كـــــــــورونا والمجال العام

محمد جميل أحمد –

يظل المجال العام مكانا مشتركا، وهذه السمة هي التي تعكس قيمته للإحساس بالأنا الجمعية للبشر. وبالرغم من أن فكرة المجال العام تعكس، في الوقت ذاته، متخيلاً مشتركا يتنوع بحسب مجالاته المختلفة؛ فإن فيروس كورونا في تعطيله الإحساس بذلك المجال، أو جعل البشر يحذرون منه لأول مرة في العصور الحديثة، يشكل درساً مثيراً حيال ما الذي يمكن أن يتملكه البشر حقيقة من ذلك المجال؟
فحتى الأمس القريب كان المجال العام والحرية في التواصل معه؛ سوقا كان ذلك المجال أم ساحةً أم مقهى أم ملعباً رياضياً أم سينما .. إلخ، كان في حكم الملك المطلق للبشر ولم يكن ليتصوروا أن يأتي يوم يكون فيه هذا المجال مكاناً خطراً يوجب الحذر والخوف.
ولعل المفارقة هنا تكمن في التزامن بين؛ زمن انتشار الفيروس، وبين الوضع البشري الذي أصبح معه اليوم في وسع البشر؛ التواصل عبر الفضاءات الافتراضية التي وفرتها ثورة المعلوماتية والاتصال ما مكنهم من مزاولة جزء أصيل من تواصل أعمالهم. وهذا التزامن هو الذي يبعث كثيراً على التأمل.
ذلك أن الشروط التي فرضها كورونا على الاجتماع البشري في العالم اليوم؛ إذا تمت في غياب الفضاء العام الافتراضي، لكان الوضع أشبه بالتعطل الكامل للحياة البشرية.
وإذا كان الإحساس بالمجال العام في أذهان كثيرين هو جزء من حياة الإنسان وطبيعتها فإن التأمل في ذلك الحجز القسري للبشر عن ملابسة المجال العام برسم فيروس كورونا سيجعل حتى عديمي الخيال قادرين على التأمل فيه بفعل الانقطاع عن مزاولة حياة لم يكن متصوراً لها أن تنقطع بتلك الطريقة التي حدثت!
اليوم، لا تزال منظمة الصحة العالمية تحذر من أن العودة إلى الحياة الطبيعية لن يكون في المدى القريب، في إشارة إلى أن امتلاك المجال العام الطبيعي لا يزال غير ممكن !
إن فيروس كورونا أتى لينبه البشر إلى استعادة التفكير في الضرورات في زمن أصبح فيه البشر أكثر توغلاً في العوالم الافتراضية والرمزية، بموازاة عالم مادي ظل آخذاً في ثقته المطلقة عبر المزج بين المجال العام والمجال الافتراضي، فيما ظن هذا العالم أن التفكير في الضرورات ليس من شأنه؛ ليتفاجأ بذلك التحدي الذي مثله كورونا في هذا الصدد.
ثمة شك سيلف هذا العالم، وسيحير العقل الإنساني، لاسيما في الجانب الأداتي منه، بأن فكرة الضرورة بوصفها جزءاً من الطبيعة ليس صحيحاً، بما يعنيه هذا أن استعادة التفكير في العالم المادي بمعناه المتصل بالحيز /‏ الوطن سيكون تراجعاً عن هوية العولمة ومسلماتها وما بشرت به سواء على المستوى الاقتصادي، أم على المستوى السياسي على النحو الذي عبر عنه المفكر الأمريكي فرنسيس فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ».
فبين المجال العام والفضاء الافتراضي ثمة تداخل أساسه الواقع بطبيعة الحال، ولكن أيضاً ثمة فروق مهمة. فإذا تخيل البشر تعذراً لمجال عام، لم يكن متخيلاً من قبل، إلا في العصور الوسطى، (بسبب العجز الإنساني شبه المطلق آنذاك) وفي الوقت ذاته بدت ثمة إمكانية لفضاء افتراضي، تتداخل عوامل التأثير فيه مع المجال العام فإن هذا الاشتباك الغريب؛ بين تعذر ما لم يكن متصورا تعذره من طبيعية المجال العام وضرورته، وبين فضاء افتراضي لا يمكن أن يكون بديلاً أبدياً عن المجال العام؛ يجعل من التفكير في الأبعاد الماورائية حالة مستعادة، أقله على مستوى الفلسفة.
اليوم، بعد تفعيل استراتيجية التباعد الاجتماعي التي أصبحت سلوكاً عالمياً، يعود البشر في العالم بالتدرج وبحذر إلى المجال العام، وفق إكراهات فيروس كورونا. وسيكون هذا الحذر متصلاً عبر الاشتراطات الصحية لمزاولة الحياة العادية، مادام البشر غير قادرين حتى اليوم على اكتشاف مصل أو علاج ناجع للمرض الذي يسببه هذا الفيروس.
وإذ يضع الفيروس جميع البشر وفق تلك الاشتراطات الصحية الضرورية فإن احتمالات تفشيه من عدمها تظل رهينةً بأسباب كثيرة للاحتمالات البشرية المتنوعة في ردود فعلها حيال ما يسببه هذا الفيروس.
فاليوم في الولايات المتحدة، عكست طبيعة الاستجابة للتحذير من هذا الفيروس اختلافاً كبيراً في نسب الإصابات وتفشيها بين العديد من الولايات. عبَّر عنه وضع الفرق بين ولايتي ميتشغان وفلوريدا، حيث بدت استجابة الأولى للشروط الصارمة في التعامل مع هذا الفيروس القاتل، بعكس الأخيرة.
بكل تأكيد، سنجد وراء الاستجابتين المختلفتين لكل من ولايتي متشغان وفلوريدا حيال التعامل مع فيروس كورونا تصورين مختلفين للإحساس بهوية المجال العام؛ بين إحساس واقعي منضبط، وبين آخر مختلف عن الأول.
إن فكرة المجال العام رغم أنها اكتسبت أهميةً كبيرة في العصور الحديثة، إلا أن ما ألحقه كورونا من تشكيك في تصور بداهتها وضرورتها الطبيعية يظل من أهم الإشكالات النظرية التي تواجه العقل البشري وتضعه أمام بعض أسئلة الميتافيزيقيا من جديد!