ثلاثة أيام مع جابو (3 من 3)

كنت مشاركة ورشة ماركيز الصحفية

سيلفانا ياترنوسترو
ترجمة: أحمد شافعي
الثلاثاء 9 أبريل ـ التاسعة صباحا
قبل قرابة خمسين عاما من يومنا هذا فقد جابو أول آلاته الكاتبة ـ التي كتب عليها “الاستقالة الثالثة”، وهي أول قصة قصيرة نشرها. كان طالب حقوق تعيسا يعيش في نزل رخيص بوسط بوجوتا، مفتقدا حرارة الساحل الكاريبي. كان نادرا ما يذهب إلى المحاضرات، فالقانون، الذي انتظرت أسرته أن يدرسه، لم يكن يثير اهتمامه. في ساعة الغداء من التاسع من أبريل سنة 1948، أوشك جابو أن يجلس لتناول الطعام حينما سمع بإطلاق الرصاص على خورخي إيليسير جيتان المرشح الرئاسي الشاب صاحب الشعبية الكبيرة الذي كان يزعزع البنية السياسية التقليدية في كولومبيا.
يحكي لنا جابو أنه هرع إلى الميدان ليجد “الناس يغمسون بالفعل مناديلهم في دماء جيتان. اشتعلت النار في شوارع بوجوتا وفقد جابو آلته الكاتبة في الحريق. أصيبت كولومبيا بالشلل. أغلقت الجامعات. وحدث، بعد شهور قليلة، هنا في قرطاجنة، أن بدأ جابو وهو في السابعة عشرة من عمره حياته كصحفي بكتابة الافتتاحيات.
“كنت أتجول ذات يوم وكان زافالا، رئيس تحرير إل يونيفرسال جالسا إلى آلته الكاتبة بالخارج في الميدان. يقول لي ’أنا أعرفك. أنت صاحب القصص القصيرة في إل سبكتيتور. لماذا لا تجلس وتساعدني في هذه الافتتاحية التي أكتبها؟’ وكتبت شيئا. فتناول زافالا قلمه الرصاص وحذف بضعة أشياء. في المرة التالية التي كتبت فيها افتتاحية لم يحذف غير أشياء قليلة. في المرة الثالثة كنت أكتب بلا تحرير. كنت قد أصبحت صحفيا”.
لا يجلس اليوم بجواري. لا يرتدي قميص جوايابيرا الأبيض، إنما يرتدي قميصا فيروزيا حريرا طويل الكمين. لا يزال الحذاء أبيض. تبدو صلتي به بعيدة لكنني لم أزل مشدودة إلى حكاياته. يقول لنا “بدأت أجني مالا من الكتابة حينما صرت في الثالثة والأربعين. اشتريت أول بيت لي، بيت كويرنافاكا، سنة 1970، بعد خمسة وعشرين عاما من نشر أول قصة قصيرة. حسبت أنني لكي أصطحب أبنائي إلى السينما في تلك الأيام فقد كان عليّ أن أكتب اثنتي عشرة صفحة، ولكي أصطحبهم إلى السينما وأشتري لهم آيس كريم فقد كان عليّ أن أكتب عشرينا. حينما عشت في باريس، لم أكن أعمل وفقا لساعات ثابتة، وغالبا ما كنت أكتب في الليل. في النهار كنت أنشغل بإطعام نفسي. الآن أعرف أن الكتابة بالنهار أفضل، على حاسوب، ببطن ممتلئ وفي هواء مكيف”.

استراحة القهوة

اتفق جيمي أبيلو ـ مدير المؤسسة ـ مع مصور فوتوغرافي ودعانا جميعا لالتقاط صورة جماعية. لا تمنح المؤسسة شهادات: “فالحياة، في الوقت المناسب، سوف تقرر من القادر ومن غير القادر” مثلما قال جابو لكن “على الأقل” كما يقول جيمي “يمكنكم جميعا الرجوع بتذكار، تعالوا قفوا على الدرج”.
يجلس جابو في لطف في المنتصف. ويأمرنا المصور القادم من إل يونيفرسال أن نبتسم للكاميرا.
“انتظر” تصيح المرأة التي تدير المركز “أريد صورة مع جابو” وتصعد إلينا فتجلس بجواره.
