مرفأ قراءة .. «1970».. مرثية روائية لعبد الناصر!

إيهاب الملاح

  • 1 –
    رغم عبوسه الدائم وجهامته المرتسمة على وجهه صباح مساء، فإنني أحب صنع الله إبراهيم؛ نعم. إنه الكاتب الروائي الكبير «صنع الله إبراهيم»، الذي يمثل ظاهرة خاصة في حياتنا الأدبية المعاصرة؛ كما وصفه مجايله الراحل علاء الديب، هو من أكثر الكتاب إخلاصًا للكتابة، وتفرغا لها، من أكثرهم تجريبًا وأمانة في التجريب كما أنه من أكثرهم التزامًا بقضاياه الاجتماعية والفكرية في وسط ما يعتمل في الواقع الفني والاجتماعي من دوامات حقيقية وزائفة.
    «1970» روايته الأخيرة الصادرة عن دار الثقافة الجديدة مطالع العام الجاري (2020) لبنة جديدة تضاف إلى صرح أعماله؛ يتوج بهذه الرواية المسيرة الطويلة المخلصة التي بدأت بروايته الصادمة «تلك الرائحة» عام 1966 (صودرت في حينها) ثم عادت لتصدر مع قصص أخرى عن دار شهدي (بالخرطوم 1968)، ثم «نجمة أغسطس» التي وثق فيها لبناء السد العالي (دمشق 1974)، ثم روايته العَلَامة «اللجنة» (بيروت 1981)، ثم رواية «بيروت بيروت» (القاهرة 1984).. ومرورًا بسلسلة من الروايات المهمة منها «شرف»، «وردة»، «ذات» (القاهرة 1992)، و«جليد» و«برلين 69» و«1967».. وصولا إلى روايتنا هذه (1970).

  • 2 –
    ربما كان صنع الله إبراهيم الكاتب الوحيد من كتاب جيل الستينيات الذي قرأت عنه كثيرًا قبل أن أقرأه مباشرة، ما من كتابٍ أو دراسة أو مقالة تعرضت لأدب الستينيات، وجيل الستينيات، إلا وكان اسمه في الصدارة من هذه الكتابة. عرفت أنه ينفرد بطرائقه في السرد منذ صدرت أولى رواياته «تلك الرائحة». قرأت عنها (ولم أكن قرأتها بعد) ما كتبه جابر عصفور وما رواه عن الاستجابات المتعارضة لها، ما بين تقزز يحيى حقي منها وحماسة يوسف إدريس لها! ورغم ذلك فلم تكن «تلك الرائحة» هي أول ما قرأت لصنع الله!
    «بيروت بيروت»، في طبعتها الصادرة عن دار المستقبل العربي، بغلافها الأصفر و”فونتها الدقيق”، هي أول ما قرأت لصنع الله، رواية جديدة عليّ ومختلفة بطريقتها التوثيقية التسجيلية، ثم قرأت «اللجنة» و«نجمة أغسطس».. وتوالت قراءاتي لأعماله تباعا «ذات»، «تلصص»، «الواحات» وكان آخر ما قرأته (قبل 1970) روايته القصيرة البديعة «67» التي نشرت في دورية (عالم الكتاب) قبل بضع سنوات.
    هنا أيقنت أنني إزاء كاتب مراوغ تغري بساطة سرده وسهولة نسجه بأنه كاتب عادي!! لا لم يكن كاتبا عاديا أبدا! كان واعيا وعميقا ويعلم أن يختط لنفسه مسارا مغايرا وطريقا مختلفا. صنع الله كاتب خاص جدًا، مركب ينحت في الصخر؛ صخر الشكل الروائي، وصخر الواقع، ويتحدى بكل كلماته حدود التعبير وموانعه، أتصور أنه يكتب بصعوبة شديدة ساحبًا في يديه وقدميه قيودا ثقيلة من المعارف والاعتبارات الاجتماعية، اعتبارات النشر والتعبير والذوق السائد، اعتبارات الرقابة والسياسة، فهو من القلائل الذين يكتبون بالعربية، دون أن يكون عندهم استعداد مسبق لمراعاة اعتبارات السوق.

  • 3 –
    «1970» عمل سردي كبير، ابتكر له المؤلف صيغة جديدة جمع فيها بين التوثيق المرجعي الذي اشتهر به والبناء الروائي الذي يقوم على السارد المشارك، إنها كما أطلق عليها صديقي الكاتب والناقد الكبير محمود عبد الشكور “آخر أيام البطل التراجيدي”
    بالتأكيد كان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بطلا تراجيديا بامتياز (اتفقت معه أو اختلفت، أحببته أم كرهته، لكني لا أظن أن حياته بصورة أو أخرى لم تكن تراجيدية بكل معنى الكلمة)
    مهما كنتَ قرأت من الكتب والمذكرات والشهادات عن رحيل عبد الناصر وعن جنازته التي ما زالت إحدى عجائب القرن الفائت، فإن كتاب صنع الله يمنحك شيئا جديدا بمذاق آخر؛ إنه شيء يتجاوز الشهادة الذاتية ويتجاوز التأريخ المقصود، ويتعدى حدود التوثيق الصارم؛ إنه شيء يجمع بين كل هذه الأمور في مزيج مختلف؛ ويقدم قراءة فنية لسيرة زعيم بكل معنى الكلمة، كان من أصدق ما قيل فيه “عظيم المجد عظيم الخطايا”.
    بعد خمسين سنة على رحيل الزعيم، وبعد أن تجاوز صنع الله الثمانين من عمره؛ حانت لحظة المكاشفة والمراجعة النقدية لكنه قرر أن تكون هذه المراجعة على طريقته، وفي ملعبه، وبأسلوبه الذي احترفه طوال ما يزيد على الستين عاما من الإبداع الجاد.
    قرر الكاتب الستيني (أحد أبرز وأجهر جيل الستينيات) أن يعيد كتابة سيرة الزعيم أن يتأمل اللحظات الفارقة والمحطات الفاصلة ويراجع السياقات التي فرضت أو أريد لها أن تفرض المسارات التي اختطها عبد الناصر والسبل التي خاضها والإنجازات التي حققها والإخفاقات التي مني بها وصولا إلى العام الأخير الذي سيتوقف فيه قلب الزعيم، ويعتصر الحزن والألم بقبضة باردة صلبة قلوب الملايين في جميع أنحاء العالم العربي.

