الدكتور حسين غباش.. أيَّها الراحلُ أبداً لن تغيب.. ما تزال أمانتك الثقافية مُودَعَة لدينا َ

د. محسن الكندي

لم يكن اليوم المحدد بالثلاثاء الموافق للثلاثين من ذي القعدة من عام 1441هـ يوماً عاديًّا بمقاييس الزمن إنه يومٌ استثنائي في ذاكرة الفقد والغياب رغم أننا في كلِّ لحظة من لحظاته نُشَنَّفُ بسَماعِ أنباءِ القدرِ المحتوم، الذي تُبْسِطُهُ لنا وسائلُ الإعلامِ وتظهرُهُ عدًّا واحتسابًّا لما لمَّ بعالمنا من وباءٍ لا علاجَ له! ….فأورثَ فينا مناعةً طبيعيةً قابلةً لسماع مثلِ هذه الأنباءِ الأليمة الجنائزية.. حاولتُ أن أفيقَ من دهشةِ اللحظةِ – جراءَ سماعي الخبر الفاجع – وأن أتمالكُ نفسي مما لمَّ بها من حُزنٍ عميقٍ على فَقْدِ عالمٍ جليل وأستاذ أكاديمي مُبَرَّز، ولكن هيهات هيهات؛ فسطوةُ الموتِ القاهرة وتأثيراته ظَلَتْ تخامرُ مخيلتي وتتسلَّط على كياني فلم أملكُ لها ردّا… ظللتُ أتذكرُ لقاءاتي به في معارضِ الشارقة تارة، وفي أبو ظبي، وفي مسقط، وفي البحرين، وفي بيروت تارة أخرى، وتواصلي معه – أحياناً – بوسائل التواصل الاجتماعي لأسترشد بآرائه كلَّمَا داهمتْ عالمنا العربي أحداثٌ فارقةٌ تزلزلُ كياننا، وتطالُ نفوسنا وتورثنا كمداً… كان الأستاذ حسين غباش- عبر منطوقه ومكتوبه – هو الصديقُ والأستاذ المرشد لنا، والمحلل السياسي المجيب على استفساراتنا واستفهاماتنا العلمية.
-1-
ينقَلُ إلينا في هذا اليوم – في عُمان – القريبة من قلبِ غباش عبر الأثير – المصيرَ المحتومَ والقدر الذي لا راد له لمؤرخ عرفَ طريق بلدٍ وطريقة حكمه “الديمقراطي” منذ أزل الآزلين، فاستنطقه من تاريخها العظيم لتسجِّل أنامله أماناتِ المعرفة ومصادرها لبلد ظل على الدوام بعيداً عن أضواء أقلام بعض المؤرخين المنصفين المتطلعين إلى الحقيقة، وكانت رؤيته مُنصَبّة على “ثيمة” مركزية حَلُمَ بتطبيقها في عالمه بل في حياته القصيرة ألا وهي “الديمقراطية” وما أدراك ما الديمقراطية الإسلامية؟!
رحيلُ عالمٍ مؤرخ بحجم الدكتور حسين غباش اليوم، يعدُّ خسارة فادحة لمؤرخي خليجنا المعطاء وأمتنا العربية العتيدة لعدة اعتبارات:
أولها: لما ألَّفَه من مؤلفات متقدمة فكراً ومنهجا ورؤية، وقد تمثلت في عناوين قارة قائمة على خطٍ منهجي محدد من بينها: “عُمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث” ، و”النبي محمد صلى الله عليه وسلم” ، و”التصوف معراج السالكين إلى الله”، و”الإمارات والمستقبل وقضايا راهنة”، و”الجذور الثقافية للديمقراطية في منطقة الخليج: الكويت والبحرين (تاريخ الشعوب الصغيرة).. وكان منشغلاً في كلِّ تواصلي معه بقضايا سياسية واجتماعية ساخنة تلامسُ جوهرَ القضايا المعاشة في تاريخ الخليج وثقافته، وتستهلك منه فحوى تفكيره وعاطفته المليئة برؤى الوطنية الحقة والنقية التي لا تعرفُ التعصب المقيت، ولا الجدليات العمياء في الثوابت والمدخرات.. وطنيةٌ قوامُها الإصلاح والتنوير، والكشف عن مفردات التاريخ بلغة العلم، ومنطق المنهج، ومن ثم تأصيلها وتحليلها ومقاربتها اعتماداً على الوثيقة لسان الحقيقة الحازم، وشرطها الحاسم.