الواحدة ظهرا
كان ذلك محتوما. أن يصل الكلام إلى فيدل كاسترو. كنا فقط، أو ربما يجدر بي القول إنني كنت، في انتظار اللحظة المناسبة. يريد جابو أن يتكلم عن الأخلاقيات: هل ينبغي أن يطلع الصحفي على وثيقة تركت مهملة، وثيقة قد يكون وراءها انفراد؟
يتيح لي سؤاله هذا الفرصة. أقول إنني “مررت بتجربة كهذه”. في سنة 1991 حضرت حفل افتتاح القمة الرئاسية الأيبيرية الأمريكية الأولى المنعقدة في جوادالاجارا. قيل لكاسترو إن على كبار الشخصيات جميعا أن يقصروا كلماتهم على سبع دقائق. انتظر الجميع في خوف دور كاسترو المعروف بخطبه الطويلة. كنا جميعا نتساءل هل سيلتزم كاسترو بحدود الدقائق السبع، وهو الذي بعد يوم واحد من انتصار الثورة في 1959 ارتجل خطبة دامت سبع ساعات؟ كان بالجوير رئيس جمهورية الدومينيكان قد تحدث لخمس وأربعين دقيقة.
خلال الاستراحة، أحاطت مجموعة الصحفيين وأنا منهم بفيدل. يبدو من قريب أضخم مما يبدو في العادة، حتى لو بدا زيه العسكري باهتا بعض الشيء وياقة قميصه بالية للغاية. وبينما هو يمشي إلى الخارج، تبعه الجميع. وبدا مغرما بذلك.
صاحت صحفية “أيها القائد، أنا كنت أقطع القصب في لواء فينسريموس”
توقف وتلفت باحثا عن الصوت. “أين؟”
مدت امرأة يدها من فوق الزحام بصورة بالأبيض والأسود، صورة لهما معا حينما كانت لحيته لم تزل سوداء. “هل يمكن أن توقعها أيها القائد؟”
صاح شخص آخر “هل كان صعبا أن تتكلم لسبع دقائق؟”
قال فيدل “لقد خدعت. قالوا لي إنني لو تجاوزت سبع دقائق فإن جميع أجراس جوادالاجارا سوف تدوي”.
كنت قد لاحظت ورقة صغيرة مجعدة بجوار دفتر أصفر حيثما كان جالسا. وفيما تحرك الجمع معه باتجاه الخروج، رجعت إلى كرسيه وتناولت الورقة المكورة. فتحتها وقرأت بخط يده الصغير المنمنم: ” Por cuánto tiempo habré hablado?” (كم استغرقت في خطبتي؟) وعلى الدفتر الكبير، كان فيدل قد كتب قائمة بجميع الرؤساء والوقت الذي استغرقه كل منهم، بالثانية. ابتعدت تاركة الورقة ورائي. ومن ذلك الحين وأنا نادمة.
يقول جابو “لو كنت مكانك لأخذتها بلا شك. صدقيني، لو ظن أنها شديدة الأهمية، لما كان تركها قط. نعم، كنت لأحتفظ بها تذكارا”.
ومثلما كنت أرجو، بدأ جابو يتكلم عن فيدل كاسترو. تكلم عن كوبا بصراحة، وباهتمام ومحبة، شأن طالب جامعي يعلق صورة تشي جيفارا على جدار غرفته. أما عن فيدل، فيتكلم دون أن يقول في الحقيقة أي شيء سلبي، أو متنازل، أو حتى كاشف. “إنني أتكلم عن فيدل انطلاقا من عاطفة أكثر مما أتكلم عنه انطلاقا من حكم. هو من أكثر الناس الذين أحبهم في الدنيا”.
يقول واحد “دكتاتور”.
“إجراء الانتخابات ليس الطريقة الوحيدة للديمقراطية”.
يظل الصحفي الأمريكي فينا يلاحقه. ويبدأ جابو في الإجابة، لكنه يرى أننا ندون كلامه، فيعمد إلى نبرة صوت صارمة: “هذا ليس حوارا، إذا أردت أن أعرب عن آرائي عن فيدل، فسوف أكتبها بنفسي وصدقوني، سأكون أفضل في ذلك”. وربما لإحساس ما بالذنب لأنه وبخنا، يصف لنا البروفيل الذي كتبه عن فيدل. “أعطيته له ليقرأه. وقد كنت فيه انتقاديا، تكلمت عن وضع الصحافة الحرة. لكنه لم يقل شيئا عن ذلك. ما ضايقه حقا في مقالتي هو أنني ذكرت أنه ذات يوم أكل ثماني عشرة كرية من الآيس كريم بعد الغداء. ظل يسألني ويكرر السؤال ’هل أكلت بالفعل ثماني عشرة كرية؟’”

بعد الغداء

يقول جابو لروبن فالنسيا “احك لنا عن رحلتك إلى تشيجورودو”.
