واشنطن.. ظاهرة الانسحاب من المشهد الدولي

عوض بن سعيد باقوير  –
صحفي ومحلل سياسي –

إذن الإغلاق على الداخل سوف يفقد أمريكا ميزة حضارية مهمة وأيضا تفقد أمريكا قوة الهجرة والنوع الثقافي والعرقي الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية أهم قوة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية في القرن العشرين وحتى الآن رغم التحديات القادمة من آسيا وخاصة من عملاق آسيا وهي الصين

من الظواهر الملفتة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الانسحاب المتكرر من المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة وأيضا الانسحاب من الاتفاقيات التي وقعتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، ومن هنا فإن تلك الانسحابات المتكررة تشكل ظاهرة في النظام الدولي خاصة لدولة في حجم الولايات المتحدة الأمريكية، حيث إن هذه الظاهرة تقلل من هيبة واشنطن في المشهد السياسي الدولي، ولعل إعلان إدارة ترامب الانسحاب من منظمة الصحة العالمية هو أحدث سلسلة من تلك الانسحابات الأمريكية.
على ضوء ذلك بدأت الأصوات ترتفع في الداخل الأمريكي ومن خلال الحوارات الصحفية والإعلامية عن مدى تأثير تلك الانسحابات على مكانة الولايات المتحدة الأمريكية على صعيد المشهد الإقليمي والدولي في مقابل الانخراط الصيني وحتى الروسي في قضايا العالم.

شعبوية الداخل
كان البرنامج الانتخابي لإدارة ترامب يقوم على شعار أمريكا أولًا من خلال مراجعة شاملة للاستراتيجية الأمريكية تقوم على مصالح الداخل وتقليص الوجود الخارجي، وقد كان ذلك الخطاب الشعبوي الذي ركز عليه ترامب وانتهى إلى فوزه بالانتخابات الأمريكية عام ٢٠١٦ وهو يستعد لخوض الانتخابات في الثالث من نوفمبر القادم، ومن خلال تلك الفلسفة وعلى ضوء ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية انسحبت خلال الثلاث السنوات الماضية من عدة منظمات واتفاقات لعل أهمها الانسحاب من اليونسكو لأسباب تتعلق بالكيان الإسرائيلي وأيضا انسحبت من اتفاق باريس الخاص بالاحتباس الحراري كما انسحبت إدارة ترامب من اتفاقيات التجارة مع المكسيك وكندا المعروفة باسم نافتا لتوقع على اتفاقية جديدة، ليتواصل مشهد الانسحابات وأهمها وهو الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وهو الاتفاق الذي وقعته الدول الكبرى مع إيران عام ٢٠١٥ وهو الاتفاق الذي وقعته واشنطن خلال إدارة باراك أوباما وقد عرض ذلك الانسحاب الأمريكي الأمن في منطقة الخليج إلى توتر كبير بين طهران واشنطن وإلى عودة العقوبات الأمريكية الاقتصادية القاسية على إيران وبشكل لم يسبق له مثيل.
كما انسحبت واشنطن من أهم المنظمات الإنسانية التي تخدم أكثر من ٧ ملايين لاجئ فلسطيني في بلدان الشتات في الأردن ولبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية المحتلة وهي منظمة الأونروا التي تشكل الأمل للفلسطينيين الذين شردوا من وطنهم خلال نكبة عام ١٩٤٨ وقد شكل الانسحاب الأمريكي من الأونروا صدمة إنسانية، وكان ذلك الانسحاب يهدف إلى الضغط على الفلسطينيين للقبول بما يسمى صفقة القرن المشؤومة التي اتضحت ملامحها مؤخرا من خلال الاستعداد لضم المزيد من أراضي الضفة الغربية والأغوار.
وتواصلت تلك الانسحابات الأمريكية التي هددت حتى الانسحاب من أهم حلف عسكري بعد الحرب العالمية الثانية، حيث اشترط ترامب أن تشارك دول الحلف بدفع المزيد من الأموال في ميزانية الحلف الأطلسي، بل وأعلن ترامب مؤخرا عن سحب القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا الاتحادية وعلى ضوء ذلك فإن التقوقع على الداخل ليس من سمات الولايات المتحدة الأمريكية التي صنع حضارتها الحديثة الانفتاح والمهاجرون الذين شكلوا قوة دفع كبيرة أوصلت أمريكا إلى ما هي عليه من تقدم مذهل في كل المجالات، بل إن ترامب ومن ضمن برنامجه الانتخابي الشعبوي هو منع الهجرة خاصة من أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.
إذن الإغلاق على الداخل سوف يفقد أمريكا ميزة حضارية مهمة وأيضا تفقد أمريكا قوة الهجرة والنوع الثقافي والعرقي الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية أهم قوة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية في القرن العشرين وحتى الآن رغم التحديات القادمة من آسيا وخاصة من عملاق آسيا وهي الصين، وعلى ضوء ذلك ارتفعت تلك الأصوات خاصة مع الانتقادات التي صاحبت إدارة ترامب للأزمة الصحية وتداعيات المظاهرات والاحتجاجات العامة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد مقتل أحد المواطنين من أصول إفريقية على يد شرطي أبيض وهي الاحتجاجات التي فرضت مناخًا جديدًا حول وضع الأقليات التي قد تتضح معالمه خلال الانتخابات القادمة.

