ماتريوشكا خالتي أم سعيد

محمود الرحبي –

في المجموعة القصصية الأخيرة لمازن حبيب ( تلك التفاصيل البسيطة في النهايات) التي سبق أن فازت بجائزة الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، هناك قصة تحمل عنوان ( خالتي أم سعيد) هذه القصة يمكن اعتبارها أيقونة المجموعة، ليس تقليلا من شأن باقي القصص، إلا أنه عادة ما تكون في أي مجموعة قصصية، قصة تتميز بين أقرانها، لتشكل ما يكمن تسميته بواسطة العقد، وإن لم تتوسط الترتيب. ومثل هذه القصص عادة تفتح مجالا لمشاركة القارئ ليس فقط ليتفاعل معها شعوريا، إنما ليشارك في بنائها وملء فراغاتها وبياضاتها. وهذا كذلك لا يعني أن القصة بها نقص تحتاج إلى من يرتقها، إنما يعني أن هذه القصة لديها من الإمكانيات ما يدفع قارئها للتفاعل معها والاندماج والمشاركة والإضافة، فيتورط في بنائها ذهنيا، على سبيل المثال في هذه القصة نجد عبارة من قبيل ( خشيت عليها أمي من مكوثها وحيدة في بيت الدعن القريب من البحر، دون ملازمة قريب لها) يمكن للقارئ هنا أن يستنتج بأن هذه المرأة تنتمي إلى مكان أو بلد أو قرية غير التي ينتمي إليها زوجها، كما يمكن أن يستنتج أن المرأة كبيرة في العمر بما يكفي إلى أن يكون أقرب أقاربها قد رحلوا عن دنيانا أو تفرقت بهم سبل الحياة. في قصة ( خالتي أم سعيد) نكون أمام امرأة معمرة عمياء، لم ترزق بأبناء، ولقبها أم سعيد يعود إلى رغبة قديمة في أن يرزقها الله بمولود تأمل في أن تسميه سعيدا؛ ليعيش كذلك مع والديه. يوحي الاسم بأنها خالة وأن لديها ابنا اسمه سعيد، وهي ليست في شيء من ذلك، فهي خالة فقط بحكم الجوار، وأمًا بحكم الأمنية والرغبة التي لم تتحقق. كما أن زوجها غائب عنها، حيث ابتلعه البحر، ولا أهل لها أو أقارب يسألون عنها.
كل هذه البواعث المأساوية كان تقاسيها أم سعيد دون صوت « كان صوت أمي يعلو قليلا في النشيج، في حين كانت دموع خالتي تتدفق بغزارة»
ولكن ما لم تستطع عليه صبرا هو أن تظل محبوسة ما تبقى لها من حياة. في الواقع الشعوري هي محبوسة في داخل أكثر من حبس، يشبه الأمر لعبة ماتريوشكا الروسية، لا يظهر منها سوى الجسد الطبيعي، ولكن ما إن تقترب من قلبها وتفتحه إلا وتجد أنها تخفي جسدا بداخلها، في قلبه جسد أصغر منه، وهكذا دواليك. وبالنسبة لأم سعيد، هناك السجن البيولوجي المتمثل بالبيت المعزول، الذي ينطوي على أكثر من سجن : الجسد الوحيد المعزول، الرغبات المفطومة، العمى، غياب الزوج، غياب الأهل والأقارب..الخ.
اقترحت عليها جارتها، أم الطفل الذي تكفل بسرد القصة، أن تقيم معهم ( خشيت عليها أمي من مكوثها وحيدة ). ولكنها لم تحتمل المكوث في غير بيتها، حيث قررت فجأة الرجوع إليه، ولكن ليس بالشعور القديم نفسه. لن تكون هذه المرة تصارع وحدتها، سوف تشغل حياتها بأمر ذي نفع لها ولجوارها. لقد تمردت على الوضع الجديد بالعودة ، ولكنها عودة مصحوبة بفكرة جديدة لم تكن تخطر على بال أحد.
قررت أن تفتح نافذة جديدة على حياتها « أن تقوم بغسل ملابس من شاء أن يوكل إليها هذه المهمة من أهل القرية». بدأت ببيت مضيفيها، ثم انتشر خبر عملها في ربوع القرية. وكان الطفل – سارد القصة وبطلها الخفي- يساعدها، أو يكمل لها عملها، حين يعوضها في أداء عملها، بما لا يستطيع أن يفعله سوى البصر، مثل تمييز الألوان ( أما أنا فلم تكن مهمتي المعاونة على الغسل، كما ظننت في البداية، بل فصل الملابس البيضاء عن الملونة). كما أنه بعد ذلك، وفي أثناء النشر على حبل الغسيل( يبين لها الحد الذي يفصل ملابس كل بيت).
إن بساطة القصة وعمقها يتجليان في هذه المهمة البسيطة، التي تزاوج فيها عمل المرأة المسنة مع من يقابلها زمنيا الطفل الصغير الذي لم نجد في القصة تحديدا لعمره، تاركا بذلك مهمة الاستنتاج والمشاركة للقارئ، لذا فالمشاركة في مهمة بناء جانب من جوانب القصة، فالطفل والمرأة العجوز يحركان السرد، أحدهما بالفعل والثاني بالروي.
وفي ما يلي هذه الفقرة المعبرة من القصة: ( كانت لدى خالتي نظرة شبه ثابتة، ولكنها غير عابسة، بعينيها العمياوين، المائلتين إلى الاخضرار الفاتح، أو الزرقة البحرية، ما يجعل المرء يعتقد أنهما اكتسبتا هذا اللون من طول تطلعها إلى البحر، وربما انتظارا لأبي سعيد)
امرأة ظلت تنتظر، ابنها سعيد الذي لم ترزق به، ثم أباه الذي بلعه البحر. بحثت عن سلوى في ابتكار أعمال الغسل ثم في فتح دكان. وكان الراوي الصغير ينقل ببراءة كل ما يراه ويشعر به، حتى لحظات موتها الفجائعية التي وصفها بدقة قبل أن يوقع نهاية القصة وينسحب راجعا.