تشيجورودو قرية في أورابا، أخطر مناطق كولومبيا، وهذا يعني الكثير في بلد يوصف بأنه الأعنف على وجه الأرض. خليج أورابا، في ساحل كولومبيا الغربي، هو كوكتيل مولوتوف جغرافي. فيه أخصب أراضي البلد، وهو نقطة دخول السلاح، وميناء خروج المخدرات، وفيه مزارعون فقراء وملاك أراض أثرياء، فيها عصابات مسلحة، وقوات مسلحة، وفرق إعدام. في العام الماضي، قتل ألف شخص، ضحايا للعنف السياسي. وفقا لتقرير صحفي، قام قاتل في العشرين من عمره بقتل ثلاثة وثمانين شخصا. في أغسطس سنة 1995، قتل ثمانية عشر شخصا في صالة رقص.
روبين آخر من كنت أتوقع أن يززر تشيجورودو. هو شاب هزيل، ذو نظارة مربعة ضخمة على وجهه، في عدستيها الكثير من التعليمات الطبية، تبدو عيناه ضئيلتين من خلالهما. يقول “إنني ذهبت إلى هناك لأنني أردت أن أكتب عن تأثير العنف على حياة أهل المنطقة، لأكتشف وجه القصة الإنساني”.
المادة التي نشرها هي التي قدمها للورشة. جابو يمسكها في يده. يسأله “قل لنا ما جرى في اللحظة التي وصلت فيها؟ من كان أول من تكلمت معه؟”
“كانت البلدة مهجورة يا مايسترو. وجدت ولدا في الثانية عشرة من عمره، سألته إن كان يعلم أين صالة الرقص فأخذني إليها. بعد المجزرة، حدث نزوح، جميع المزارعين نزحوا عنها خائفين”. يحكي لنا فالنسيا أنه سار في المكان باحثا عمن يتكلم معه، لكن الخوف والصمت هما كل ما عثر عليه. توقفت امرأة على دراجة نارية وعرضت عليه توصيله إلى بلدة أبارتادو على بعد نصف ساعة بالدراجة في المطر، حيث يمكنه أن يحصل على مزيد من المعلومات. سجل وصوله إلى فندق لاس مولاس. وفي يومه الثالث هناك، كان زائر في انتظاره في البهو.
سأله الغريب “أأنت الذي يحقِّق في المجازر؟ هيا نخرج ونتناول شرابا. أعتقد أنك تريد أن تتكلم معي؟”
قال فالنسيا “آسف. الوقت تأخر. أنا لا أخرج بعد الظلام. هل تحب أن تصعد معي إلى غرفتي؟”
ما كادا يدخلان الغرفة حتى سأل الرجل “ما الذي وصلت إليه؟ ماذا تريد أن تعرف؟”
“أنا صحفي، أحاول أن أكتشف الوجه الإنساني لهذا الصراع”.
“اه، قلت لي”.
أخيرا سأله فالنسيا “من أنت؟”
قال الرجل “أنا ملاك”.
“أي نوع من الملائكة؟”
“ملاك ذو جناح أبيض وجناح أسود”.
“وبأي جناح سوف تتكلم معي”.
“على حسب”.
“على حسب ماذا؟”
بينما يتكلم فالنسيا، نلزم جميعا الصمت، غارقين في قصته. أشعر بشيء من الحسد، يا لها من قصة!
يقول جابو رافعا المقالة “لكن ليس هذا ما أقرأه هنا. لماذا لم تكتب تلك القصة؟ لماذا لم تكتبها تماما كما حكيتها لنا الآن؟ تلك هي القصة التي كنت لأكتبها أنا”.
ينظر إليه جابو ويقول “صف لنا ذلك الرجل”.
يبقى روبن صامتا.
“هل يمكن أن تتذكر وجهه؟”
“نعم”.
“بأي حيوان يذكّرك؟”
“السحلية. سحلية الإجوانا”
يقول جابو “خلاص. لست بحاجة إلى المزيد. لقد ضاعت عليك الرحلة يا بني. نحن لسنا علماء اجتماع، نحن حكاءون، نحكي قصص الناس. كتابة التقارير بصوت إنساني هو ما يخلق الصحفيين الكبار. أين تلك القصة؟”
يقول روبين، الذي يصر على مناداة ماركيز بالمايسترو “الأمر ليس سهلا. حينما أقترح كتابة تلك القصة يقول لي رئيسي ’فالنسيا، أنت لست جارثيا ماركيز، اقتصر على المعلومات”.
