البوسعيدي: بعض جوانب تراثنا الفكري ما زال مهملا

المجتمع المحترف للقراءة تقل فيه الشائعات

4 مؤلفات جديدة لهذا العام.. من بينها “عمان حديث الزمان والمكان والإنسان”
مشروعي للتأليف انطلق أساسا من محاولة تقريب التراث للناشئة وللقارئ العماني البسيط العام وقدمت 40 كتابا
محتوى عميق بلغة بسيطة وإخراج متميز بقيمة مادية مقبولة.. أمران ساهما في نجاح مؤلفاتي

7 أساليب ناجعة لطرق التأليف الفقهي من بينها “الاهتمام باللغة والإيجاز”
القارئ العماني في طليعة الشعوب العربية بشهادة معظم دور النشر العربية ومعرض الكتاب في مسقط
الإرث العماني الحضاري والثقافي له دور كبير في توجه القارئ العماني للتمسك بهويته وهناك تقصير عميق للمؤسسة التربوية في غرسه
خصوصية عمانية تجلت في التاريخ والجغرافيا والمجتمع والفكر والثقافة وفي العلاقات الدولية

أجرى اللقاء: سيف بن سالم الفضيلي

“أدعو مولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم لإطلاق المكتبة الوطنية لحفظ نتاج عمان الفكري”.. هذا ما قاله الكاتب والمؤلف سالم بن سعيد بن ناصر البوسعيدي في لقائنا معه حول مسيرته مع التأليف واهتمامه به.
وذكر البوسعيدي عن جديده في عالم التأليف لهذا العام بأنها بلغت 4 مؤلفات.. من بينها “عمان حديث الزمان والمكان والإنسان”.
مشيرا إلى أن مشروعه للتأليف انطلق أساسا من محاولة تقريب التراث للناشئة وللقارئ العماني البسيط العام وقدمت 40 كتابا، بمحتوى عميق وبلغة بسيطة وإخراج متميز وبقيمة مادية مقبولة؛ وهما أمران ساهما في نجاح مؤلفاتي.. وذكر البوسعيدي أن هناك 7 أساليب ناجعة لطرق التأليف الفقهي من بينها “الاهتمام باللغة والإيجاز”..
وأكد البوسعيدي أن المجتمع المحترف للقراءة تقل الشائعات لديه لأنّها تعلّمه كيف يتلقّى المعلومة وكيف ينقدها، والقارئ العماني في طليعة الشعوب العربية بشهادة معظم دور النشر العربية ومعرض الكتاب في مسقط، كما أن الإرث العماني الحضاري والثقافي له دور كبير في توجه القارئ العماني للتمسك بهويته وخصوصيته الحضارية.
وذكر البوسعيدي أن هناك جوانب من تراثنا الفكري نالت بعض حقها وبعضها ما زال مهملا، كما نال بعض الأعلام حقه في الظهور وهناك علماء ومؤلفون لم تبصر مؤلفاتهم النور.. وإلى تفاصيل ما دار في اللقاء.
في كل عام بتوفيق الله لك ترفد المكتبة العمانية بجديد التأليف.. فما جديدكم هذا العام؟
جديدي هذا العام أولا: كتاب “ذلك الكتاب” تجليات أخطر رسالة في التاريخ، بالنسبة لي هذا الكتاب هو درة مؤلفاتي هذا العام، أستطيع أن أقول هو خلاصة تجربتي الخاصة مع القرآن، خلاصة جلسات طويلة من التأمل والتدبّر والتفكير
ثانيا: مشروع “الإسلام حياة” وهو مكوّن من خمسة كتب هي القرآن حياة، والإيمان حياة، والالتزام حياة، والسيرة حياة، وملهمون في الحياة، يرتكز على أهمية استلهام روح القرآن، لتقديم الإسلام الحي في ذاته، والذي يمنح الحياة لغيره، لأنه يحمل صفة الحيوية والتجدد، يحمل الوعي الحضاري والقيم الإنسانية الكبرى، ويرتكز على الفطرة والعقل والضمير الحي، الإسلام الحضاري الفاعل والمتفاعل في ثوب عصري جديد في الشكل والمحتوى، فمن حيث المحتوى ترتكز المحاولة على الوعي الحضاري، ومن حيث الشكل فهو وقفات قصيرة لكنها مركّزة، إنها رحلة واعية تقدّم الإسلام كما فهمته وأحببته، والمجموعة تشمل خمسة كتب هي: القرآن حياة، والإيمان حياة، والالتزام حياة، والسيرة حياة، وملهمون في الحياة.
ثالثا: كتاب “وتحدث العلم شعرا” وهو دراسة علمية منهجية، حاولت فيها رصد تطوّر العقلية العربية والحياة العلمية في عمان من نافذة الشعر التعليمي، فجمعت قدراً واسعاً من النصوص والمواد في كتاب واحد، وهذا شيء مهم ومفيد، فالدراسة مقسّمة على بابين الأول يدرس الشعر التعليمي العربي، والثاني الشعر التعليمي في عمان، مبينا علاقته بشخصية العماني وفكره وتاريخه، والمدارس الفكرية التي احتضنت هذه الظاهرة.
