لقاح الشعر

بيتر بوميرانتسيف
ترجمة: أحمد شافعي


أثار الحجر وإغلاق الحدود لدى أبي صورا قديمة من أيام الحرب الباردة. وفي حين كان كوفيد 19 يقلص الحياة والموت إلى إحصاءات، كان أبي يستعمل الأدب لتأكيد الفردية”.
“لو كنت استمعت لكلامك، لكنّا الآن ميتين” كذلك قال لي أبي بينما وباء كورونا يحمل أنداده الواحد تلو الآخر إلى مقابرهم. كنت قد أردت أن نبقى في لندن في فبراير، في الوقت الذي كان فيروس كورونا لم يزل موضع تهوين من الساسة الإنجليز و”مستشاريهم الخاصين”. كان أبي قد تقاعد للتو من محطته الإذاعية في براج، وجاء مع أمي في زيارة إلى لندن ـ ألا يريدان قضاء مزيد من الوقت مع زوجتي وأبنائي؟ لكنهما أصرّا على الرجوع، وقالا كلاما عن تجديد عقد شقتهما. والآن أرى أنهما أفلتا بأعجوبة. فقد وقعت أنا وزوجتي وأبناؤنا فرائس لكورونا في وقت لاحق من ذلك الشهر. لا بد أننا كنا نتحرك به لأسابيع قبلها، محركات صغيرة لنشر العدوى. فكان بوسع نفَس واحد في غير موضعه أن يجهز على والدي. في براج كان الوضع أكثر أمنا لهما: فالحظر بدأ قبل وقت كبير منه في إنجلترا التي لا تعرف الشفقة.
كان أول ما قمت به بعد شفائي من المرض هو عمل وثائقي عن الوباء للقناة الرابعة في هيئة الإذاعة البريطانية. جعلته بمثابة تحقيق استقصائي عما لو أن كوفيد 19 يقرِّب المجتمع أم يفرّقنا عن بعضنا بعضا. كان البرنامج متصلا ببحثي في مدرسة لندن للاقتصاد حيث أبحث في “الاستقطاب” وكيفية التغلب عليه. كانت السمة الغالبة على السنوات القليلة الأخيرة هي الانقسامات الاجتماعية حول البريكزت إلى “دعاة البقاء [في الاتحاد الأوربي]” “ودعاة الخروج [من الاتحاد الأوربي]”، والتي إن ركزت النظر فيها، وبحثت في ما وراء التصويت، لوجدت إلى حد كبير حربا بين الأجيال: فالكبار صوَّتوا من أجل الخروج، والشباب صوَّتوا من أجل البقاء.
كان العمل على ذلك البرنامج نضالا لم أتوقعه. فحتى بعد أن تلاشت أصعب أعراض فيروس كورونا ـ من حمَّى ولهاث وعرق وهذيان ـ كنت لم أزل فاترا، أفقد تركيزي في منتصف الحوارات. وهكذا هو المخ الكوفيدي، الملهوف على أوكسجين منتظم عبر رئات خربة، ينهدم سريعا. كان من أوائل الحوارات الناجحة التي تمكَّنت من إجرائها حوار مع المحلل النفسي جوش كوهين الذي اكتشف توترات جوهرية بين الأجيال خلال كوفيد 19.
“فرويد عنده هذه الفكرة عن عصبة الأخوة الذين يتحدون في الزمن القديم النظري من أجل قتل الأب الكبير. ثم يمتلئون بالندم على الذلك. وذلك الندم أساس القمع الذي يمثل بدوره أساس التحضر. فالحضارة إذن في حقيقتها هي إدخال للإحساس بالذنب في عدواننا على من نرغب في الإطاحة بهم أو في إزاحتهم من طريقنا. ونحن نزداد تطورا من الناحية المعنوية باعتنائنا بمن نشعر بهذا العدوان السري عليهم”.
