الموسيقى.. فــن الروح!

محمد جميل أحمد –

ما يتجرد يصبح أكثر مدعاةً للتأمل، فالتجريد نمط من اشتغالات العقل لإدراك الأفكار.
وقديمًا عرَّف القدماء الفكر بأنه: «حركة النفس في المعقولات» فيما وصفوا الخيال بأنه «حركة النفس في المحسوسات».
لكن ما يجمع بين الروح والموسيقى هو المقاربة التجريدية لكليهما، ولهذا حين أطلق فلاسفة اليونان على الموسيقى: «ملهمة الروح» كان ذلك اجتهادًا منهم في إدراك علاقة الغموض بين الموسيقى والروح.
إن الموسيقى هي أصوات مجردة وملهمة في الوقت نفسه، لكن قدرتنا على الإحساس بالخيال في منطقها لا تنجو من التفكير بما يمكن أن نسميه التناظر الروحي. فقدرة الموسيقى على التأثير العابر لدلالات اللغة ومحدوديتها بما يتجاوز إلى التأثير في الروح البشرية عبر السماع فعل لا يشبه إلا الروح ذاتها.
لهذا، ربما كان التجريد هو أعمق وأصفى صفة للموسيقى بأذن المستمع. وبطبيعة الحال ارتباط المعنى بالتجريد سيكون في الموسيقى أكثر ارتباطًا بالروح وليس بالعقل. فالموسيقى من حيث كونها إحساسًا لروح ملهمة، تضمر رسالة جمالية بالضرورة، لكن جماليتها هنا هي تعبيرها ذاته وليس شيئًا آخر، على مثل ما يمكن أن نراه في التعبير بالكلمات مثلًا، أي الشعر.
ففي فنون القول، كالشعر مثلًا، قد تنفصل البلاغة عن الجماليات، وهو أمر يعالجه الشاعر من خلال موهبته لأن مستوى التجريد في الشعر أقل منه بكثير في الموسيقى.
أما في الموسيقى فعلى السامع أن يدرك المعنى بالروح فقط، لكنه لا يتعقله أبدًا. وفي هذه الخاصية تشترك الموسيقى مع الشعر من حيث كونها أصواتًا قابلة للسماع المتجدد. الطاقة التجريدية للموسيقى طاقة لا يمتلك المتلقي تفسيرًا لها، نعم قد يدرك المعنى، لكن الطاقة التي في المعنى طاقة غير قابلة للتفسير.
لهذا، فإن تلازم الشعر مع الموسيقى في فن الغناء هو ضرب لابد منه للإضافة التي تعكس التقارب بين الشعر والموسيقى. لكن في المقطوعات الموسيقية تحضر الأفكار المجردة فتكون أكثر إلهامًا، لأن خاصية تعطيل المعنى العقلي الذي تقدمه دلالة الكلام في الشعر تجعل من الموسيقى أكثر قربًا من الروح بل أكثر تناظرًا.
فإذا كان في الشعر غموض؛ فإن في الموسيقى تجريد، وإذ يناظر الغموض في الشعر تجريدًا في الموسيقى فإن محدودية الكلمات التي تقيد المعنى باللغة، لا يمكن أن تحد من سيولة الموسيقى في الروح البشري، إذ إنها هنا بمثابة مناولة الروح للروح !
يمكن للحن، الذي هو جذر مشترك بين الموسيقى والصوت البشري، أن يكون ملتبسًا بالشعر ومؤثرًا كذلك، لكن ما يتسرب من الغناء إلى مطلق المستمعين سيكون هو عنصر الموسيقى لا عنصر الشعر، أي أن اللحن هو الذي سيكيف هوية المعنى المجرد الذي يتلقاه المستمع فيما هو لا يعرف لغة الأغنية مثلًا.
إن مفهوم الطاقة في الموسيقى هو مفهوم الروح ذاته، وإذا كانت الحركة من نتائج الطاقة فإن أثر الموسيقى في الروح البشري هو أثر الروح في الجسد.
طاقة الموسيقى تنعكس في حركتين مزدوجتين: حركة في المشاعر، وحركة في الجسد، وبحسب استيعاب الجسد للطاقة يتحرك الجسد بنشوة.
وهنا سنجد أنفسنا أمام معنى آخر يعضد فكرة الروح الموسيقية في استيلائها على العقل، أي أن تغييب العقل بالموسيقى هو فعل يعكس وصلًا وفصلًا في وقت واحد، ولهذا وصف بعض الفقهاء القدامى الغناء بأنه «خمر النفوس».
بطبيعة الحال النعت الانتقاصي في كلام الفقهاء سيكون المجاز فيه متجاوزًا لما أردوا من تنكير لفعل الغناء، فهو يعكس، في استعارة ما، وصفًا تقريبيا لفعل الموسيقى في الروح أو في فعل الروح في الروح!
صحيح أن أقدم آلة موسيقية هي: الصوت البشري، لكن كذلك صحيح أن الموسيقى عبر آلاتها المتعددة أضاءت أكوانًا لامتناهية للمعنى الروحي الذي يتجاوز الصوت من خلال تعدد آلاتها المختلفة.
ثمة انخطافات وارتجافات تغسل الروح في ينابيع الألحان التي تترجم أصوات المعني؛ ففي كل خيال لحني نظير لامتناهٍ للروح الطليقة. وصانع الألحان (الموسيقار) فرد ذو خيالٍ جسور بالضرورة، لأن خياله حين يناظر طلاقة روحه، لا يتعين، عندئذ، على المستمع إلا تلقي فيوض الألحان الساحرة!
بين الروح والموسيقى؛ إلهام متبادل لأن كليهما يتناولان طاقة الفن الإنساني!