أوروبا.. وصراع بين الصين وأمريكا

إميل أمين –

يومًا تلو الآخر يتسع الصراع حول العالم المعاصر، وينتقل من خانة إلى أخرى، ومن قارة إلى ثانية، بل يبدو أن القارات بدأت في الصراع التقليدي حول من يرث الأخرى، وربما هذا ما يتجلى في قارة أوروبا بشكل مثير للشفقة تارة، ومدعاة للتأمل في حركة الزمن تارة أخرى.
غداة اعتراض أوروبا على قرار غزو العراق، وصف وزير الدفاع الأمريكي وقتها دونالد رامسفيلد قارة التنوير والاستنارة بأنها قارة عجوز، واليوم يبدو المشهد أكثر إثارة إذ نرى صراعا بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين على أوروبا، ومن هو القادر على تحييدها لصالحه.
يكاد هذا الكلام أن يكون غريبا، فكيف لأوروبا الشريك الأكبر في الناتو أن تفكر في فك الرباط والعلاقة بين جانبي الأطلسي على النحو الذي يمكن أن تمضي فيه المساقات.
باختصار غير مخل، كانت سنوات رئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمثابة عصا في دواليب العلاقات الأوروبية الأمريكية، ولأن الصين حاضرة دوما لملء أي مربعات نفوذ قوة تخليها الولايات المتحدة، فقد قفزت بسرعة رهيبة إلى الداخل الأوروبي، وبدا وكأنها قادرة على إحداث شرخ في جدار الاتحاد الأوروبي نفسه، والناظر إلى إيطاليا وكيف أنها وحتى قبل كورونا كادت أن تنضم إلى معسكر الصين وتنسلخ من جماعتها الأوروبية يدرك صدق ما نقول به.
على أن شيئا ما قد تغير في تقدير الأوروبيين بعد تفشي جائحة كورونا، وبدت هناك نظرة مختلفة للصين، على أساس أن تقصيرها في التعاطي مع الأزمة، هو ما تسبب في شيوع وذيوع الموت داخل أوروبا.
ليس سرا أن العديد من الدول الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا قد تحدثت وعلانية عن ضرورة قيام الصين بتعويض الأوروبيين عن خسائرهم المادية والبشرية، وتكلم البعض عن خسائر تصل بمئات المليارات، الأمر الذي لن تصغي له الصين بالمرة لا اليوم ولا غدًا.
لم يتوقف المشهد عند هذا الإطار فقط، إذ بدا وكأن أوروبا تلتف على طرق المواجهة المباشرة مع الصين، لتدخل في مواجهة مع الصين تختزل من قدرة الصينيين على منافسة الأمريكيين في نسج علاقات جديدة مع أوروبا التي تأزمت كثيرا جدا من جراء الوباء.. ما الذي حدث تحديدا؟
في الأسبوع الأخير من يونيو الماضي كان الاتحاد الأوروبي يطالب الصين بإصلاح «علاقة غير متوازنة»، على صعيد التجارة والاستثمار، وفتح أسواقها بشكل أكبر أمام الشركات الأوروبية.
هل جاء إدراك الأوروبيين للغبن الاقتصادي الواقع عليهم من قبل الصينيين بنوع خاص بعد أكلاف الفيروس التي دفعوها عالية وغالية من النفس والمال والولد؟
حتى ولو لم يصرح الأوروبيون رسميا بهذا فهناك ظل من الحقيقة على الأرض، ظل نجده في تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية «اورسولا فون دير ليين»، خلال مؤتمر صحفي بعد قمة عقدت عن بعد مع قادة صينيين قالت فيها: «لا تزال لدينا علاقة غير متوازنة للتجارة والاستثمار. لم نحقق التقدم الذي كنا نهدف إليه في بيان قمة العام الماضي من حيث التعامل مع عوائق الوصول إلى السوق».
كان هدف الصين والصينيين أبدا ودوما هو فتح الأسواق أمام سلعهم وبضائعهم من جهة، واكتناز أكبر قدر ممكن من الاحتياطي النقدي من جهة ثانية، والصين تعرف أنه بقدر ما تقوى اقتصاديًا بقدر ما يمكنها تجذير إمبراطوريتها القائمة والقادمة، وقد قال بعضهم لاسيما من الجانب الأمريكي إن الصين تعد نفسها لملاقاة الأمريكيين بقوات من الردع النقدي وليس النووي.
