الاقتصاد بين الإغلاق والتعافي

كريُون بتلر- شاتام هاوس  –
ترجمة:قاسم مكي –

يجري الآن التخفيف من الإغلاقات في بلدان عديدة لكن من نقاط انطلاق متفاوتة تجاه انتشار الفيروس وبمقايضات مختلفة في الأجل القريب بين حماية حياة الناس وتخفيف القيود على النشاط الاقتصادي.
من المفهوم أن تكون هنالك ضغوط للتقليل من وطأة الإغلاقات. فصندوق النقد الدولي يقدِّر إنفاق حوالي 10 تريليونات دولار حتى الآن على إجراءات الدعم الرسمي حول العالم. ويتوقع الصندوق انكماش الناتج المحلي الإجمالي الدولي بنسبة غير مسبوقة تبلغ 4.9% في عام 2020. لكن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس ادهانوم جيبريسُس أصرَّ مؤخرا على أن هنالك «مسؤولية عاجلة لفعل كل شيء يمكننا فعله بالأدوات التي لدينا الآن لوقف تفشي الفيروس وإنقاذ حياة الناس فيما تتواصل، في الأثناء، أبحاثُ اللقاحات وطرق العلاج».
إن التركيز على وقف انتشار الفيروس والقضاء عليه بأسرع ما يمكن ليس فقط أفضل استراتيجية لحماية الناس ولكنه أيضا أكثر معقولية فيما يخص التقليل من حجم الدمار الاقتصادي الذي تخلِّفه الجائحة في الأجل الطويل.
لا اللقاحات أو العلاجات المحَسَّنة موثوقة بما يكفي لتكون مرتكزا لاستراتيجية تعافي اقتصادي. وعلى الرغم من التفاؤل بشأن تطوير اللقاح إلا أنه لا يوجد يقين جازم بالتوصل إلى نتيجة حاسمة في تاريخ محدد. وحتى إذا ثبتت فعالية لقاح ما فإن عملية تصنيعه وتوزيعه لحوالي 8 بلايين نسمة ستشكل مجموعة غير مسبوقة من التحديات اللوجستية والاقتصادية وستستغرق هذه العملية عدة أشهر إن لم تكن أعواما.
في الأثناء وعلى الرغم من تحقيق تقدم ليس هينا في خفض الوفيات وسط المرضي الذين اشتد بهم الداء وحصلوا على الرعاية في المراكز الطبية المتقدمة لا يزال كوفيد -19 يشكل خطرا جسيما لنسبة كبيرة من السكان تصل إلى حوالي 20% في بلدان الاقتصادات المتقدمة.
أما استراتيجية الاحتواء البديلة للمرض ارتكازا على الخفض التدريجي لانتشار الفيروس وسط السكان وذلك بالإبقاء على «رقم التكاثر» عند أقل من واحد فباهظة الكلفة اقتصاديا وخطرة جدا إذا قورنت باتخاذ خطوة حاسمة للتخلص من الفيروس بسرعة. (رقم التكاثر طريقة لقياس قدرة المرض على الانتشار ويعني عدد الأشخاص الذين يمكن لمصاب واحد أن ينقل إليهم العدوى. إذا كان الرقم أكبر من واحد سيتفشى المرض وإذا كان أصغر من واحد سينحسر- المترجم)
صحيح عندما يكون رقم التكاثر أقل من واحد قد يختفي الفيروس في النهاية لكن فقط بعد مرور فترة طويلة. وسيلزم أثناءها الإبقاء على إجراءات التباعد الاجتماعي المؤذية اقتصاديا مما سيطيل أثرها على العرض والطلب كليهما.
وسيتوجب الحفاظ على إجراءات دعم الأجور لتقليص حجم الضرر الاقتصادي. وسيكون استئناف نشاط الاقتصاد بالتحفيز المالي التقليدي صعبا إن لم يكن مستحيلا خصوصا عندما تكون قدرة أو رغبة المستهلكين في الإنفاق مقيدة بشدة أما بإجراءات التباعد الاجتماعي أو بانعدام الثقة (في استرداد عافية الاقتصاد). وهنالك أيضا خطورة كبيرة في أن يتفشى الفيروس مرة أخرى عندما يكون رقم التكاثر قريبا من واحد وذلك ما سيقود إلى إخفاق كامل لاستراتيجية مكافحته.
احتمالات نجاح السياسة التي تركز على وقف انتشار الفيروس والقضاء عليه أفضل. فأولا يمكن للحكومة حماية الجزء الأكبر من الاقتصاد داخل أراضيها حتى إذا كان ذلك يعني الاستمرار في فرض القيود على السفر لبعض الوقت إلى بلدان أقل التزاما أو نجاحا في القضاء على الفيروس.
وستضرر بعض القطاعات بشدة خصوصا النقل الجوي لمسافات بعيدة. لكن بعض القطاعات الأخرى الحساسة كثيفة العمالة أو مرتفعة القيمة مثل الضيافة الداخلية والترفيه والفنون ستتمكن من تحقيق قدر كبير من التعافي. وبصريح العبارة، قد يلزم السلطات تعطيل بعض القطاعات لإنقاذ قطاعات أخرى. مثل هذه الاستراتيجية ستضمن اشتراك الاقتصاد على نحو مستدام في مناطق السفر غير المقيد (بدون حجر صحي) مع البلدان الأخرى.