الثالثة ظهرا
يسأل جابو “لم لا تقرأ لنا يا دازا بعض أعمالك؟” ينفد صبري. يوشك اليوم أن ينتهي. توشك الورشة أن تنتهي، ولم يقل جابو بعد كلمة واحدة عن مادتي. كنت أتصور وقد كتبت عن كوبا أنه سيظهر الاهتمام بصفة خاصة. لكنه لم يعترف بعد بأنه قرأها أصلا.
كتب دازا عن إحدى شخصيات ما تحت الأرض في ميديلين ـ صورة قلمية لرجل يؤثر صحبة الحيوانات على صحبة البشر. يشرك معه جرذا أليفا في وجبته اليومية الوحيدة من فطير البونويلو المقلي. يحمل دجاجة مربوطة برسن ويحتفظ ببراغيث في غرفته. يقرأ علينا دازا. مادة مؤثرة، وكتابة غنائية، ربما غنائية أكثر مما ينبغي. ليست بالعمل الصحفي التقليدي.
يقول جابو “ما كنت لألمس كتابة دازا. لعله يخترع قالبا جديدا هنا، قالبا لا أعرف عنه شيئا”. لا نعرف هل رآها جيدة أم سيئة.
دازا ليس جريئا فقط في أسلوب كتابته. هو الوحيد الذي أظهر شيئا من الازدراء: “جابو ممتلئا قليلا بذاته”. بعث دازا لتغطية القمة الرئاسية الأيبيرية الأمريكية التي أقيمت سنة 1994 في قرطاجنة. وثارت ثائرة الصحفيين فيها لرفض الضيوف أي لقاء صحفي. وجابو، بوصفه لاعبا سياسيا مهما، حضرها ضيفا في وفد. ونقل عنه قوله إنه على الصحفيين بدلا من الشكوى أن يخرجوا إلى الشارع ويبحثوا عن قصص، وألا يتوقعوا أن تقدَّم إليهم الأخبار على أطباق من فضة. وإذا كان الرؤساء غير متاحين، سيجد الصحفي الجيد قصته برغم ذلك.
معترضا عليه، يقول دازا “كان سهلا عليك أن تقول ذلك. لقد كتبت عن الظلم الذي بدا لي في ذلك القول، وبخاصة حينما يأتي منك أنت. أعني أنك كنت هناك، وراء الأبواب، مع جميع الرؤساء”.
“أنا لم أكن هناك كصحفي عامل”.
يعترف دازا أن توبيخ جابو مفيد. ويضرب مثالا: حينما بعث لتغطية قمة مجموعة دول عدم الانحياز التي أقيمت السنة الماضية في قرطاجنة، لم يذهب إلى مركز المؤتمرات الذي كان القادة يجتمعون فيه. ولكي يكتب عن ياسر عرفات، الذي كان حاضرا، وعن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ذهب إلى أحد أحياء قرطاجنة الكثيرة الفقيرة، حي اسمه بالفعل فلسطينا Palestina. وكتب قصة يقارن فيها بين وضع عرفات ووضع فتاة تعيش في فلسطينا، مهمَّشة في ضواحي مدينة ثرية عامرة بالسائحين.
يقول جابو “تعلمت الدرس”.
لكن دازا لا يلين “وأنت كنت في ذلك اللقاء أيضا. كنت حاضرا مع الوفد الكوبي”.
يقول جابو نافد الصبر “كنت حاضرا. كنت حاضرا بسبب شائعات بأن فيدل سوف يتعرَّض لمحاولة اغتيال. ولم يكن الأمن الكوبي ليسمح لفيدل بالمشاركة في الموكب فاقترحت أن نذهب معه في عربة يجرها حصان. وقلت لهم إنه هنا في كولومبيا، إذا كنت أنا على متن العربة فلن يطلق أحد الرصاص. فانحشرنا خمسة في العربة، الضيقة، مازحين. وفيما كنت أقول لفيدل إنني متأكد أن شيئا لن يحدث، تعثر الحصان”.