كما وضعَ نصبَ عينيه الثقافة الوطنية التقليدية وإلقاء الضوء على تاريخ الشعوب لا التاريخ الرسمي متأملاً خصوصياتها ومفردات تكوينها وأبرز مظاهر الحراك الوطني فيها، وكان هدفه الشخصيات التي صنعت هذا التاريخ والرموز التي أسهمت في بلورته وجعله سلوك حياة وممارسة، كما يقول دائماً “أنه ضمن استمراريته”.
وكان أكثر ما يشغله ويؤرقُ ذاته التاريخ السياسي للبلدان الخليجية العربية باعتبارها أوطانه، وفي ذلك جاءت أفكاره قراءة انثروبولوجية مُعمَّقة تدور فحواها حول التاريخ السياسي، وانصبت جلَّها حول الثقافة الوطنية ودورها في صياغة الرؤية وتشريع المطالب الإصلاحية.
كما انشغلَ بقضايا الهجرة والاستيطان والمستقبل الغامض للعمالة الوافدة، وأنها تشكل قنابل موقوتة في المجتمعات الخليجية إذا لم توضع لها حلولا جذرية تنظمها وتحدُّ منها، واستثنى في ذلك السعودية وعُمان كونهما محصنتين بثقافتهما وتاريخهما العريق.
ثانيها: إننا نعيشُ مرحلة تحتاجُ إلى مثلِ قلمه الأكاديمي الرصين وفكره العلمي الحصيف، فهو بحق يعدُّ من أبرز مؤرخينا البعيدين عن الأهواء والتعصبات المقيتة، ولم يستسلم لإغواءات السياسة وترهاتها، وهو الدبلوماسي المحنَّك الذي عمل في “اليونسكو سفيراً لبلاده الإمارات”، وفي أماكن أخرى كان أخرها أستاذاً للعلوم السياسية بجامعة القديس يوسف ببيروت.
-2 –
الدكتور حسين غباش مؤرخٌ قديرٌ قدَّم أعماله بمنهجية أكاديمية وبصيرة علمية في غاية الأهمية ،وقد التفت إليه القاصي والدَّاني من مثقفي بلادنا عُمان عندما أصدر كتابه عنها عام 1999م وأصله أطروحة أكاديمية لنيل درجة الدكتوراه من جامعة السربون الفرنسية الشهيرة، وقد أدهشهم تحليله وأعجبتهم أطروحته وسَمَوا بها إلى آفاق الحلم الجميل الذي ترجمه بعبارات دقيقة وكلمات تلامس شغاف أحلامهم خاصة أنه اطَّلع على أراشيف الغرب وبالذات الفرنسيين، وألهمته الحقائق العلمية التي أنصف بها تاريخهم الوطني المجيد وثقافة بلدهم التليدة “،فقرأها قراءة معمّقة تدلُّ على وعي بمساقات التاريخ السياسي لبلدٍ وصفها بأنها:” ذات نفحة روحية وأخلاقية تستحق أن توصف بالديمقراطية الإسلامية العُمانية”.
-3 –
عرفتُ الدكتور حسين غباش لأول مرة ضمن قراءات تكوينية عديدة، وتكلل بلقائي به إبان عملي مديراً لمركز الدراسات العمانية بجامعة السلطان قابوس، إذ لبَّى دعوة الجامعة وأقمنا له محاضرة جماهيرية اكتظت فيها قاعاتها المخصصة، وتزاحم على حضورها مئات المثقفين من كافة أطيافهم ومِلَلِهم ونحلهم ومستوياتهم.
كان ذلك يوم الثلاثاء العاشرة صباحاً في القاعة رقم (1) بتاريخ 15 ديسمبر 2012م، حيث احتشدَ المثقفون والحضور من كلِّ حدب وصوب من ديارنا العُمانية رغم كون المحاضرة في يوم عملٍ، إلا أن الحضور فاق التوقعات فاضطررنا إلى نقلِ أثيريِّ لوقائع المحاضرة إلى قاعة أخرى مجاورة فامتلأت هي الأخرى بالحضور، كان الحضور متعطشين لرؤية وسماع صوت رجلٍ باحثٍ عالمٍ أيقظ فيهم حسَّ الديمقراطية وأوجده في ذواتهم، وحقق لديهم صحوة التاريخ ونشوة الحقائق كما قرأوها في كتابه الذي نفدت طبعاته الأولى، فاتبعها بأكثر من أربعِ طبعات أخرى، فأنصت له الجميع وشنفوا أذانهم لما قاله، وقد قاله قبل ذلك من على أعلى المنابع الجامعية أنها جامعة السربون حيث كتبَ فيها أطروحة كتابه؛ لينصف بذلك التاريخ العُماني ويغلبه على ما سواه من أدعياء التاريخ.