  • 4 –
    إذن، ستكون نقطة البدء والمعاد العام 1970 بل الشهر الأخير في حياة عبد الناصر؛ صدامات أيلول الأسود واجتماع القمة العربية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وحقن دماء الأشقاء، وداع أمير الكويت في المطار ثم وداع أمته العربية كلها الوداع الأخير.
    من قصاصات الأوراق والمذكرات والشهادات والوثائق (كل ما يمكن أن تتخيله عزيزي القارئ من مادة تشكلت حول الوداع الأخير والعظيم) سيقدم صنع الله قراءته لكل هذا الركام، سيعيد ترتيبها ويرتب المشهد من جديد ليروي على طريقته كيف ولماذا مات الزعيم ليفتح بعدها مسارات سردية برع فيها ليستجلي التجربة الناصرية بأكملها.
    شاهدنا محاولات معروفة تمحورت حول حدث وفاة عبد الناصر ومشهد جنازته المهيب (غالي شكري مثلا في «مذكرات ثقافة تحتضر»، ومحمود أمين العالم في «الإنسان موقف»، وعبد العظيم أنيس في سيرته الذاتية، وجمال الغيطاني في تجلياته، وعادل حمودة في مذكراته.. إلخ).
    لكن صنع الله سينفرد بإعادة تشكيل السردية الناصرية بكاملها دون أن يتصرف في الإطار المرجعي التاريخي، سيحول المرجعي إلى فني بمعنى أنه سيعيد ترتيب الأوراق والوثائق والأحداث، وينتقي منها ويضيف إليها ويمزجها ببعضها بعضا (على طريق الكولاج والفلاش باك وكل التقنيات التي برع صنع الله في توظيفها واستخدامها) ليقدم معالجة فنية للحدث التاريخي والبطل التراجيدي لا تأريخا فنيا أو سيرة تاريخية، كما تصور البعض.
    هكذا يكون الإبداع وهكذا تكون حرية المبدع في اختيار ما يأخذ وما يدع، وفي الانتقال السلس المتناغم بين ملامح العام من خلال كولاج العناوين، وبين ملامح الرجل “جمال عبد الناصر” من خلال كولاج الصراعات الداخلية والخارجية التي تعاني منها الشخصية.
    الملمح الفني الأبرز في تشكيل هذه المرويات التاريخية، كما التقطها عبد الشكور بذكاء، فهو حضور صنع الله نفسه بآرائه وأفكاره متفقًا أو مختلفًا مع عبد الناصر، واستخدام ضمير المخاطب (الضمير المشارك أو الضمير الثالث الذي نعته الناقد خيري دومة بضمير الغضب والنقمة) مع بطله التراجيدي.
    إن صنع الله إبراهيم لا يستحضر جمال عبد الناصر أمامه فحسب، بل إنه يستحضر ذاته كسارد في وجوده، الاستحضار هنا يمنح الوجود المزدوج للطرفين، وكأننا أمام بطلين: أحدهما واضح هو عبد الناصر بالطبع، والثاني ضمني هو صنع الله، الذي لا يريد ساردًا عليمًا مستعارًا، والذي يلغي الحوار تمامًا ليستعيض عنه بخطابه المباشر للزعيم، يبعثه أمامه من جديد، يبلغه تأييده ودعمه في مواقف بعينها، ويلومه ويحمله المسؤولية في مواقف أخرى، بل ويقول له في النهاية: “خذلت نفسك وخذلتنا.. ثم ذهبتَ، وذهبتْ معك مقدراتِ أمتك وآمالها.. إلى حين”.

  • 5 –
    إن صنع الله إبراهيم، من دون شك، أحد أهم الأصوات الروائية المصرية والعربية، تتميز أعماله بصلتها وثيقة التشابك مع سيرته من جهة، ومع تاريخ مصر السياسي من جهة أخرى، وتعتمد بشكل رئيسي على بناء يمزج السرد التخييلي بالتوثيق. لديه هذا المزج البديع المتقن بين العام والخاص؛ وهذه الرواية حلقة أساسية في استيعاب تجربة صنع الله إبرهيم كلها، وفي طريقته المميزة للتعامل مع فن السرد وأدواته، ومحاولته اصطناع حالة من الحياد، تتيح التأمل بقدر ما تصنع من الصدمة والمراجعة والمكاشفة الذاتية والموضوعية على السواء.