رأى كوهين ذلك المنطق فاعلا في أزمة كوفيد 19 ـ وبخاصة في ما يتعلق بما إذا كان علينا أن نسعى إلى مناعة القطيع، وهي الفكرة التي شاعت شيوعا كبيرا في إنجلترا في بداية الوباء. قال كوهين “كان من ضمن ذلك الخطاب أن مناعة القطيع سوف تكون انتخابا كفئا لكبار السن والضعاف صحيا ولن تؤثر على أحد سواهم”. ناقش السير باتريك فالانس ـ كبير المستشارين العلميين في المملكة المتحدة ـ استراتيجية مناعة القطيع في حوارات مع سكاي نيوز وبي بي سي قائلا إن “هدفنا هو تقليل الذروة، وتوسعة الذروة، لا القضاء عليها تماما … أن ننشئ نوعا من مناعة القطيع”. وستنشر صنداي تايمز لاحقا أن البعض سمعوا دومينيك كمنجز، كبير المستشارين السياسيين، لبوريس جونسن يصف في بعض الحفلات استراتيجية الحكومة بقوله “إننا نحمي الاقتصاد، ولو أن معنى هذا هو أن يموت بعض أصحاب المعاشات، فيا له من أمر سيء”.
لكن البيانات بدأت توضح أن المزيد من الناس قد يموتون، فكان التراجع عن الخطة. تراجعت الحكومة عن فكرة مناعة القطيع وقالت إنها لم تكن قط جزءا من استراتيجيتها الرسمية، ووصفت ما نقل عن كمنجز بأنه “تزييف وافتراء بالغ”.
سألت كوهين عما خرج به من هذا كله.
“انتقلنا من عجرفة ’إنْ هم إلا كبار السنِّ وضعاف الصحة’ إلى ’علينا أن نحمي الأضعف والأثمن من أبناء مجتمعنا’. كانت وثبة هائلة في الموقف الثقافي. استحضار للندم والإحساس بالذنب للالتفاف على أي إلماح يجد طريقه إلى العلن ويتعلق بالعدوان على الآباء”.
بعد حوارنا، وجدت نفسي أفكر مرة أخرى في زيارة والديّ، وإصراري على بقائهما. هل كان وراء رغبتي في بقاء أمي وأبي في المملكة المتحدة دافع فرويدي كامن؟
مؤكد أن أبي فكَّر أن فكرة إظهار فيروس كورونا غرائز الأبناء الخفية تجاه آبائهم لا تخلو من وجاهة. فلمّا رجع إلى براج، كتب شعرا في ذلك. كان شاعرا طوال عمره، ولكن عمله في الإذاعة جعله لا يقدر إلا على إنتاج كتاب أو نحو ذلك كل سنة. والآن، بعد أن أحاق به التقاعد والوباء، بات ينتج في شهر واحد ما يصلح كتابا كاملا:
في الماضي السعيد
كان الأطفال والعذارى يقدَّمون أضحيات.
يا للحكمة!
على الحضارة أن تضحي بمستقبلها،
وإلا فما مغزى التضحية؟
لكنَّهم في أيامنا هذه
انقلبوا علينا نحن…
أيحسبون أن الآلهة عميان؟
مخرفون؟
ها نحن واقفون على مذبح الأضاحي
نرتجف، ونبكي، ونضرط.
كيف لا ترون أننا عديمو النفع؟
كثيرا ما كان أبي يقول مازحا إنه نظرا لكونه يكتب بالروسية ولكوني أنا أكتب بالإنجليزية، فقد تفادينا المواجهة المباشرة بين الأب والابن في المجال الأدبي. فلكل منا لغته يملأها بطموحاته. وربما لتفادي الصدام انعطفت مبتعدا إلى أنواع مختلفة: فكان التليفزيون ابتداء في مقابل الإذاعة، ثم العلوم الاجتماعية المتهادية والتحقيق الصحفي ذو الجذور الأنجلوسكسونية العميقة في مقابل رحلاته الشعرية الروسية. وكلما نشرت مقالة عن السياسة أو الدعاية يتنهد ويشكو: أرجوك تذكَّر أنك في أعماقك الغائرة شاعر.
