أوراق الضغط التركية على أوروبا في المشهد الليبي

د. عبدالعاطي محمد –

إذا كان من الصعوبة بمكان قدرة أوروبا على الضغط على أنقرة اقتصاديا، فإن الضغوط الأمنية لا تقل صعوبة. فالمعروف أن تركيا عضو مهم للغاية في حلف الأطلنطي، وذهابها إلى ليبيا يحمل بشكل أو بأخر طابع مشاركة الحلف في التدخل أو التأثير على الأحداث…
منذ الأزمة السورية لا تمضي العلاقة بين تركيا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي في طريق يريح الطرفين، بل في طريق مليء بالأشواك إن جاز التعبير، وذلك نتيجة خلافات حادة تصل لحد العلانية في عديد الملفات المشتركة، سياسية كانت أم اقتصادية أم أمنية. ومؤخرا ظهر هذا في تعامل كل من الطرفين في الملف الليبي على وجه التحديد، حيث كشفت التطورات عن تمتع أنقرة بالمزيد من أوراق الضغط التي مكنتها من فرض سياستها تجاه الأوضاع في ليبيا، وبالمقابل ضعف أوراق الجانب الأوروبي، الأمر الذي جعل موقفه يبدو متراجعا أو هشا أو غير مؤثر.
وقد كان آخر محطات العلاقات المتوترة قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتحويل متحف أيا صوفيا التاريخي إلى مسجد معيدا بذلك ما كان عليه وقت أن فتح السلطان محمد الثاني القسطنطينية، وكان المتحف آنذاك كنيسة أرثوذكسية، وعندما قرر كمال أتاتورك انتقال تركيا إلى النظام العلماني لم يشأ أن يعيده إلى أصله كأثر مسيحي، وقرر تحويله إلى متحف يضم معالم إسلامية ومسيحية في الوقت نفسه ليصبح مزارا سياحيا عالميا. ولكن أردوغان الحريص على عودة الخلافة العثمانية تمكن عبر قرار من القضاء من العودة بهذا الأثر البديع إلى طابعه الإسلامي. وبالطبع احتجت العواصم الأوروبية وروسيا وانتقدت هذا التصرف خاصة أن المتحف كان قد تم اعتماده من اليونسكو كأثر تاريخي. ومما لا شك فيه لم يكن بمقدور من اعترضوا من الأوروبيين وقف هذا التصرف لأنه في نهاية المطاف من شؤون السيادة التركية وتم بحكم قضائي. ولكن الواقعة كانت مؤشرا على أن الرئيس التركي لا يعير اهتماما بمشاعر الأوروبيين ولا يخشى أي رد فعل مضاد على المستوى الرسمي، وما كان له أن يتخذ موقفا كهذا إلا لو كان مقتنعا بقوة صعود نجم الدولة التركية في عهده، وتقليله من الوزن السياسي للحكومات الأوروبية الراهنة، وهو ما حدث على أرض الواقع حيث نفذ أردوغان ما أراد، وراح يحتفل بهذا العمل للتدليل على قوة موقفه فيما يتعلق بإحياء الشخصية الإسلامية للدولة التركية المعاصرة. كان القرار مؤلما من الناحية المعنوية وبالنسبة للروابط القديمة التي جمعت الطرفين وفتحت المجال إلى إمكانية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن أنقرة لم تبالِ مما أكد أنها باتت تنظر لأوروبا على أنها كيان ضعيف لا يقوى على الرد، مما يعنى أنها، أي أنقرة، تستطيع أن تفعل ما هو أشد من ذلك على غير رغبة حليفها الأوروبي، دون أن تعير أي اعتبار لغضب قائد أوروبي هنا أو هناك.