العشاء
يتناول العشاء معنا في “لا فيترولا”، أحد أكثر مطاعم كوزموبوليتانية في قرطاجنة. ديكور المطعم أقرب إلى الطابع الاستعماري البريطاني منه إلى الطابع الأسباني لكن أعضاء فرقة الموسيقيين الكوبية يرتدون الأبيض ويغنون أغنيات تقليدية. هو مطعم تقصده طبقة كولومبيا العليا لتناول الطعام في الإجازات، ويمر عليه الرئيس لتناول شراب. يقصده أيضا نجوم مسلسلات التليفزيون، وصغار تجار المخدرات اللامعون، والشباب الأثرياء في مواعيدهم الغرامية الأولى، وقليل من شباب البلد الناجحين. قائمة الطعام تحاكي قائمة الطعام في مطاعم نيويورك. صلصة الخل مصنوعة من خل بلسمي، والموتساريلا طازجة، أما النبيذ فطيب، ـ بالنسبة إلى كولومبيا.
نجلس وننتظر في غرفة صغيرة نرشف من عصير الفاكهة بالصودا. يصل جابو مرتديا سترة زرقاء داكنة، مغلقة السحَّاب من بطنه إلى صدره. رجل كاريبي بالنهار، وبالليل يبدو وكأنه قفز للتو من غلاف شريط كاسيت ـ لموسيقى الفنك أو الديسكو. حذاؤه مطابق للذي كان يرتديه في الصباح لكنه الآن رمادي. يطلب ويسكي من النادل. نذهب إلى الغرفة الخاصة المجاورة للمدخل. يجلس بيني أنا وأندريا.
قائمة الطعام ثابتة: قرع مقلي يليه إما جمبري في صلصة جوز الهند أو سمك النهاش في صلصة في القشدة، بحسب الاختيار.
يشكو جابو “هذا ثقيل عليّ في المساء”. يحضر المضيف قائلا “يمكنني أن أقدم لك سمك النهاش مشويا بلا صلصة. أو الباستا؟”
“أي نوع؟”
“كيف تحبها؟”
“بسيطة”
“ماذا عن الباستا مع البرودو مع قطع اللحم؟”
“ممتازة. هات هذه”
أسأل إن كان بوسعي الحصول على الوجبة نفسها. فقد كنت أشعر منذ الصباح أنني محمومة. يقول له جابو “اثنان إذن من هذه”.
حينما يقدَّم النبيذ، يعرض عنه ويستمر في شرب الويسكي.
يمتلئ المطعم. مائدتنا واضحة للعيان. الجميع يلاحظون حضور جابو. يطلب إغلاق الأبواب، فأطلب هذا من النادل؟ يجلس إلى يساري صحفي من نيوزويك جاء من بوينس أيرس لمحاورة جابو. أتكلم معه لوهلة، لكن ما أريده في الحقيقة هو أن أتكلم مع جابو، أن أهمس له، غير مشركة البقية من زملائي.
ألتفت إليه. نتحاور في أمور كثيرة. يريد أن يعرف لماذا أعيش في نيويورك. أقول له إنني أعيش في حي فيلدج وأسأله إن كان يحب نيويورك. يقول إنه يحبها كثيرا لكن ليس حينما تكون شديدة البرودة لأنه لا يفضل شيئا على أن يسير في الشوارع. أقول له إنني سوف أصطحبه في جولة بفيلدج، فيعدني أن يتصل. نتكلم عن كوبا، عن بارانكويلا، عن بيل كلينتن، عن مجلتي نيويوركر وصنداي. يحكي لي بالتفصيل عن قصة قصيرة يريد أن يكتبها عن قميص حريري أصفر عنده يرتديه حينما يشعر أنه يحب. يفرغ كأسه فيشرب من كأسي. “أحب أن أكون قريبا من النساء”.
“أعرفهن خيرا مما أعرف الرجال. أكون أكثر ارتياحا بالقرب منهن. نشأت والنساء من حولي”.
يقترب النادل فيناول جابو منشفة ورقية بيضاء مطوية. يفتحها ويقرأ ما فيها. يقول للنادل لا تقل شيئا. صعب ولا شك أن يريد الجميع منك أشياء طوال الوقت. يحكي لنا عن صديق مرشح للبرلمان اتصل به: “جابو، هل يمكن أن تكتب شيئا عني، أن تقول شيئا عني، حتى لو شتمتني؟”. ينفتح الباب ويشخص رجل. يرفع جابو عينيه، ويقف، ويفرد ذراعيه، ويتحرك إليه قائلا “Ah. mon ami, quelle coincidence”. أتصور أنه الرجل الذي بعث إليه رسالة المنشفة. يهمس في أذني وهو يعاود الجلوس “لا أريد الآن شيئا مثلما أريد أن أهرب من الشباك”.