بالنسبة لأبي، كان الشعر سبيلا للثورة على القوة القمعية التي نشأ في ظلها، أي النظام السوفييتي الذي سحق الصوت الفردي تحت ثقل الأيديولوجيا. في نوفيلا مبكرة له، كتبها وهو في السابعة والعشرين من العمر إثر تحقيق كيه جي بي معه لتعامله مع أدب محظور رقابيا، يكتشف راويه الخيالي، وهو كاتب شاب، كتابة أبيه الإمبريالية اللاشخصية الرسمية ويقارنها بكتابته هو. فيتمثل الصراع الأيديولوجي في صراع جيلي آخر.
أولا، والد الراوي، في أسلوب اشتراكي صارم:
هذا البلد رمى سلاسل العبودية الرأسمالية! كانت الثقافة البرجوازية دائما بعيدة عن الشعب! والآن كشفت وجهها الحقيقي: وجه خادم رأس المال الاحتكاري! مرحبا يا شمس الاشتراكية! ألا فلينقشع الظلام!
ثم نرى صوت الراوي لدي أبي:
قبل دقيقة كنت تسير في الشارع، تتنفس هواء في شهيق، ثم تخرجه في زفير، والأن انفجرت على الصفحة، والأن سيندفع، اندفاع توت بري كنت تحمله داخل سترتك. هل من متعة أعظم من الكتابة بضمير المتكلم؟
الآن، بعد رجوعه إلى براج، أثار الحجر وإغلاق الحدود لدى أبي صورا قديمة من أيام الحرب الباردة. وفي حين كان كوفيد 19 يقلِّص الحياة والموت إلى إحصاءات، كان أبي يستعمل الأدب لتأكيد الفردية.
تحاول مهما تحاول
وتأمل قدر ما تأمل،
وتنتهي دائما محضَ رقم في إحصائية.
ملاك البيوت أو مشتهو المغايرين أو الكتاب الفاشلين.
يا لبؤس هذه الأرقام! أي علاقة لهذه الإحصاءات بحياتك؟
لكن لدينا الآن إحصاءات جديدة:
عدد المصابين
(العدّاد يدق)
نسبة الموتى من المصابين
(العدّاد يدق)
نسبة الموتى فوق السبعين
(العدّاد يدق)
كان خائفا أيضا على صوتي الفردي، وإن لم يكن بسبب كوفيد 19.
عندما كلمته عن البرنامج الذي كنت أعمل عليه للإذاعة البريطانية قال “احترس. سينتهي بك الحال وأنت أشبه بشخص من الإذاعة البريطانية. كلهم يشبهون بعضهم بعضا. في آخر برنامج لك بدوت كمن تحاكي أندرو مار. شيء مريع أن أجدك فقدت صوتك بهذا الشكل”.
الإذاعة بالنسبة لأبي لا تتعلق بشيء إلا بسحر الصوت، وخصال الروح شبه الغامضة. أبي نفسه عمل للإذاعة البريطانية، إذ عمل كلاجئ سياسي سوفييتي في الخدمة الروسية في فترة ذروة الحرب الباردة. وفي ذلك الوقت، كان الصوت هو الوسيلة الوحيدة لاختراق الأسوار القائمة فعليا بأسلاكها الشائكة على الحدود التي قطَّعت العالم إلى مناطق جيوسياسية متباينة. كانت المكالمات الهاتفية النادرة التي يجريها هو وأمي بآبائهما في الاتحاد السوفييتي تستغرق ساعات لترتيبها، وكانت الأجهزة السرية تتنصت إلى كل كلمة. لكن الحواجز كانت تتهاوى فور أن يدخل استديو الإذاعة البريطانية، كان يشعر بنفسه يحلق عبر الرقابة:
“الحجيرات محكمة الإغلاق غير المنفذة للأصوات، لوحات التحكم، عديمة الشبابيك، تجعل الإذاعة أشبه بسفن الفضاء. وصوتك وحده قادر على فتح الفضاء المغلق. وإنني على قناعة بأن كثيرين، وهم جلوس بجوار المذياع، يكونون في رحلة حول العالم، لا، بل هي برحلة في الفضاء أشبه. أنا أيضا مولع بالسفر: أثب من موجة إلى موجة”.
