نوافذ: بين المنحة والمحنة

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
تظل حياتنا قائمة على هذه المقابلة؛ التي تقترب من الضدية؛ وإن كان المعنى للكلمتين، يأخذ بعدا اجتماعيا أكثر، فما يمنحه لنا الآخرون، أو ما نمنحه نحن للآخرين، لا يستبعد لكلا الطرفين أن يتحول إلى محنة، أو محن، فلأي عطاء لا بد أن يكون له مقابل، صغر هذا المقابل أو كبر، أكانت له قيمة تسويقية مشاعرية أو مادية آنية، أو لم تكن، فهذا إحدى قوانين الحياة، والحياة برمتها قائمة على هذا التوازن في الأخذ والعطاء.
والـ “منحة” كما هي معروفة ما يمنحه آخر لآخر؛ سواء أكان المانح فرد، أو أسرة، أو جماعة، أو مؤسسة، والآخر؛ الممنوح يكون له نفس هذه المسميات الوصفية أو الاعتبارية، والمنحة تمنح أو تهدى، أو تعطى لمقابل متحقق من الطرف الممنوح، ولا تأتي هكذا من “وحي الصدفة” كما يقال.
والـ “محنة” في تعريفاتها المعيارية هي الأخرى معايشة، ومعروفة، ولكنها لا تتحقق لها ظروف الـ “منحة” فهي “سيف مسلط” على رقاب العباد، قبلوها أو لم يقبلوها، فمن حلت عليه الـ “محنة” كان الله في عونه، إلا عندما يذهب المعنى إلى محنة منظمة، أو مستعد له من قبل صاحبها، ويذهب المعنى هنا إلى “الامتحان” وبتجسير المعنى ما بين الـ “محنة” و “الامتحان” يبقى هناك خيط رفيع للتفريق فقط في المعنى، ولكن كلاهما امتحان يحل على الفرد، أو الأسرة، أو الجماعة، أو الأمة ككل، ولابد من الدخول في معتركه كيفما تكون النتائج، كما هو الحال اليوم في جائحة (كرونا – كوفيد19) فهذه محنة إنسانية عظيمة، تواجهها الإنسانية بكل ما عندها من عناصر المكافحة، وهي امتحان للإرادة الإنسانية ينتظر نتائجها عاجلا أو آجلا.
هل ثمة تداخلات في النتائج عندما تختلط المحنة بالمنحة؟
هناك من يذهب إلى أنه في كل محنة منحة، مادية أو معنوية، صحيح أن المنحة لها حمولة ثقيلة على النفس، ولكن في المقابل لها آثار جانبية إيجابية، فكل محنة؛ حسب هذه الصورة؛ تذهب إلى من امتحن بمحنة أن تجعله يمر بمرحلة اغتسال من أدران كثيرة، وتقدمه إلى المجتمع على أنه فرد آخر غير الذي كان، وصدقا أن هناك أناسا كثيرين غسلتهم المحن، فغدوا أناسا آخرين غير ما كانوا، وبهذا التقييم تصنف الـ “محن” على أنها دروس عالية القيمة، وقد تحل على الفرد دون أن يحسب لها حساب.
الـ “منحة” غالبا ما تذهب بالفرد إلى الانتشاء، والبهرجة الاحتفالية (بهجة، انتصار، سرور، سعادة، حبور) لأنه في كل هذه المناخات هناك شعور بالرضا، وبالمكافأة المجزية، بينما تأتي الـ”محنة” لتلبس النفس شعورا سوداويا مقيتا، وكأن الدنيا بكل ما فيها هي فقط تلك الدائرة الضيقة المتمثلة في ( حزن، إحباط، خذلان، تقهقر، هزيمة) وكما قال أبو العلاء المعري: “حزن في ساعة الموت؛ آلاف سرور في ساعة الميلاد”، فحدث ميلاد طفل في أسرة – منحة من رب العزة والجلال – هو سرور تنتشئ به الأسرة إلى عنان السماء، حيث الحياة خضراء مزهرة، بينما لو خطف الموت هذا المولود، ولو في أيامه الأولى، فتقييم الـ “محنة” هنا، يظل تقييما لا يماثله وزن، يحدث هذا لكل الأسر، والأفراد ولو بدرجات متفاوتة.
فالإنسانية ممتحنة في سرورها وحزنها، في سعادتها وتعاستها، في انتصاراتها وهزائمها، في نهاراتها ولياليها، في إشراقات نفوسها وذبول مشاعرها، ومع ذلك تستعيد هذه الإنسانية حيواتها في كل مرة، وتبدأ من جديد، في صيرورة يسجل الزمن فيها تواريخ أحداثها لتبقى عبرة (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) –الآية (37) – سورة ق – ومع ذلك تبقى الـ “محن” أقل بكثير من الـ “منح” ولكن لأن وطأة المحن ثقيلة تستكثرها النفوس وترى فيها ألم الفقد كبيرا وعظيما.