الأربعاء 10 أبريل .. التاسعة والنصف صباحا
يجلس جابو على رأس الطاولة مرة أخرى، قارئا مما يبدو مخطوطة، منتظرا وصول البقية. يعرف أن الفصل خرج في الليلة الماضية بعد العشاء. يبدو مسرورا، ويدخل الأخير متأخرا، لعله سرور بشيء من النوستالجيا. يبدو الجميع ناعسين، غير مغتسلين، ومتعكري المزاج، بعانون ضربات صداع مدوية بعد الإفراط في الشراب. يبدو نظيفا براقا في زيه الأبيض.
أجلس في الطرف الآخر من الطاولة وأفكر إذا كان لم يشر إلى مادتي ليبقيني في هذا التوتر. الوقت يمر، لم يبق إلا ساعة، ولم نزل نناقش قصة تاديو عن امرأة أسبانية أدينت في قرطاجنة ولم يسمح لها بقضاء عقوبتها لأنها حاملة فيروس إتش آي فيه. يقول جابو “لديك أفضل قصة هنا، لكنك تهت وأنت تحكيها، فهذا لا معنى له”.
أخيرا ينظر نحوي. أنا أقل توترا مما كنت عليه حينما جلس بجواري للمرة الأولى، ولكن قلبي ينبض بقوة مع ذلك.
يقول جابو “سيلفانا صاحبة ذوق موسيقي جيد. هي مثلي، تحب فان موريسن”.
تتناول مادتي المصاعب التي يصادفها شباب موسيقيي الروك في كوبا حيث لا يدعمهم فيها الذوق العام وتستحيل المبادرات الشخصية. كتبت عن موسيقي متجول مكافح بجيتار عديم الأوتار وصفت صوته بأنه يشبه صوت فان موريسن.
يقول جابو “سيلفانا كتبت مادة جيدة، جيدة البناء. ما كنت لأغير فيها شيئا”. لكنه يختلف مع بعض الوصف: “هل ضروري القول بأن التليفزيون مكسور، وأنه أبيض وأسود، وأنه لا يوجد مال لإصلاحه؟ هناك بيوت كثيرة هنا في قرطاجنة يعوزها المال وتليفزيوناتها غير ملونة. هل كنت لتكتبي هذا لو لم تكوني في كوبا؟”
نترك الموضوع ونعود إليه، موضوع سيطرة الحكومة الكوبية على الثقافة. “كلمتهم حتى جفّ ريقي” هكذا يقول جابو كأنه محبط لأنهم لا يستمعون إليه. ثم ينهض، ويسير باتجاهي ويسلمني مادتي. وهذا ما لم يفعله ما أحد آخر.
يرجع إلى كرسيه. قدماي لا تلمسان الأرض. أشعر بشعور ريمديوس الجميلة، أنني أرتفع.
لدى جابو تعليق أخير يقوله: “إنني أراكم جميعا ـ في مخاوفكم، وفي خرقكم، في تساؤلكم، فأتذكر كيف كنت وأنا في مثل سنكم. كلامي معكم عن تجاربي أتاح لي أيضا أن أنظر إلى نفسي. في النهاية، سوف تكون خمسون عاما قد مضت منذ أن بدأت الكتابة، في كل يوم من أيام حياتي. إن لم تحبوا وظائفكم، استقيلوا. الشيء الوحيد الذي قد تموتون به هو أن تفعلوا ما لا تحبون. إذا أحببتم عملكم، فمضمونة لكم السعادة وطول العمر”. يصطف الجميع في صف واحد أمامه. نسخ من مائة عام من العزلة وسرد وقائع موت معلن وليس لدى الكولونيل من يكاتبه تنتظر توقيعه. يوقعها جميعا، ويصافح الجميع. روبن فالنسيا يقدم له نسخة من خريف البطريرك. عندي فضول أن أرى ماذا كتب جابو لشخص شديد الاحترام شديد الإعجاب، أطلب من فالنسيا أن يريني الإهداء. نصه: “من بطريرك الورشة”. يطلب سيزار روميرو إهداء الكتاب إلى ابنه الوليد. يكتب جابو “إليك يا رودريجو حينما كنت في بدايتك”.
لم أحضر معي كتابا لكي يوقعه. أنتظر بجوار الباب. يبتسم وهو يراني نفس ابتسامة المكر التي ابتسمها حينما دخل الغرفة للمرة الأولى. “وأنت يا سيلفانا، ألست حزينة لأنها انتهت؟ ألا توشكين على البكاء؟”