بعد عقود في ستديو سفينته الفضائية، بات لا يرى الإذاعة وسيلة للتغلب على الرقابة وحدها، وإنما على الموت ذاته. فالأصوات التي كان يسجلها تخلد، ولا تكاد تبث حتى تسافر على متن موجات الإذاعة اللانهائية في الكون، كأنها أرواح منفكة من أجسامها إلى رحاب السماء. كتب ذات مرة ديوان شعر عن شخص يعمل منتج برامج أصابه الجنون من التفكير في ما يمكن أن يسترده الناس إلى الحياة بالقوة اللاسلكية. في قصيدته “دورة كوفيد”، عاد إلى الإذاعة مرة أخرى بوصفها استعارة للتغلب على الواقع الموحش:
وحدها الإذاعة لا تغلق في أثناء الحجر.
أصبح العالم أشبه بغواصة غارقة
فيها بحَّار يدق على جدارها
عسى أن يصل صوته إلى السطح الأعلى.
يتخيل “رجلا، كبير الشبه بي” يجوب مدينة براج الشبحية ومعه دكتافون سحري لديه قدرة إعجازية على تسجيل الأصوات التي كانت موجودة قبل كوفيد 19: رنين الزجاجات في حانة، حفيف حبل النط، صرير الأراجيح في ملعب خاو.
رجوعا إلى الإذاعة البريطانية، كان برنامجي يتمخض عن شيء عادي. ولكنه برغم ذلك كان يتقدم، بينما أصرف انتباهي عن ضيق التنفس. كان أغلب من تحاورت معهم أكاديميين أجروا تجارب طويلة مفصلة عن كيفية التواصل مع بعضنا بعضا في عالم لم يعد مقسما بالحواجز المادية مثلما كان الحال في الحرب الباردة، بل باستقطاب حاد يجعل الناس يعيشون في جيتوهات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة ذات الواقع الانتقائي. جاء كوفيد 19 فجعل هذه الانقسامات الاستقطابية خطرا صحيا ـ إذ يتكالب الناس جماعات على عوالم إلكترونية حافلة بالمؤامرات الجامحة المتعلقة بالفيروس والعلاجات الخرافية.
حكت لي تاليا ستراود أستاذة الإعلام في جامعة تكساس عن تجربة صممتها واستبدلت فيها بزر الإعجاب [اللايك] في فيسبوك بزر “الاحترام”. تبيَّن أن الناس في فقاعة سياسية معينة يزدادون انخراطا مع المحتوى الخاص بقبيلة أخرى عندما سئلوا إن كانوا يحترمونهم، فالاحترام علامة على الولاء الحزبي أقل من “الإعجاب”. وهكذا فإن مجرد تغيير بسيط في الطريقة التي يخلق بها برنامج كمبيوتر استعارات مشاعرنا وعلاقاتنا قادر بالفعل على تغيير المجتمع.
أجرت ستراود كذلك تجربة تبين كيف ينال الصحفيون ثقة جماهير مقتنعة بأن ادعاءهم الموضوعية ليس إلا غطاء لانحيازاتهم ولما يقدمون من “أخبار زائفة”. كان من طرق اكتساب الثقة أن يكشف الصحفيون المزيد عن أنفسهم حينما يقدمون محتواهم، ويفسحوا للجمهور مجالا كي يطلعوا على عملية الكتابة. وقد ترتفع مستويات الثقة حينما يوضح الصحفيون خلفيتهم الشخصية، من قبيل طريقة جمعهم المعلومات، ولماذا تم تكليفهم بهذا العمل بالذات. فمن خلال إفصاح المرء عن ذاتيته يمكنه إجراء حوار أكثر موضوعية. لكنها تأسف لأنه بمجرد العثور على وسيلة لإنعاش هذه العلاقة مع الجمهور، فإنها تتجمد مرة أخرى، وتتحول إلى مجموعة أخرى من الكليشيهات التي تصبح بدورها جدارا متكلسا بين الناس.