ومع التأكيد على أهمية دلالات واقعة المتحف، إلا أنها ما هي إلا جانب بسيط من مشهد أوسع نطاقا يجسد تحقيق السياسة التركية العديد من النقاط تباعا وبشكل سريع الهادفة إلى تعزيز قدرة أنقرة على تحدي السياسات الأوروبية التي لا تأتي على هوى صانع ومتخذ القرار التركي. ويعد المشهد الليبي أكثر الأمثلة دلالة على التحول الذي حدث في العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي على مدى نحو تسع سنوات مضت، يؤشر إلى قوة الموقف التركي في مقابل ضعف الموقف الأوروبي. هنا المسألة تتعلق بمصالح حيوية واستراتيجيات أمنية، وليس النظر إلى ما يجب أن يكون عليه أثر من آثار التاريخ القديم جدا.
ودون الدخول في تفاصيل المشهد الليبي المعقد، فإن أحدا لا يخفى عليه أن كلا من الموقفين التركي والأوروبي عكسا تباينا شديدا في الرؤى والمصالح الحيوية، ووصل إلى حد الصراع بين أنقرة وبعض الأطراف الأوروبية وتحديدا فرنسا. ومن أبرز الجوانب في المشهد أن الاتحاد الأوروبي بوجه عام ما كان يود أن يرى لتركيا وجودا سياسيا مؤثرا في ليبيا ولا دورا في الصراع المسلح القائم فيها، ولكنه حدث فعلا ونفذت تركيا ما أرادت. وما كان لها ذلك إلا بتمتعها بعديد أوراق الضغط على اختلاف أنواعها، بينما وجدت أوروبا (معظم دولها الكبيرة) في موقف لا تحسد عليه حيث عدم القدرة على إيقاف القطار التركي!. فعلى المستوى الاقتصادي من المعروف أن هناك اتحادا جمركيا بين أنقرة والعواصم الأوروبية بكل ما يعنيه ذلك من التزامات على الطرفين. وإذا ما فكرت أوروبا أو بعض دولها في تجاوزه فإنها من المؤكد ستخسر كثيرا، خاصة في ظل حجم التجارة الضخم بين الطرفين. ومن جهة أخرى فإن أوروبا عموما تمر بأزمة اقتصادية كبيرة سواء نتيجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو بسبب الخسائر التي ترتبت على انتشار جائحة كورونا. ولو فكرت دولة من الأعضاء الـ27 في اتخاذ موقف عقابي تجاه أنقرة، فإنها لا تستطيع لسبب بسيط هو أن قرارات الاتحاد تتم بموافقة الجميع، وهو أمر صعب المنال على أي دولة منفردة أو حتى مجموعة دول، حيث من المؤكد أن هناك من سيعترض (الفيتو). يضاف إلى ذلك أن موضوع التنقيب عن الغاز في مياه البحر المتوسط أصبح ملحا لتركيا لمواجهة مشاكلها الاقتصادية، ولذلك دخلت في مواجهة تنذر بصراع عسكري مع قبرص ثم مع اليونان اللتين طلبتا الحماية والدعم من الاتحاد الأوروبي، ولكن الأخير ليس في وضعية الدخول في صراع مع تركيا لأنه يعاني أصلا من أزمة اقتصادية كبرى ولا يريد تعميق جراحه هذه بفتح صراع اقتصادي بين عضوين من أعضائه وبين تركيا. وقد كان توجه أنقرة لعقد اتفاقيات مع حكومة الوفاق في طرابلس للبحث المشترك في المياه الاقتصادية بين أنقرة وطرابلس، كان من الأسباب الأساسية لتعقيد حال الأزمة الليبية من نواحٍ عدة، وتلاها مزيد من توثيق العلاقة وصلت إلى المشاركة العسكرية لاستعادة السلطة لهذه الحكومة على كامل التراب الليبي، الأمر الذي نقل الأزمة إلى حالة الحرب. وقد فعلت تركيا كل ذلك على مرأى ومسمع العواصم الأوروبية التي حاولت وقف تدهور الأوضاع، ولكن لأنها تفتقد الوحدة في المواقف (موقف فرنسا غير موقف إيطاليا)، وتعاني من مشكلات داخلية صعبة لم تستطع أن تحرك الطرف التركي عن موقعه في الساحة الليبية. وعلى الجانب الآخر حافظت أنقرة على علاقات طيبة مع روسيا التي تعد طرفا دوليا مؤثرا في الساحة الليبية. والملفت أيضا أنها حافظت على نفس العلاقة مع الولايات المتحدة، وكان من نتيجة ذلك أن أوروبا وجدت نفسها بلا ظهير دولي كبير كهاتين الدولتين، بينما تحقق ذلك للطرف التركي.
