بعد خمسين عاماً يعود ذلك اليوم !

عبد الله العليان –

كان الاهتمام الأول للسلطان قابوس بعد توليه حكم السلطنة، تركزت على أمرين مهمين وهما عودة المهاجرين العمانيين من الخارج، للأسباب السياسية، أو غيرها من الأسباب، من خلال مقولته الشهيرة (عفا الله عما سلف)، بالدعوة إلى الوحدة الوطنية والإسهام في بناء عُمان الجديدة بعد التغيير، وفتح صفحة جديدة في هذه المرحلة، وترك الماضي وآثاره، وحققت هذه الدعوة استجابة كبيرة من أغلب النخب السياسية والفكرية العمانية، وعادت إلى عمان، ومن هؤلاء المرحوم صاحب السمو السيد طارق بن تيمور آل سعيد، الذي استلم رئاسة مجلس الوزراء، بعد عودته، واستلم العديد من النخب السياسية والفكرية المؤهلة دراسياً، العديد من المناسب المهمة في قطاعات عديدة. تشاء الصدف الجميلة أن يعود خميس ذلك اليوم الخالد، في الثالث والعشرين من يوليو 1970م، وتولي السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ مقاليد الحكم في بلاده بمرور خمسين عاماً على ذلك الحدث التاريخي، كانت عُمان في أشد الحاجة إلى ذلك التغيير، وتواقة إليه بأية وسيلة تتخذ، للخروج من هذه العزلة التامة عن العالم، ونبذ التخلف والتراجع في داخل بلادنا وفي شتى المناحي، فلم تعد الظروف والمعطيات والتحديات، تستدعي أن يبقى هذا البلد التاريخي المهم في المنطقة، في هذا السبات أكثر مما هي فيه على أرض وشعب، مع وجود الحرب القائمة في ظفار، والتوترات في بقية مدن البلاد الأخرى.
كانت مدينة صلالة في خريفها الاستثنائي المعتاد في هذا اليوم، والأوضاع هادئة في الصباح، ولم يكن هناك توقع بالتغيير أبداً، على الرغم من تسّرب بعض الأخبار في بداية في الأشهر الأولى من 1970، عن احتمال تنازل السلطان سعيد بن تيمور عن الحكم، لابنه قابوس، كان البعض في مساء ذلك في صلالة، يستعد لسماع الخطاب المعتاد للرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ذكرى 23 يوليو المصرية.
كنا نحن ذلك الجيل، قد وعينا على أحداث بلادنا شماله وجنوبه، وعالمنا العربي، وكنا نقرأ الصحافة المصرية ومجلاتها التي تأتي من المسافرين العائدين إلى بلادهم من منطقة الخليج في بعض المواسم، إذ كانت شعبية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كبيرة، بالرغم من الهزيمة القاسية عام 1967، التي أراد لها البعض من التيارات اليسارية، أن تكون هذه الهزيمة، سقوط للمشروع الناصري (البرجوازي الصغير)، ويكون البديل هو المشروع الماركسي ـ وهذا ليس مجال حديثنا ـ فبعد عصر ذلك اليوم التاريخي، بدأت تحركات الجيش وطيران الهليكوبتر، تزداد نشاطاً بين الساعة الثالثة والساعة الخامسة، من الظهر إلى العصر، وتم توقيف الدخول والخروج، بين مدينة صلالة ومنطقة الحافة، وبين قصر الحصن مقر إقامة السلطان سعيد بن تيمور ـ وقد فصلت ذلك في موضوعات سابقة عن هذا الحدث ـ وفي المساء جاء الخبر بالتغيير، وتولى قابوس الحكم، وكانت فرحة لا توصف، وازدادت الفرحة، أن التغيير تقارب تاريخياً مع ذكرى 23 يوليو 1952، وحتى أن البعض، الذي انتظروا لسماع خطاب جمال عبد الناصر في ذلك اليوم، لم يتابعوه، كالمعتاد جيداً، لأن الأحاديث الجانبية، انصبت على التغيير الذي جرى في عمان، وما هي التوقعات التي ستحدث بعد هذا التغيير؟ وماذا عن الثورة القائمة في جبال ظفار؟ فالحدث كان كبيراً وهاماً بكل المقاييس.
