ذروة الطلب لا يعني خروج صناعة النفط من محنتها

من المرجح أن تتراجع الأسعار وتنشأ بيئة تنافسية محتدمة لا يبقى فيها إلا المنتجون الأقل تكلفة

إدواردو كامبانيلا- فورين بوليسي
ترجمة: قاسم مكي

بعد واحدة من أكثر الفترات إثارة في تاريخها ها هي صناعة النفط تستعيد عافيتها في بطء الآن. لقد شهد شهرا مارس وأبريل الماضيين”اقترانا بالغ الضرر” لعدد من العوامل دفع بالأسعار في أحد مؤشرات النفط (خام غرب تكساس الوسيط) إلى أدنى من الصفر. تتمثل هذه العوامل في تراجع الطلب على النفط ووجود فائض في إمداداته ومحدودية سعة تخزينه واحتدام المضاربة المالية على أسعاره.

مشكلة هيكلية

وعلى الرغم من أن المخاوف من قدوم موجة ثانية لكوفيد-19 لا تزال ماثلة إلا أن الطلب يشهد ارتفاعا مرة أخرى الآن. كما فُرِضَت قيودٌ على حجم الإمدادات. لكن ذلك لا يعني أن صناعة النفط خرجت من محنتها. فالمصدر الرئيسي لحالة عدم اليقين عند منتجي النفط في الوقت الحاضر “هيكلي” في طبيعته ولا يتعلق بالدورة الاقتصادية. في الحقيقة هنالك إحساس متزايد بأن وقت ذروة النفط قد حلَّ أخيرا. إنها تلك اللحظة التي يصل فيها الإنتاج إلى أعلى مستوى له قبل أن يبدأ تدهوره الهيكلي (الذي لن يتعافى منه أبدا- المترجم).
منذ أعوام الخمسينات من القرن الماضي كانت هنالك وفرة من التكهنات حول نقصٍ وشيك في إمدادات النفط. واتضح دائما عدم صحة مثل هذه التكهنات حيث أن كل التنبؤات تميل إلى التقليل من تقدير الحجم الحقيقي للاحتياطيات النفطية العالمية وأيضا من قدرة التكنولوجيا على التغلب على القيود المادية التي تحدُّ من إنتاج النفط.
والآن ربما أن جائحة كورونا سيكون لها أخيرا القول الفصل في ذلك. فهي كما يبدو تعجِّل من حلول اتجاهات كان يبدو حتى شهر فبراير الماضي أنه سيلزمها عقد من الزمان حتى تسود الساحة. تتمثل هذه الاتجاهات في تخلي الاقتصادات عن استخدام الوقود الأحفوري وتقلًّص حركة الناس.

من ذروة الإمدادات إلى ذروة الطلب

لكن هذه المرة يمكن أن تكون ذروة النفط في جانب الطلب وليس في جانب العرض بالسوق. مثل هذا التحول سيشكل علامة على الانتقال من فكرة ندرة النفط إلى وفرة في النفط قد تغير جذريا هيكل السوق النفطية بأكثر مما فعلته ثورة النفط الصخري نفسها.
خلال فترة الـ60 عاما الأخيرة كان الطلب على النفط يزداد دون هوادة تقريبا أولا في بلدان الاقتصادات المتقدمة ثم لاحقا في بلدان الاقتصادات الصاعدة. وفي اللحظة الراهنة يساوي الطلب على النفط على وجه التقريب خمس أضعاف حجمه عام 1960. في الماضي خصوصا وحتى وقت قدوم ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة كان التحدي يتمثل دائما في كيفية إشباع الطلب المتنامي على النفط في وجه ما كان يبدو من انعدامٍ للمرونة في الإمدادات خاصة عندما بدأ الاقتصاد الصيني المتعطش للطاقة في النهوض والارتقاء إلى مركز مرموق قبل عشرين عاما.
لكن على أية حال وحتى قبل تفشي جائحة فيروس كورونا كان من المتوقع أن تؤدي عدة عوامل هيكلية إلى خفض حجم استهلاك النفط. تشمل هذه العوامل المكاسب المتحققة من كفاءة استخدامات الطاقة في الاقتصادات الصاعدة وإنتاج السيارات الكهربائية لأغراض تجارية والضغوط الاجتماعية والسياسية للتقليل من انبعاثات الكربون في الهواء وتقلص العولمة.
لكن رغما عن الإجماع الواسع النطاق بوجود مثل هذه الاتجاهات كانت هنالك درجة عالية من انعدام اليقين حول توقيت حلول “هضبة” الطلب على النفط والشكل الذي يمكن أن تتخذه. ومن الممكن أن تؤدي تغيرات طفيفة في الافتراضات المتعلقة بالعوامل العديدة التي تحدد حجم الطلب في الأجل الطويل مثل تزايد السكان والنشاط الاقتصادي والحركة وكفاءة استخدامات الطاقة إلى توليد مسارات مختلفة جدا.