ثانيا، السعي لوقف انتشار الفيروس والقضاء عليه في أقصر إطار زمني ممكن ثم المحافظة على مثل هذا الوضع سيساعد السلطات في شرح الإطار الشامل المرشد في تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي وطبيعة الاقتصاد «العادي الجديد» الذي يُتوقَّع ظهوره في المدى المتوسط إلى الطويل.
سيعزز تحقيق مثل هذا الوضوح ثقة الناس في استراتيجية الحكومة وبالتالي قابلية استجابتهم لتعليماتها. كما سيقلل أيضا إلى أدنى حد من المواءمات غير الضرورية والمكلفة من جانب قطاع الأعمال ويزيد من قدرته على استهداف فرص جديدة ناشئة عن التغيرات الحقيقية التي ستأتي بها الأزمة في الأجل الطويل.
إضافة إلى ذلك تشكل استراتيجية منع انتشار الفيروس والقضاء عليه الطريقة الوحيدة المضمونة للتعامل مع التأثير غير المتناسب للفيروس على الأقليات العرقية والفقراء ووضع حد لعزلة الملايين الذين يلزمهم الآن الاحتماء من الجائحة.
نحن نعلم أن وقف انتشار الفيروس في منطقة محددة ممكنا لأن بعض البلدان فعلت ذلك وتحديدا نيوزيلندا وكوريا الجنوبية وتايوان. كما تمكنت بلدان أخرى تفشَّى فيها الوباء بشدة مثل الصين وأسبانيا وإيطاليا من بلوغ النقطة التي يمكن بعدها تصور إمكانية نجاحها في القضاء على الفيروس تماما تقريبا في أراضيها. ومن المرجح أن يتجدد تفشي الجائحة خصوصا حين يظل الفيروس نشطا عالميا. لكن هذا لا يبطل استراتيجية منع انتشار الفيروس والقضاء عليه.
تشمل السياسات المفتاحية لتطبيق هذه الاستراتيجية إغلاقا سريعا وحاسما على المستوى الوطني لخفض الإصابات إلى مستويات تمكِّن أنظمة الفحص والتتبع والحجر الصحي من تحديد ووقف حالات الانتشار المحلية للجائحة.
كما تشمل فرض إجراءات التباعد الاجتماعي لفترة محدودة أو في منطقة محددة لمحاصرة انتشار المرض وفي ذات الوقت تقليل الأثر الاقتصادي الناجم عنه إلى أدنى حد ممكن. ومن بينها أيضا تطبيق أنظمة حجر وتتبُّع فعالة عند الحدود لمنع إعادة إدخال الفيروس بواسطة قادمين «غير ضروريين» ومواطنين عائدين.
يتطور الشكل الدقيق الذي تتخذه هذه السياسات بسرعة مع تعلمنا المزيد عن الفيروس. مثلا إذا كانت هنالك حاجة اليوم لوقف جائحة تنتشر بسرعة في منطقة معينة لن يعني ذلك بالضرورة تبني نفس حزمة إجراءات الإغلاق كما طبقت بالضبط قبل ثلاثة أشهر. وقتها دعت الضرورة لوقف عدة أنشطة ببساطة لأن الفيروس كان ينتشر بسرعة بحيث لم يتوافر الوقت لتطبيق إجراءات فعالة تقلل من انتشاره. ولا يلزم تكرار هذا الإجراء.
إضافة إلى ذلك، هنالك إدراك أفضل اليوم لفوائد الاستخدام الواسع النطاق لأقنعة الوجه (الكمامات) وأيضا لقيمة تطبيق مجموعة إجراءات كل واحد منها فعَّال في حد ذاته. ولها في مجموعها تأثير حاسم. وقد تكون هنالك حاجة لضبط أو تمديد إجراءات الدعم المالي لتعزيز الإغلاقات المحلية وسيلزم السلطات في أي وقت من الأوقات العمل في حدود موازنة شاملة لإجراءات التخفيف من الإغلاقات وتخصيص الأولويات. فإعادة التلاميذ إلى مدارسهم قد يعني الإبقاء على القيود في غير المدارس.
يعني اختيار استراتيجية فعالة حتما اتخاذ خيارات قاسية. ويمكن أن يكون تأجيل تطبيق إجراءات التعافي في الأجل القصير حتى لفترة أسابيع في كل الاقتصادات أو في أماكن محلية معينة حاسما في تحقيق نتائج اقتصادية مستدامة في الأجل الطويل.
وقد تُجبَر السلطاتُ أيضا على فرض إغلاق دائم الضرر لبعض القطاعات الاقتصادية وذلك كثمنٍ للتعافي العام للاقتصاد. لكن إذا لم نكن على استعداد لاتخاذ هذه الخيارات قد يَعلَق الاقتصاد بشكل دائم بين الإغلاق والتعافي.