كانت المحاضرة بعنوان “خصائص الثقافة العمانية” فغيّرها إلى “مميزات الثقافة العُمانية” لوعيه بأن للثقافة العُمانية طاقة معنوية وأخلاقية، وتتميز بأشياء لا توجد في غيرها من الثقافات وقد طرح في ذلك سؤالا جوهريًّا لمحاضرةٍ نمَّت عن درايةٍ وإدراكٍ وحسٍّ الأكاديمي، وكان سؤاله من أين لعُمان هذه الميزات؟ وهذه الطاقة الخلاقة في صناعة التاريخ الديمقراطي، وكانت إجابته أنها من البيئة الاجتماعية القبلية والفكر العَقَدي “الإباضي” والشورى والمشاركة في المواطنة وضمان استمراريتها.
تلك المحاضرة التي أكد فيها بالقول الجامع المانع الصريح بأن الثقافة العُمانية محصَّنة ولا خوف عليها، وأنها سليلة مرجعيات راسخة قائمة على محاور ثلاثة: مبدأ السلطة القائم على الاجماع والتعاقد والانتخاب، ومفهوم الوطن، ومبدأ الاستقلال والسيادة، وهذه المحاور الثلاثة صُنعت خلال اثني عشر قرناً من الممارسة والتطبيق للتاريخ والثقافة العمانيين، وصاغت الثقافة السياسية للبلاد”.
كما َ أكد على حقيقةِ أن المجتمع العُماني بمركباته القبلية كان منظماً وذا بناء متماسك ومنزعٍ طبيعي إلى الحرية وهو ما أسهم في تأكيد الديمقراطية الإسلامية، وأن الواقع الاستراتيجي الهام الذي ميّز البلاد عكس نفسه على تاريخها، وكان وراء كل َّالاطماع والاعتداءات الخارجية عليها، وكان العُمانيون ملزمين بمواجهة تحديات شبه مستمرة للدفاع عن وطنهم، هذا الواقع ساهم بدوره في تأكيد الهوية الوطنية، وغرس في الثقافة السياسية مبادئ الحرية والاستقلال والسيادة على مرِّ العصور”.
وأختتم محاضرة بالقول: “إن نهضة عُمان المعاصرة نهضة حقيقية خلاقة، فقد بنت دولة حديثة وحدت البلاد وحققت السلام، وزودت هذه الدولة بمؤسسات متقدمة، واحتضنت الحكومة العمانية ببصيرة وروح مصالحة وطنية نادرة بعض الشخصيات السياسية المعارضة في الخارج، وأشركتها في بناء البلاد.. بناء عُمان الحديثة وتوطيد صورتها كدولة تسير على خطى الديمقراطية الإسلامية بكل مكوناتها”.
كان حدثُ هذه المحاضرة فارقاً، ونوعيًّا، وكنا نأمل إقامتها في أكثر من موقع ثقافي في بلدنا العزيز لعدم تكرار زياراته العلمية، ونظراً لظروفه العلمية التي لم تسمح له المكوث معنا طويلاً اقتصرنا أن يكون الحدث في موضعه وبعيداً عن أضواء الصحافة والاعلام كما كان يريد، فالرجل عاش بعيداً عن الأضواء لا يرنو إلى الشهرة، وكان كما حدثني أن مكانه الجامعة وكفى!.
-4-
يغادرُنا اليوم الدكتور حسين غباش ونفوسنا مكلومة حزناً عليه، وقد أودع في نفوسنا أمانات الثقافة العُمانية ووصايا الإتمان عليها – كباحثين ومثقفين – ليوحي إلينا بأننا أوصياء مؤتمنين عليها جميعاً، وعلينا اكمالها؛ لأنها تستحق الإكمال والدراسة، وهو بذلك فتح باب البحث وأودعه مشرعاً في أيدينا لنسير على نهجه ومنهجه ورؤيته الوطنية النقية البعيدة عن أشكال الارتهان الثقافي البغيض، واغواءات السياسة المقيتة. رحم الله الدكتور حسين غباش، فقد كنت مجيداً.