البحث العلمي.. من الراهن إلى المستقبل

في هذه المرحلة من التعايش مع فيروس كورونا والرغبة في الخروج من هذه الأزمة العالمية المستفحلة، فقد بدا من الجلي أن البحوث العلمية الجديدة التي تلامس قضايا واقعية وإنسانية وممكنة، سيكون لها دور كبير في صياغة المستقبل في العديد من بلدان العالم، خاصة أن التجارب أثبتت أن مسار البحث العلمي الملتزم الذي يأخذ من عمق المعطيات المحلية للبيئة والإنسان، هو ما يعمل بالفعل على المساهمة في تشكيل الرؤى والمسارات المستقبلية لأي شعب أو أمة أو دولة. نحن اليوم في السلطنة نحتاج إلى الاستفادة من تراكم الخبرات والتجارب البحثية وعبر المؤسسات التي تُعنى بهذا الأمر في دوراته المختلفة ومساراته المتعددة، بحيث يكون لنا أن نجعل من البحوث العلمية ذات مساهمة فعلية في رسم الغد المشرق، عندما تصبح ذات دور فاعل وفعلي في الحياة وفي خدمة الوطن والمواطن وتبتعد عن القضايا غير ذات الأولوية أو الأهمية، وهذا تحكمه أمور عديدة لعل من أهمها وجود تلك المؤسسات التي تقوم على تنظيم هذه العملية وعلى رأسها مجلس البحث العلمي والمؤسسات الأكاديمية والجامعات وغيرها من الجهات التي يمكن أن ترفد هذا الإطار.
خلال الأسبوع استعرضت لجنة التعليم والبحوث بمجلس الدولة، مع عدد من المسؤولين من عمادة البحث العلمي في جامعة السلطان قابوس، في إطار دراستها حول «واقع البحث العلمي ودور شركات القطاع الخاص في دعمه وتطويره»، العديد من النقاط المهمة التي تخدم مستقبل البحث العلمي، من موضوعات التحديات التي تواجه البحث العلمي، ومساهمة القطاع الخاص في دعم البحوث العلمية، ومدى توفر البنية الأساسية للبحث العلمي وقدرته على التعاطي مع البحوث النوعية والمقترحات والآليات المساعدة في تطوير منظومة دعم البحث العلمي، بالإضافة إلى دور مجلس البحث العلمي في إيجاد مصادر تمويل بديلة للبحوث.
كل هذه النقاط تستحق الدراسة والنظر، ولابد أن النظرة التكاملية لها وفق حلول تراعي المصلحة العامة والتشابك الكبير بين هذه القضايا، كل ذلك سوف يخدم فعليا في تلمس الحلول الأفضل لصالح بنية البحث العلمي في السلطنة ومستقبلها المنشود بإذن الله.
يبقى التأكيد دائما على أن الطريق إلى الحلول الأكثر علمية وفاعلية التي تتقاطع مع معطيات المكان والبيئة والثقافة والإنسان، ينطلق من الإدراك الوطني والذاتي، فالإنسان ابن بيئته وهو الأقدر على معرفة الاحتياجات والأشياء المطلوبة بالفعل، ويمكن له أن يستعين بالخبرات والأفكار الجديدة وكل ما من شأنه أن يرسم له التطور والتحديث، لكن تبقى قيمة المنجز في أصالته وتفرده الذي يأخذ من معين البعد الذاتي والمنطلق الوطني والروح المميزة التي تتعطر بالأصالة والرغبة في مزيد من الاكتشاف لثروات المحيط الثقافي المعين ومخزونه.
كما لابد من التذكير بعملية تكامل الأدوار ما بين صناع البحث العلمي والقطاع الخاص، فالتمويل يظل من المسائل التي تقف أمام تطوير بنية البحوث العلمية، ولابد أن الشركات والمؤسسات إذا ما ساهمت فعليا في هذا الباب، وفق ما يخدم مصالحها وتطوير منتجاتها وسلعها، فسوف تستفيد من وجهة ثانية، لتكون الفائدة عامة للجميع.