المرء بحاجة إلى العثور على سبل جديدة دائما للاختراق، والمداومة على إنعاش وجهات النظر التي تزعزع فقاقيع الهوية المحيطة بالناس. وفقط من خلال إعادة ضبط طريقة نظرنا إلى العالم يستطيع المرء أن يحدث من الحركة ما يكفي لاختراق حواجز رؤية العالم باعتباره منقسما إلى “ديمقراطيين” خالصين و”جمهوريين” خالصين، أو قائلين بالبقاء [في الاتحاد الأوربي] وحسب وقائلين بالخروج [من الاتحاد الأوربي] وحسب. فالخيال، لا التحقق من المعلومات، هو الطريق الأرجح للخروج من الاستقطاب إلى الواقع المشترك.
لقد أمضيت السنوات القليلة الماضية من حياتي في مبنى جامعي وسط علماء اجتماع، محاولا استعمال الاقتراع وجماعات التركيز focus groups وتحليل البيانات والاستهداف الرقمي للتحقق مما إذا كانت قطعة من المحتوي تخترق سور برلين الرقابي. وهو عمل بطيء، ومثمر في الغالب، لكن غايته معه أنه يردني إلى القناعة بثانوية العلاقة بين علم الاجتماع والشعر في مشروع إعادة فتح الهوية: الشعر هو المكان الذي نمر فيه بتجربة تغيير “الأطر” ووجهات النظر على أكثر الوجوه تطرفا.
في أثناء كتابة كتابي الأخير صادفت دراسة دكتوراه تكشف عن رابط واحد يربط بين الصينيين اليائسين الرافضين للدعاية الحكومية، وذلك الشيء هو أنهم كانوا في نشأتهم قراء أدب نهمين: كان بوسعهم أن يتخيلوا طريقة للحياة في العالم مختلفة عن التي يفرضها عليهم الحزب الشيوعي الصيني. ذكَّرتني تلك الدراسة بأبي في الاتحاد السوفييتي الذي كان الشعر بالنسبة له طريقا إلى التمرد السياسي، وطريقا لتغيير “الأطر” تغييرا جذريا قوّض صرح الهوية القائم من حوله في كل اتجاه. فلعل الشعر لقاح ضد فيروس المعلومات.
حتى يومنا هذا لم يزل أبي ينقلب على منظوره مع كل قصيدة ينشرها من خلال فيسبوك: لقد حكى قصة الفيروس من وجهة نظر جرذان يجرون عليها تجارب اللقاح، ومن وجهة نظر فيروس المعلومات الذي يشعر بالغيرة من فيروس كورونا. تخيل أنه يحاول تسجيل صوت الفيروس، فيقتحم مختبرا، ويكسر أنبوبة اختبار ليسجل نبرته الانتصارية. وله قصائد أخرى يسخر فيها من الحياة اليومية. وفي واحدة من هذه القصائد يكتب عن عجزه عن الوصول إلى محام لكتابة وصيته …
أو لعلي ظننت تلك قصيدة ـ إذ إنه في اليوم التالي اتصل بي وسألني لماذا لم أتصل به. سألني “ألا ترى أننا نواجه أزمة في كيفية التخطيط للموت؟”. اعتذرت وأوضحت له أنني قرأت منشوره ذلك باعتباره شعرا، لا باعتباره صرخة استغاثة، خلطت بين صوته العادي وصوته الشعري. وقلت إنني سوف أساعد في الوصول إلى محام في لندن بمجرد أن يسمح لي عملي الإذاعي بذلك.
سألت صديقة لي، هي ديفورا باوم، عن التحول الذي طرأ على علاقتنا بالكبار، أو الشيوخ بالأحرى، في فترة كوفيد 19. ففكرت قائلة “لقد وضعنا آباءنا في آن واحد على قواعد تماثيل وحميناهم، لكن في الوقت نفسه كانت هذه الحماية والعبادة طريقة للسيطرة عليهم. الآن هم البائسون الذين يعتمدون علينا مثلما كنا نعتمد عليهم ونحن أطفال”. لقد انتقلنا من “مناعة القطيع” إلى الحماية، ولكن تلك الحماية كانت هي الأخرى وسيلة للسيطرة.
لم أندهش حينما رأيت أحدث قصيدة لأبي تتناول هذه الدينامية الجديدة:
“الجو بارد. والبخار يتصاعد من فمها.
يقول الطبيب إنها مصابة بالإنفلونزا الأسبانية.
يخيّم ظل على وجه أمي، الميتة”.