أثر جائحة كوفيد – 19

ففي العام الماضي مثلا نشرت الوكالة الدولية للطاقة سيناريو من جزءين يشتمل على مسارين محتملين للطلب على النفط في الأجل الطويل. في سيناريو النمو المستدام والذي يرتكز على التشدد في سياسات حماية المناخ توقعت الوكالة أن يبدأ الطلب في التدهور بقدر مؤثر في العقد القادم ويتراجع بنسبة تزيد عن 30% في عام 2040 إلى حوالى 70 مليون برميل في اليوم.
في السيناريو الآخر والذي يتأسس على السياسات الحالية سيتواصل نموُّ الطلب على النفط لعشرة أعوام قادمة قبل أن يستقر في العقود التالية لها لأن تأثير التحول إلى الكهرباء على استهلاك الطاقة سيوازنه ارتفاع استهلاك الطاقة في مناطق العالم الأكثر فقرا. من المؤكد أن العالم في هذا السيناريو سيستمر في استهلاك كميات كبيرة من النفط حتى بعد بلوغ الطلب مرحلة الهضبة “استواء منحنى الطلب” أو حوالي 100 مليون برميل في اليوم. وهو ما يقرُب من حجم الاستهلاك في الوقت الحاضر.
وبالنظر إلى تنوع سيناريوهات الطلب على النفط في الأجل الطويل لم تحفل شركات الطاقة بالآراء التي تتحدث عن ذروة الطلب. لكن ربما تغير جائحة كوفيد-19 ذلك إذا أحدثت تحولا دائما في سلوك الأفراد والأولويات المجتمعية.
على الرغم من أن حركة الناس هي العامل رقم واحد الذي يمكن أن يغير الحسابات. وعلى الرغم من أن النشاط السياحي سيتعافى في الغالب ويعود إلى مستويات ما قبل الأزمة خلال عامين خصوصا في حالة الحصول على لقاح لفيروس كورونا إلا أن ترتيبات العمل “عن بُعد” قد تقلل بشدة من طول المسافات التي يقطعها الملايين من العاملين بين أماكن سكناهم ومقار عملهم.
وحسب بعض التقديرات في منطقة اليورو يمكن أداء واجبات ما يزيد عن ربع الوظائف على الأقل نظريا من البيت. وتنطبق تقديرات شبيهة بذلك على الولايات المتحدة أيضا. وفي أوروبا، يزيد متوسط المسافة المقطوعة في اتجاه واحد بين البيت ومكان العمل بقدر طفيف عن 9 أميال في حين أنها أكثر من 11 ميلا في الولايات المتحدة. وعلى المرء أن يتخيل حجم الوقود الذي يمكن توفيره إذا كفَّ ملايين الناس عن الانتقال جيئة وذهابا من بيوتهم إلى أماكن عملهم.
إلى ذلك، قد يقود كوفيد-19 إلى تدهور كبير في أعداد رحلات العمل لصالح مؤتمرات الفيديو والتي لن تقتصر فقط على تقليل التكاليف التشغيلية ولكن يمكن أيضا أن تفضي إلى تحقيق مكاسب في الإنتاجية بفضل إنفاق المزيد من الوقت في المكتب بدلا عن المطار. بل ربما أن بعض الأنشطة الصناعية سيتم استرجاعها من الخارج إلى داخل الحدود الوطنية للتقليل من احتمال التعرض لصدمات تؤثر على شركاء الأعمال المتواجدين في أماكن أخرى حول العالم خصوصا الأنشطة المرتبطة بإنتاج السلع في قطاعات حساسة مثل الصحة والأمن الوطني.
فالنقص في أقنعة الوجه (الكمامات) والتي كانت تُنتج أساسا في الصين في أثناء الأيام الأولي للجائحة أجبر الحكومات ليس فقط على البحث عن موردين جدد ولكن أيضا تشجيع بعض الشركات المحلية للتحول إلى إنتاج الكمامات.
وستقلل التقنيات الرقمية التي تنحو إلى خفض الاعتماد على العمال ذوي المهارات المتدنية من المحفزات التي تدفع الشركات إلى تجزئة وتقطيع العملية الإنتاجية وبعثرتها حول العالم. ومن الممكن أن تقلص الثورة الصناعية الرابعة بقدر ليس هيِّنا من طول سلاسل القيمة العالمية.
وأخيرا قد ينعش الأثر الإيجابي للإغلاقات على نوعية الهواء السلوكياتِ الصديقة للبيئة في المستقبل. ففي أبريل عندما لزم 4 بليون نسمة بيوتهم انخفض معدل تلوث الهواء فجأة حول العالم وأوحى ذلك لواضعي السياسات مسارا واضحا لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على نحو جاد.
قد يدفع الناخبون بشدة في هذا الاتجاه. ومن الواضح أن الحل ليس في إغلاق الاقتصادات بأكملها. ربما تستحدث الحكومات حوافز ضريبية لحفز الشركات على الاعتماد أكثر على ترتيبات مرنة للوظائف التي يمكن أداؤها بكفاءة عن بُعد(من البيت). إضافة إلى ذلك قد يتم الإبقاء بصفة دائمة على طرق قيادة الدراجات الهوائية التي أنشئت عبر المدن الرئيسية للتقليل من استخدام وسائل النقل العام.
من شأن كل هذه التغيرات السلوكية أن يكون لها أثر كبير على الطلب على النفط. ففي الولايات المتحدة يتعلق حوالى 80% من الطلب على النفط بالوقود (البنزين والديزل ووقود الطائرات). وإذا شهدنا انخفاضا دائما للطلب على النفط بحوالي 5 مليون برميل في اليوم ( أقل بنسبة 5% من الطلب العالمي قبل تفشي الجائحة) نتيجة للتغير في عادات النقل سيكون ذلك كافيا لفرض تعديل جذري في حجم الإمدادات.
دعونا لا ننسى أن روسيا والمملكة العربية السعودية خاضتا حرب أسعار في مارس الماضي حول عدم استعداد مجموعة أوبك وحلفائها (أوبك +) على الموافقة على تخفيضات بحوالي 2 مليون برميل فقط في اليوم والتي لم يقتصر أثرها (أي الحرب) على أنهيار أسعار النفط ولكن الأسواق المالية عموما.
لا أحد يعلم إذا ما كانت ذروة الطلب على النفط قريبة جدا الآن بالفعل. لكن في الأجل القصير على الأقل قد تعزز أزمة الصحة العامة الحالية (تفشي جائحة كوفيد-19) استهلاك النفط إذا امتنع الناس عن استخدام وسائل النقل العام تجنبا لاحتمال التقاط العدوى.
لقد أوضح مسح في الصين أجرته شركة أبحاث السوق إيبسوس أن حصة نقل الركاب بالحافلات والمترو هبطت بنسبة 57% ولكن حصة الانتقال بالسيارات الخاصة تضاعفت.