الانتخابات الحاسمة

هناك ترقب كبير في الولايات المتحدة الأمريكية للانتخابات في الثالث من نوفمبر القادم في ظل مشكلات عديدة تواجه ترامب، حيث تتواصل الاحتجاجات وأيضا تفشي فيروس كورونا بشكل كبير في الولايات الجنوبية وهناك الوضع الاقتصادي وفقدان ملايين الوظائف علاوة على الانسحاب من منظمة الصحة العالمية التي تعد آخر سلسلة الانسحابات لإدارة ترامب، وما زال ترامب يعول على نفس كتلته الانتخابية وهناك استطلاعات الرأي التي تضغط على ترامب والجمهوريين، حيث لا يزال المرشح الديمقراطي جو بايدن يتقدم على ترامب بعشر نقاط ولعل المشكلات الداخلية والوضع الاقتصادي والاجتماعي سوف يشكل تحديا كبيرا لترامب للفوز بفترة جديدة ولعل العامل الحاسم الذي قد يقلب الموازين لصالح ترامب هو توفير لقاح فعّال لفيروس كورونا قبل حلول موعد الانتخابات ويحدث التحول الذي قد يجعل فوز ترامب ممكنًا .
إذن ظاهرة الانسحاب من المنظمات الإقليمية والدولية والاتفاقات أضرت كثيرا بسمعة الولايات المتحدة الأمريكية وقللت من هيبتها في المشهد السياسي الدولي، حيث سجلت إدارة ترامب فشلًا واضحًا في حل موضوع سد النهضة بين مصر وأثيوبيا والسودان، كما عجزت إدارة ترامب في حل الأزمة الخليجية وحتى صفقة القرن وجدت انتقادات أوروبية ودولية واسعة النطاق وحتى خططه في فنزويلا وعقوباته ضد إيران لم تحقق الأهداف المنشودة، ومن هنا فإن الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب شهدت انقلابًا في المفاهيم والسمات الأمريكية ولعل كل تلك التراكمات السياسية في الخارج والمشكلات في الداخل سوف تشكل في نهاية المطاف المشهد الانتخابي في نوفمبر القادم.

في مواجهة الحقيقة

يقول الرئيس ترامب في إحدى تغريداته إن التحديات التي تواجهها إدارته لم يسبق لها مثيل خاصة خلال محاكمته برلمانيا في الكونجرس كما أن نشر عدد من الكتب المثيرة للجدل من مستشاره للأمن القومي السابق جون بولتون، وأيضا الكتاب الأخير لابنة أخيه حول قضايا شخصية لترامب قد فاقمت متاعب ترامب الذي يبدو أن يواجه معارك على عدة جبهات، وعلى ضوء المشهد الأمريكي من الداخل فإن الأصوات ترتفع خاصة وأن هناك من يشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية فقدت الكثير من جاذبيتها السياسية ومكانتها والحلم الذي يسعى الملايين لتحقيقه داخل الأراضي الأمريكية الذي شكل – كما تمت الإشارة- نقطة قوة كبيرة للدولة الأمريكية.
هذا يعني أن ظاهرة الانسحاب من المنظمات الإقليمية والدولية التي كان آخرها منظمة الصحة العالمية يعطي مؤشرا بأن ترامب طبق فلسفته أمريكا أولا وفكرة الشعبوية، مما يجعل المشهد الأمريكي في الداخل مرشحا لكل الاحتمالات ولكن من المؤكد أن فترة ترامب كانت فترة مشكلات عديدة حتى على صعيد القضية الفلسطينية والجولان السوري المحتل.
يشكل الرئيس ترامب دعمًا غير مسبوق في العلاقات مع الكيان الإسرائيلي مما جعل واشنطن تفقد وضعها كوسيط وحيد مسيطر على ملف الشرق الأوسط ويعد ذلك نكسة سياسية أمريكية في المشهد السياسي الدولي، كما أن معارضة السياسة الخارجية الأمريكية تتصاعد من جانب الشعوب العربية وتسجل الصين تفوقًا على واشنطن عربيًا وأفريقيا وما يحدث في بحر الصين الجنوبي والخلافات المتوترة بين بكين واشنطن كأحد ملامح التنافس بين أهم قوتين اقتصاديتين في العالم وعلى ضوء ذلك فإن إدارة ترامب قد أخرجت الولايات المتحدة الأمريكية عن مسارها التقليدي على صعيد السياسة الخارجية وعلى صعيد الانسحاب من المنظمات الدولية؛ لذا تقلص نفوذها تدريجيا والسؤال الأهم وعلى ضوء هذه التراكمات في الخارج والداخل هل يقرر الشعب الأمريكي يوم الثالث من نوفمبر القادم مسارًا جديدًا أم يكرس سياسة ترامب الشعبوية لأربع سنوات قادمة؟