هذه قصيدة لميخائيل زوشنكو*.
لكن أنا، منذا الذي قد يصف سعالي؟
كانت والدة زوشنكو سعيدة الحظ.
لكن ـ
أليس لي ابن كاتب أيضا؟
نعم ـ لكن الحدود مغلقة.
ليس بوسعه السفر إلى هنا
مثلما يقولون
في الوقت المناسب.
ملائم تماما التفكير في الإذاعة باعتبارها استعارة لقهر الموت، لكن الأبناء يبقون ضمان الخلود، والقوة الحقة.
بعدما أنهيت برنامجي الإذاعي، وأذيع، بعث لي أبي رسالة. “استمعت إلى برنامجك. جيد جدا. صوتك يبدو شخصيا. أنت ولدت للإذاعة، على يدي”. قلت له إنني أشعر الآن بتمام التعافي من كوفيد 19، وقد طلبوا مني عمل حلقات جديدة من عشر دقائق للإذاعة البريطانية. كان لطيفا أنني ابتعدت عن العلوم الاجتماعية واقتصرت على تسجيل الأصوات والحكايات. ارتحت إلى قضائي الأيام في استديو سفينتي الفضائية، ففيما كان كوفيد 19 يحصد الآباء كنت أشعر أنني أواصل مسيرة أبي.
في براج، بدا أن شعره قد تصالح مع تحوله إلى الضحية، أو أنه بات يداعب فكرة أن المخاطرة مصير أفضل من التعرض لسيطرة أبنائه. لم أستطع أن أقطع بدقة.
أمر جيد أن نكون الفريسة.
نسير ببطء. نجلس في الشمس. نطل من الشباك (دونما قناع).
وهو ليس في عجلة من أمره. ينتقي. يمسح العرق عن جبينه.
يستمتع باختيار من يوجه إليه ضربته وأين:
في التجاويف والرئتين والحلق.
نعم، أمر جيد أن نكون الفريسة.
فلو كان أبناؤنا هم الفريسة
أين كنا لنخفيهم؟
في القبو؟ في العليّة [السندرة]؟
كنا لنصيح:
“سأقلع أذنك إن جرؤت على الخروج”
وبعدها نمضي هنا وهناك وفي أيدينا أذن
فذلك شيء ليس بوسعك أن ترميه هكذا في سلة قمامة.
وهذا القنَّاص من نوع مركَّب.
يحب عمله.
ينفض عن سترته كريات العثة.
يحمل حقيبة الظهر.
يدور ويقرع الجرس.
“عندكم فئران؟”
“لا، عندنا قط. والقط يصطاد الفئران”
“ماذا عن الوطاويط؟”
ويقف هناك في هدوء.
رافضا الرحيل.
بينما تخفون الأطفال في خزانة الطعام.
باختصار: نحن محظوظون.
فلأفتح الآن النافذة. ولأسمح له بالدخول.
قبل أيام، رجعت إلى البيت، بعد انتهاء عملي في الإذاعة البريطانية، لأجد ابنيّ، وهما توأم في العاشرة لم يريا المدرسة منذ شهرين، يكلمان أبي عبر تطبيق زوم. كان يدرِّس لهما بعدما أغلقت المدرسة. ينفق أغلب الوقت وهو يعلٍّمهما كيف يكتبان الشعر. في رأيه أن أحدهما، على الأقل، قد يصبح شاعرا مثله.


*ميخائيل زوشنكو Mikhail Zoshenko (1894-1958) ـ المشار إليه في إحدى القصائد الواردة بالمقال ـ كاتب سوفييتي ساخر.
ترجمة القصائد من الروسية بقلم بيتر بوميرانتسيفPeter Pomerantsev ، وهو كاتب ومنتج تليفزيوني من مواليد كييف يقيم في لندن. صدر له “لا شيء حقيقي وكل شيء ممكن” و”هذه ليست بروباجندا”. نشرت كتاباته في العديد من الإصدارات، ومنها ذي نيويوركر، ولندن رفيو أوف بوكس، وأطلنطيك، وول ستريت جورنال، ونيوزويك، وهذه المقالة نشرت في مجلة جرانتا.