تؤكد «دير ليين» أن أوروبا تحتاج إلى متابعة هذه التعهدات بشكل عاجل وتحتاج أيضا إلى أن يكون لديها مزيد من الطموح على الجانب الصيني من أجل إتمام مفاوضات بشأن اتفاق للاستثمار»… ماذا يعني ذلك؟
يعني انه على الصين أن تعطي الأوروبيين بقدر ما تأخذ منهم، وان تكون حرية الحركة والتجارة في اتجاهين وليس اتجاها واحدا، وهي إشارة لا تقبل الشك ترتبط بطريق الحرير الصيني الجديد، الذي كانت بكين تخطط له، قبل أن تأتي جائحة كورونا وتضع الأمور في نصاب مختلف عن سابقه.
السؤال المهم هنا: هل كان للأمريكيين تأثير ما في هذا التوجه الأوروبي الجديد جهة الصين؟
نهار الجمعة التاسع عشر من يونيو الماضي أيضا كان وزير الخارجية الأمريكي «مايك بومبيو» يلقي خلال قمة «كوبنهاجن للديمقراطية»، عبر الفضاء الافتراضي خطابًا ناريًا ضد الصين حض فيه أوروبا على اختيار «الحرية» بدلا من الطغيان الذي تريد فرضه تلك الدولة التي وصفها بالمارقة على حد قوله.
بومبيو حذر الأوروبيين من أن الحزب الشيوعي الصيني يريد إجبارهم على الاختيار بين الولايات المتحدة والصين… ما مدى دقة حديث بومبيو؟
تعرف الحقيقة بأنها وضع متوسط بين تطرفين، وعلى هذا الأساس يبقى في كلام بومبيو شيء من الصواب تخشاه النخب الليبرالية الأوروبية، فقد كانت تجربة الصين شمولية في الأزمة الأخيرة الخاصة بالوباء، ما يجعل من التقاء الديمقراطيات الغربية مع الأنظمة السلطوية أمرا غير وارد بحال من الأحوال.
ليس سرا أن واشنطن تنتقد بروكسل منذ عدة اشهر بسبب إظهارها ضعفا في مواجهة الصين خشية خسارة حق النفاذ إلى سوقها الكبير، هذه الانتقادات شغلت حيزا كبيرا من النقاشات بين جانبي الأطلسي، وبدا وكأن بومبيو يسائل الأوروبيين بأن يحددوا موقعهم وموضعهم على الخارطة الجيوسياسية الأممية: هل هم في صف أمريكا وشراكة الناتو حتى وإن أصابها شيء من التوتر أم أنهم على جانب الصين؟
في هذا السياق يضحي من الطبيعي أن نتساءل: ما رد الصينيين على الأوروبيين؟ مدهش هو هذا الرد إذ لم ينطلق من مقدرات أو مقررات اقتصادية، بل اتخذت بكين من انتقادات بروكسيل لقانون الأمن الصيني الجديد الذي تريد فرضه على هونج كونج، كذريعة لرفض أي تدخل أوروبي أو خارجي في شؤون الصين. الرد الصيني سيعمق الخلاف ويفاقمه بين الجانبين الصيني والأوروبي، لا سيما وأن الطرف الأخير يقيم وزنا كبيرا لكافة التوجهات المرتبطة بحقوق الإنسان، والأوروبيون هذه المرة لهم وجهة نظر تحترم، حيث إن القانون الصيني الجديد لا ينسجم مع وضع هونج كونج ولا مع التزامات الصين الدولية. وما بين الصين من الشرق والولايات المتحدة من الغرب يعلو الحديث بين النخبة الأوروبية مؤخرا: هل من طريق لتجديد شباب أوروبا؟
وإلى متى تبقى أوروبا كيانا تابعًا للولايات المتحدة أو مهددًا من قبل الصين؟
التساؤلات السابقة تعيد التذكير بفكرة الجيش الأوروبي الموحد التي اقترحها قبل فترة الرئيس الفرنسي ماكرون، وتفتح الباب واسعا لنقاشات حول مستقبل أوروبا وإلى أين تمضي؟