ويحكي المستشار الصحفي لجلالة قابوس بعد التغيير، المرحوم الأستاذ حفيظ بن سالم الغساني، في كتابه (مع الأيام)، ذلك الحدث الهام في الثالث والعشرين من يوليو 1970، فيقول: «نعم.. كانت عمان في انتظار الذي لابد أن يجيء، ثمة حركة من حركات التاريخ تتهيأ.. تتكور في رحم الغريب. لابد أن شيئاً ما سيحدث.. أن تحدث استجابة لإرادة الحياة.. والشعب العماني قد أراد الأخذ بأسباب الحياة التي يطمح إليها(:)، جلسنا على شاطئ البحر في صلالة.. كنا مجموعة من الأصدقاء، رحنا نتجاذب أطراف الحديث، نأخذ من كل شيء طرفا، في محاولة للتغلب على الوقت، وأبعاد شبح الملل والرتابة. وفجأة اقترب منامنا رجل يهرول مسرعاً.. من جوارنا وهو يهتف: «قابوس حكم» وهرول بأنفاسه المتلاحقة، تركنا في دهشة تعبير «قابوس حكم» ماذا يقول الرجل؟ هل نصدق هذا الكلام؟ أنظر إلى السماء.. هذه طائرات تحلق على ارتفاع منخفض؟ّ! وانظر إلى هناك.. ما هذه الجموع الكثيرة من الناس أنهم متكاثرون! حركة غير عادية هرولة هنا وهناك.. غير مألوفة. إذن الأمر ـ جد ـ خطير. كلنا في حالة دهشة التي استولت علينا جميعاً.. الشوارع امتلأت بالزغاريد في البيوت أصوات فرحة.. تردد البشرى بل تزف البشائر «قابوس حكم»).
كان الاهتمام الأول للسلطان قابوس بعد توليه حكم السلطنة، تركز على أمرين مهمين وهما عودة المهاجرين العمانيين من الخارج، للأسباب السياسية، أو غيرها من الأسباب، من خلال مقولته الشهيرة (عفا الله عما سلف)، بالدعوة إلى الوحدة الوطنية والإسهام في بناء عُمان الجديدة بعد التغيير، وفتح صفحة جديدة في هذه المرحلة، وترك الماضي وآثاره، وحققت هذه الدعوة استجابة كبيرة من أغلب النخب السياسية والفكرية العمانية، وعادت إلى عمان، ومن هؤلاء المرحوم صاحب السمو السيد طارق بن تيمور آل سعيد، الذي استلم رئاسة مجلس الوزراء، بعد عودته، واستلم العديد من النخب السياسية والفكرية المؤهلة دراسياً، العديد من المناسب المهمة في قطاعات عديدة.
والأمر الآخر: هو دعوته إلى الثورة العمانية في ظفار، إلى العودة إلى أحضان الوطن، وترك حمل السلاح للتغيير، فعمان الجديدة اليوم غير عُمان الأمس، وهي لكل أبنائها وترك الماضي ومخلفاته، واستطاع السلطان قابوس أن يطوي آثار هذه التحديات، بحكمة وبعقلية فذة، إذ ركز على ضرورة تحقيق الوحدة الوطنية في المقام الأول، حيث انتقد تلك السياسة السابقة في أحد الحوارات الصحفية مع جريدة لبنانية في بداية السبعينات، وأن من حملوا السلاح اضطروا لذلك، نتيجة للأوضاع التي كانت سائدة، وهذه حقيقة، وكان السلطان قابوس، صريحاً وواضحا، في شرح ماضي عمان وما كانت عليه، وقال في هذا الحديث ما نصه:«طريقنا للقضاء على الثورة هي القضاء على أسبابها، وهي توعية الناس، تعمير ظفار في بناء الطرق والمستشفيات والمدارس. أسباب الثورة في الماضي كانت مشروعة كانت ثورة على التخلف والجهل. لم تكن هناك من وسيلة للتعبير إلا حمل السلاح والعنف. اليوم تغيرت الأمور بدأنا نوفر فرص التنمية ساعين للتعاون مع الناس فاتحين أبوابنا للشكاوي.. إن اقتلاع أسباب الثورة يحتاج إلى أضعاف وقت نموها». وهذا القول بحق ينطلق من مصداقية واقع قائم بكل ملابساته السياسية آنذاك.
وعاد العديد من قيادات جبهة تحرير ظفار منذ الأسابيع الأولى للتغيير، وكل يوم نسمع عودة الكثير من القيادات الثورية، في قادة الجبهة الشعبية العمانية، وبدأت مرحلة جديدة لبناء عمان، واستعادة ما فات من تراجع وتخلف على كل المستويات، وبعد وفاته رحمه الله، وتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق، مقاليد الحكم ـ وفقه الله تعالى ـ فإن مرحلة استكمال البناء والنهوض، سوف تستمر بكل ثبات وهي مرحلة النهضة الثانية في عمان، وتحقيق المزيد من الانجازات في كل ربوع بلادنا.