موقف المنتجين

لكن بعكس ما كان يحدث في الماضي، تتعامل شركات الطاقة مع سيناريو ذروة الطلب بجدية بالغة. فحسب وكالة الطاقة الدولية ستؤدي هذه الحالة من البلبلة، بجانب الخسائر الاقتصادية التي تسبب فيها الانكماش الحالي، إلى تقلص الاستثمار العالمي المتعلق بالطاقة بحوالي 30% في العام الجاري. ويحرص المنتجون الأمريكيون على تقليص خططهم الاستثمارية. فهم يحتاجون إلى سعر يقترب من 50% دولارا لبرميل نفط غرب تكساس القياسي كي يتمكنوا من تغطية تكاليف تنشيط الحقول الجديدة.
فيما يخص السوق، ستكون الآثار المستقبلية المترتبة على السعر كبيرة. يبلغ متوسط عمر آبار النفط الصخري في الولايات المتحدة حوالي 18 شهرا. ومع التقليص الجزئي لأنشطة حفر الآبار في الحقول الجديدة قد تتجه الأسعار إلى أعلى بحلول عام 2022 حيث يرجح تراجع الإنتاج في شمال أمريكا نتيجةَ لانعدام الاستثمار.
لكن في الأجل الطويل قد تمضي الأمور في الاتجاه المعاكس. وفي أسوأ الأحوال، حين يحدث هبوط سريع في الطلب على النفط مثل ذلك الذي تتصوره الوكالة الدولية للطاقة في سيناريو النمو المستدام، من المرجح أن تتراجع الأسعار وتنشأ بيئة تنافسية محتدمة لا يبقى فيها إلا المنتجون الأقل تكلفة. ولن تكون شركات النفط الصخري الأمريكي بالضرورة من بين هؤلاء.
بكلمات أخرى، في غياب توترات جيوسياسية كبرى خلال الأعوام الخمسة القادمة قد تأخذ أسعار النفط مسارا يجعلها تتجه أولا إلى أعلى نحو 60 دولارا للبرميل ثم تهبط إلى 40 دولارا للبرميل.
ولن يقتصر الأمر فقط على التنافس الطاحن بين البلدان المنتجة للحصول على حصص في سوقٍ تشهد تقلصا في الطلب ولكن من الممكن أن تشهد السياسة في المنطقة تحولا مع خضوعِ العديد من برامج الرفاه السَّخِيَّة إلى مراجعة وتقليصٍ حاد (لمخصصاتها المالية).
من الواضح أن التغيرات الواسعة في اقتصاد الطاقة لن تحدث بين ليلة وضحاها. لكن قد تعجل بها جائحة كوفيد- 19. وكما في مارس الماضي عندما هبطت أسعار النفط إلى ما دون الصفر قد يكتشف المنتجون أن أكبرَ “أصولهم” هو في الواقع “خَصمٌ”عليهم .

* الكاتب زميل عالم المستقبل بمركز حوكمة التغيير في جامعة آي إي– مدريد.