رابعا: كتاب “عمان حديث الزمان والمكان والإنسان”. يتحدث ببساطة عن “شخصية عمان” زمانا ومكانا وإنسانا، ولا شك أن الشخصية هي حصيلة تفاعل تلك العوامل الثلاثة.
وعمان شخصية منفردة ذات هوية خاصة، تفاعلت فيه تلك العناصر، وقد أفلح الحكّام الذين استطاعوا فهم تلك الشخصية وتفاعلوا مع خصائص “شخصية عمان” كما فعل القائد الملهم الخالد السلطان قابوس طيّب الله ثراه.
لا شك أن الكاتب أو المؤلف يقرأ أذواق القراء في محيطه ويتعرف على ما يحتاجونه من مادة علمية خاصة الفقهية.. ما الذي شدكم في القارئ العماني؟
لا شك أنك تعلم وضع القراءة لدينا وهو وضع مؤلم، لا يهمني هنا أن أذكر إحصائيات، لكن دعني أذكر مثلا بسيطا، أي مجتمع يحترف القراءة تقل الشائعات لديه، لأنّ القراءة ببساطة تعلّم محبها، كيف يتلقّى المعلومة، وكيف ينقدها، محكما عقله، وواقعه، وإثباتات الخبر وشواهده، وحين تتراجع مكانة القراءة في مجتمعات تكثر فيها الشائعات، وعلينا أن نعترف أن أفظع أخطاء المؤسسة التربوية لدينا- وما أكثر أخطائها- هي فشلها في جعل الكتاب مألوفا للطالب، بل جعلته منفّرا. وفاقد الشيء لا يعطيه، نحن نكابد واقعا من أهم أسبابه عدم القراءة، لا شك أنك تعلم لماذا كان أول أمر قرآني هو “اقرأ باسم ربك الذي خلق”، فالقراءة خلق لمجتمع جديد، ولواقع جديد، ولأفق جديد..
تسألني عن القارئ العماني، وقد انطلق مشروعي أساسا من محاولة تقريب التراث للناشئة وللقارئ العماني البسيط العام، وقدمت في سبيل ذلك أربعين كتابا، والحمد لله تلقاها القارئ تلقيا حسنا. وساهم في نجاحها أمران مهمان: محتوى عميق بلغة بسيطة، وإخراج متميز بقيمة مادية مقبولة.
لذا دعني أقول لك أن القارئ العماني هو في طليعة الشعوب العربية، وذلك ليس بشهادتي بل بشهادة معظم دور النشر العربية، والدليل معرض الكتاب في مسقط.
الأمر الثاني الذي شدني في القارئ العماني هو التمسك بهويته وخصوصيته الحضارية، فتراه يبحث عما يتعلّق بوطنه، ولا شك أن الإرث العماني الحضاري والثقافي له دور كبير في هذا التوجه، وكان للمغفور له جلالة القائد الملهم السلطان قابوس طيب الله ثراه الطاهر أكبر الأثر في غرس ذلك التوجه، على الرغم من التقصير العميق للمؤسسة التربوية.
ولولا ذلك لما انتعش الكتاب العماني الذي يحتضنه أهل عمان، وللأسف لا يتنفّس خارج الوطن إلا ما ندر.
كيف تقيمون مسيرة التأليف الفقهي في السلطنة في هذه الآونة.. وهل ترون أن هذا التأليف فعلاً يؤدي غرضه إذا ما قارنا الأحوال والمتغيرات المتسارعة في عالمنا؟
الكتاب الفقهي في عمان منذ بداية التأليف كان الحاضر القوي في الساحة، بل معظم الموسوعات العمانية الكبرى فقهية في أساسها، كبيان الشرع والمصنف والضياء وقاموس الشريعة والكتب الجوامع كجامع ابن بركة والبسيوي وغيرها.. لأن الفقه تجدد مسائله بتجدد الزمان وتغير ظروف المكان والإنسان، وعليه يحتاج إلى تجدد وتجديد
وأظن الكتب الفقهية الموجودة في الوقت الحاضر من حيث الكم مقبولة وتتصدرها كتب “المعتمد” والفتاوى للشيخ المفتي حفظه الله، وكتب أخرى كثيرة، وقد جمعت بين سلاسة الأسلوب وحسن الإخراج خاصة مع ظهور مؤسسة الكلمة الطيبة ومؤسسات أخرى كذاكرة عمان، وخزائن الآثار، إضافة على جهود وزارتي التراث والأوقاف..
ولا شك أن الباب مفتوح لمن يستطيع أن يقترب أكثر من (الشباب والفتية) باعتبار أننا مجتمع فتي مقبل على الحياة، والحياة حركة وحراك، وعلى الفقه أن يساير هذا الحراك.
ما هو الأسلوب الأنجع لطرق التأليف الفقهي إذا ما نظرنا إلى تغيّر الاهتمام من قراءة الكتب الورقية إلى القراءة الإلكترونية؟
أرى ضرورة الاهتمام بالعناصر التالية:
أولا: الأسلوب بحيث يكون قريبا من الشباب، مرتبطا بالقرآن عمقا ومعنى.
ثانيا: الاهتمام بالكليات القرآنية العميقة، وتمييز الأصول من الفروع.
ثالثا: ترك المسائل الخلافية للكتب المختصة التي تخاطب أهل الاختصاص.
رابعا: الاهتمام باللغة بحيث تكون أكثر قربا من الشباب والفتية، وأقرب إلى وجدانهم فالكلمة تربية.
خامسا: الاهتمام بالإيجاز، فالوقت وقت سرعة، فما أجمل المباشرة في طرقه الأمور الفقهية.
سادسا: الاهتمام بالشكل الإخراجي الفني.
سابعا: العمل على إتاحته للناس عموما، بأقل سعر ممكن، وتسويقه تسويقا فاعلا، والعمل على توزيعه توزيعا جيدا ليكون متاحا لكل من يطلبه.
على أن الكتاب الإلكتروني والمنصات الإلكترونية اليوم جعلت كل ذلك أبسط وأقل كلفة.
ما علاقتك بالمخطوطات العمانية؟ وهل ترى أن الإرث الفقهي والأدبي العماني قد أخذ حقه في الظهور؟
أنا ربيب التراث، وأخبرتك أن مشروعي الفكري سار على مرحلتين، الأولى تبسيط للتراث، قدمت خلالها أكثر من أربعين كتابا في التفسير والحديث والعقيدة والفقه والتاريخ والتراجم، محاولا تقريب التراث للجيل المعاصر، وأنا راضٍ عن هذه التجربة من حيث تقبّل الناس لهذه الكتب وأثرها في المجتمع أو من حيث أثرها علي فقد أفادتني كثيرا في تكويني العلمي وفي انطلاقتي إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة الإبداع والنقد. كما قمت بالتعليق على بعض الكتب التراثية.
أما الشطر الثاني من السؤال وهل أخذ الكتاب العماني حقه في الظهور، هناك جوانب من التراث نعم نالت بعض حقها، ولكن بعض جوانب تراثنا الفكري ما زال مهملا، كما نال بعض الأعلام حقه في الظهور، هناك علماء ومؤلفون لم تبصر مؤلفاتهم النور، لدينا تراث متنوّع عميق –وإن كان جانب النقل يغلب عليه، لكنه متميز بهويته وخصوصيته-، لا شك أن جهود وزارة التراث والسيد فيصل بن علي رحمة الله عليه كانت جهودا جبارة، والحمد لله اليوم لدينا مؤسسات خاصة تعتني بتراثنا في طليعتها مؤسسة ذاكرة عمان.
يزخر التاريخ العماني بعدد كبير من المؤلفين وفي مختلف العلوم.. والذي برز منهم أو أخذ نصيبه من ظهور مؤلفاتهم وتحقيقها عدد قليل منهم.. ما سبب ذلك في رأيك؟ وما هي نظرتك لإعطاء أولئك المؤلفين حقهم في نشر تأليفهم؟
ذكرتُ لك أن لعمان خصوصية حضارية وثقافية ذكرت طرف من جوانبها في كتابي عمان حديث الزمان والمكان والإنسان، هذه الخصوصية تجلت في التاريخ والجغرافيا والمجتمع والفكر والثقافة وحتى في العلاقات الدولية.. كنت مرة في لبنان في إحدى الجامعات سألني مجموعة من كبار الأكاديميين فيها عن سر السمت العماني حتى في العلاقات الخارجية، قلت لهم خصوصية حضارية وثقافية استطاعت بجدارة قراءة أبجديتها القيادة السياسية العماني وهي قيادة عريقة.
لكن حتى أكون منصفا تاريخنا كتب برؤية دينية –وهذا ليس عيبا- لكن ذلك جعل الحكم أكثر المؤلفين يتجاهلون أحداثا ووقائع بل دولا كاملة تم تجاهلها وحذفت من أوراق تاريخنا.. أمر آخر الصراعات القبلية والنزاعات الداخلية دمرت الكثير من النتاج التاريخي العماني، إضافة طبعا إلى الغزو الخارجي فكم مرة أحرقت مكتبات الدولة في الرستاق ونزوى.. وأمر ثالث التاريخ عادة يكتبه الغالب والعنصر المسيطر مما يجعل وجهة النظر الأخرى غائبة..
ولأنك ذكرت قضية الكتب والمكتبات فمن هذا المنبر العريق أدعو جلالة السلطان هيثم بن طارق أن يبادر بإطلاق المكتبة الوطنية لحفظ نتاج عمان الفكري، لا سيما وقد بشّر بهذا المشروع منذ أن كان وزيرا للتراث والثقافة.
أما الشطر الثاني لسؤالك فالحمد لله اليوم خرج الكثير من شبابنا بدراسات أكاديمية تستحق التقدير وهي تلقى التشجيع من النادي الثقافي ومن الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء ومن جهات أخرى.