وإذا كان من الصعوبة بمكان قدرة أوروبا على الضغط على أنقرة اقتصاديا للأسباب السالف الإشارة إليها، فإن الضغوط الأمنية لا تقل صعوبة. فالمعروف أن تركيا عضو مهم للغاية في حلف الأطلنطي، وذهابها إلى ليبيا يحمل بشكل أو بأخر طابع مشاركة الحلف في التدخل أو التأثير على الأحداث. ومما يذكر أنه عندما وجهت فرنسا في الماضي القريب انتقادات حادة لأنقرة واتهمتها بأنها مسؤولة عن تخبط سياسات الحلف وتراجع دوره الدولي، ردت أنقره بما يشبه التقريع على الموقف الفرنسي، وعرفت العلاقات أزمة دبلوماسية، ووقعت ملاسنات بين ماكرون وأردوغان، وكثيرا ما طلب الأول مساندته من بقية الأعضاء للتأثير على الموقف التركي ولكن دون جدوى. ومن جهة أخرى لم تحترم تركيا عملية المراقبة للسلاح في مياه البحر المتوسط والتي تمت بناء على مخرجات مؤتمر برلين بخصوص منع دخول السلاح إلى ليبيا. وشعرت فرنسا بالغضب من التحدي التركي، إلا أنها لم تمنع وصول السلاح التركي إلى ليبيا. وبالإضافة لذلك هناك خلافات بين أعضاء الناتو بخصوص دوره الخارجي ومسؤوليات الأعضاء. وما عمق من هذه الخلافات أن الرئيس الأمريكي ترامب كثيرا ما تهكم على الحلف واتبع سياسة جديدة تجاهه تقضي بأن تتحمل بقية الدول أعباء جديدة لتمويل الحلف لا أن تختص الولايات المتحدة بالنصيب الأكبر وحدها. وقد أدى هذا وذاك إلى منح حرية حركة بشكل أكبر لتركيا بعد أن أصبحت الطرف الذي يرفع راية الحلف بصورة أقوى من الآخرين. وفي إطار الصعيد الأمني، فإن قضية استضافة تركيا للاجئين السوريين تعد من أوراق الضغط التي تمتلكها وتستطيع من خلالها تعطيل إن لم يكن وقف أي تحرك أوروبي مضاد لها ردا على دورها الانفرادي في الملف الليبي. فإن شرعت أوروبا في التصدي لتركيا، فإن الأخيرة تستطيع بسهولة أن تصدر مشكلة اللاجئين السوريين إلى أوروبا فورا بما يجعلها تتحمل أعباء استضافتهم بكل ما تعنيه كلمة الأعباء. وقد يرى البعض في هذا ابتزازا سياسيا من جانب تركيا، ولكن هناك اتفاق بينها وبين الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بقضية اللاجئين، وعمليا لم تفِ دول الاتحاد بواجبات الاتفاق وتتوقع دائما أن تطل المشكلة بوجهها بين لحظة وأخرى، ولذلك إذا ما اتجهت أوروبا إلى التصعيد، فإن أنقرة ستسارع إلى أن تنفض يديها من الأمر، وعليه فإن التلويح بورقة اللاجئين من جانب تركيا لا يعد ابتزازا بقدر ما يعد من طبائع الأمور عندما تتعقد العلاقات بين طرفين بينهما التزامات محددة ويشعر أحدهما بأنه يتحمل العبء وحده أو أن المصالح تتضارب بينهما. هكذا ذهبت تركيا إلى ليبيا في طريق دولي مفتوح، كان من المفترض أن تحصنه أوروبا مقدما حماية لمصالحها وللمبادئ التي تدافع عنها، إلا لأنها «مريضة» سياسيا واقتصاديا وأمنيا لم تقدم سوى الأقوال لا الأفعال، بينما فعلت أنقرة العكس.