسكريم والعائلة القريبة على الشاطئ. والرجل الذي أوصلنا مجانا لمحطة القطار مجانا. فهل لأن الماء يهذب أرواح الناس؟ أم لأن المدن تربكها بالبهرجة والمداية. خرجنا منها ونحن نردد؛ الدنيا بعدها فيها ناس طيبة وإيطاليا أيضا.

7. تأملات الوداع والعودة: أنت من هنا ولست من هناك
26_7_2019

أ.
نعود لأحضان الوطن بعد رحلة طويلة ومرهقة، نترك أوروبا العجوز بجمالها وقبحها بحرية الإنسان وروحه البسيطة بفعل الأنظمة الليبرالية والجو الجميل، نترك الحدائق والأرصفة والساحات التي نتمنى أن نجدها في بلادنا، نترك الكثير من الظواهر الجيدة كالموسيقا والفنون التي تعانق الأرصفة وخطوات الإنسان أينما اتجه، وتوفر دخلا كريما لأصحابها بحرية وجمال، والشحاتة الطيبة بهدوء وبلا إزعاج، والشباب المهتمين بقضايا إنسانية كالحيوانات والمتشردين وغيرها من قضايا المجتمع ويسعون لجذب أنظار الناس نحوها، بالتعريف بها عبر البروشورات وجمع المال لذلك.
كما نترك (بلا أسف) الظواهر الغريبة علينا وغير المتقبلة بالنسبة لشرقيتنا وثقافتنا كالمثلية المنتشرة جدا بين الذكور والإناث والتي هي في الحقيقة ليست إلا نتاجا للمادية الرأسمالية وتشظى العلاقات الإنسانية وجفاف النبع الروحي لدى البشر بعيدا عن الرب والكون، وظاهرة المتشردين الذين يعيشون في الشوارع بلا اهتمام من الحكومة أو من الناس، وبعض اللباس شبه العاري الذي يشعرك بالقرف والامتعاض أكثر من الإغراء حتى لو كنت رجلا جائعا أبدا.
ب.
وأنت تتجول في أوروبا وتعانق قدماك الأرصفة كل وقت تدرك قيمة المشي للإنسان، كما أنك إذ تجد ساحة أو حديقة بسيطة جدا، في كل منطقة سكنية صغيرة يجتمع فيها من يرغب باللعب من الأطفال أو القراءة أو الأكل أو الراحة والتأمل من الكبار، اجتماع لا يقصي الفردانية بل يعمّقها ويشكل عبرها حالة جمعية راقية جدا؛ تدرك أن الأرصفة والساحات ضرورة إنسانية لخلق التآلف الإنساني الناجم عن بساطة البشر، وصدقهم وعدم تدخلهم في أمور الآخر إلا بمحبة. وأن هذا هو ما ينقصنا فعلا أكثر ربما حتى من الحرية والديموقراطية.
إننا نحتاج لتفكيك الحالة من جهتين؛ الأولى عبر حرية فردانية لا تحفل بأحد، مع منح الآخر حق الاختلاف عنا دون تأطير للوعي الإنساني بأشكال وأنماط محددة، والثانية عبر مطالبات جادة بحدائق بسيطة وأرصفة في كل حارة وحي سكني لخلق حالة من الانفتاح على الآخر القريب وصناعة مشاريع اجتماعية متعددة تدخل الفرح والأنس مع الجماعات المتقاربة في السكنى. وتشكل بؤر صغيرة لحالة إنسانية أكبر هي الوطن دون أدلجة الدين أو صناعة الحكومة.
إن منح كل حي سكنى مساحة أرض لحديقة صغيرة بأدوات بسيطة يلتقي فيها البشر ويلعب فيها الأطفال تعتبر ضرورة تخطيطية ملحّة أكثر من أي شيء آخر وأكثر حتى من الحدائق الشاسعة والبعيدة.
حديقة بسيطة يمكن للناس المساهمة في صناعتها بأنفسهم وعبر تبرعات ومساهمات حسب مستوى الدخل، أو تولى أحد أغنياء المنطقة القيام بذلك، حديقة تحمل لها طعامك وكتبك وأجهزتك وكل ما تحتاجه لفترة قصيرة تخرج فيها من البيت وتلتقي أهل الحي حديقة يأوي إليها كبار السن والمتقاعدون والنساء والأطفال في ساعات الفراغ.
إن هذه الحالة البسيطة بلا قيد جمعي ولا شعارات ميتة تتعاظم قيمتها والحاجة إليها مع تزايد سطوة الإسمنت على الأرواح وتباين أوقات العمل وغيرها من تغيرات العصر التي أفرزت عزلة الكائن التي لا تحتمل ومنعت التواصل الاجتماعي أو حددته.
ج.
في كل مكان جديد أذهب إليه؛ أعتدت أن أبحث عن قبور الخالدين من الكتاب لألقي عليهم السلام وأشكرهم على ما قدموه للإنسانية ولي من فضل، وكنت أخطط في إيطاليا للسلام على أمبرتو إيكو، والانحناء طويلا أمام قبره، وإرسال قبلة له من روحي لروحه هناك في الأعالي؛
لكني للأسف لم أجد أي شيء يشير لمكانه الجديد قبرا أو متحفا. وثمة إشارات أنه عمد لذلك.
الكاتب والفيلسوف صاحب الـ ٤٠ دكتوراه فخرية. والروايات الأكثر متعة وصعوبة، المبدع الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في حياته أراد أن ينام بهدوء، ويترك لأعماله الخالدة أن تتحدث عنه ما بقي الوجود.
فعن قرب قريب لروحك السلام وعليك السلام.