“الأدب”.. هل يمكن اعتباره وثيقة للتاريخ؟

– حمدان المالكي: صلاحية الأدب كوثيقة تاريخية.. خلاف يشتد كلما اقترب من السرديات

– د.عادل ضرغام: يمكن للأدب أن يكمل الفجوات التي تغيب عن الوثيقة أو الشاهد التاريخي

– محمد الشحري: يمكن للشعر العربي والأساطير والقصص أن تُمثل سجلا لحياة مجتمع الجزيرة العربية

– د.هاني الصلوي: الأدب مجموعة وثائق عابرة للمسميات والنصوص والعصور والأكوان

– هديل الحساوي: لاعتبار الأدب وثيقة علينا أولا فحص ماهية الأدب ووظيفته وخطابه

استطلاع – بشاير السليمية

ما نتناوله في استطلاعنا هذا ليس جديدًا. فمهما حاول البعض تجاهل قيمة الأدب الوثائقية في رصده لملامح وحكايات بني البشر والحياة اليومية للشعوب والأمم على مر العصور، لابد له أن يقلّب كراسات الأدب بمختلف تصانيفها وأشكالها بحثًا عما يسد فجوات أبحاثه ودراساته. وعليه هل بالإمكان عدّ الأدب وثيقة استنادًا على ما يستوعبه مفهوم الأدب الواسع؟

خلافٌ يشتد باقترابه من السرد

يقول حمدان طاهر المالكي شاعر عراقي: “هناك خلاف واضح عن صلاحية الأدب كوثيقة تاريخية يعتمد عليها، ويشتد هذا الخلاف كلما اقترب من السرديات وابتعد عن الشعر، وهنا يمكنني أن أتحدث عن السرديات بصورة خاصة كوثيقة، وهل تعتبر مصدرًا تاريخيًا وهو محل جدل لم يتفق عليه، هناك نظرة لها واقع في تاريخنا الذي يكتبه المنتصر تحت عوامل سياسية واجتماعية ونفسية ومذهبية، وهو ما جعل الكثير يشكك في وقائع كثيرة، وهذا أحد الأسباب التي تجعل الآخر يرى في الأدب والسرد بصورة خاصة بديلًا أو مكملًا لعمل المؤرخ. التاريخ عمل منفصل بأرقام وحوادث ولغة جادة لا لبس فيها ولا غموض ولا مكان فيها للخيال، وهي الصفات التي تنطبق على العمل الأدبي، يهمني هنا أن أبيّن أن بعض الساردين حين يكتبون عن التاريخ يلجأون للتزييف في الأمكنة والتواريخ والشخصيات وهو عمل غير مبرر مادمنا نتحدث عن سرديات اعتيادية، وليست سرديات عن التخييل التاريخي الذي يجيز ذلك ويعتبره أحد العناصر الجمالية في اكتمال العمل من الناحية الفنية والأسلوبية، وقد يقول قائل إن العمل الأدبي الذي يتحدث عن التاريخ إذا كتب دون إضافات أو إسقاطات تاريخية وتحريف سيصبح العمل عبارة عن مفكرة تاريخية بائسة، من وجهة نظري، يحق للسارد أن يخلق شخصيات ويطور حواراته، ويشحذ خياله بعيدًا عن التلاعب والتزييف الذي يضر بصدق العمل، وأعتقد أن الأدب بجميع أشكاله يمكنه أن ينبه ويطلق صرخته العالية نحو التغيير في عالمنا العربي والعالم الآخر، وهذه إحدى مهمات الأدب الإنساني في مجتمعات تغص بالحروب والجوع والألم والموت المجاني، فليكتب الأديب ما يريد عن التاريخ، ولكن عليه أن يكتبه بصيغة الرائي الحالم وليس بصفة المؤرخ”.

الأدب الأكثر صدقًا

ويضيف الناقد المصري عادل ضرغام: “أعتقد أن الأدب بالرغم من كونه مشدودا للخيال وإلى فرع الإنسانيات بمعناه الواسع، هو النسخة الأكثر مشروعية والأكثر صدقًا، كان الأمر في فترات سابقة ربما حتى نهاية الستينات من القرن الماضي يفرق تفريقًا بين العلم والأدب، ولكن هذا الفصل الحاد لم يستمر على طول الخط، بدليل أن مجالًا مثل مجال التاريخ، نظرًا للإضافات التي أضيفت إلى مفهومه خاصة بعد سيادة نظريات ما بعد الحداثة لم يعد التاريخ الموثق أو المتفق عليه، ولم يعد نسخة وحيدة لها المشروعية الوحيدة، وإنما أصبح هناك نسخ عديدة للتاريخ، وكل هذه النسخ لها نفس المشروعية والمصداقية. وأصبح التاريخ بوصفه فرعًا معرفيًا يغادر نمط العلم ليرتبط بالأدب بمعناه الواسع، فقد أثبتت الدراسات أن المؤرخ يقوم بكل الإجراءات البلاغية التي يقوم بها الروائي من الاختيار والتركيز على حادثة وإهمال أخرى، بالإضافة إلى فعل التحبيك في بناء تصوره عن التاريخ لكي يشكل خطابه. فالتاريخ لا يصلنا في شكل حوادث وإنما يصلنا في شكل خطاب. وهذا معناه أن خطاب التاريخ منفتح على الأيديولوجي والشخصي.
لدينا في التراث العربي كتاب الأغاني، هل نصدق الصورة التي كتبها المؤرخون في كتب التاريخ أم الصورة التي كتبها أبو الفرج الأصفهاني، لقد صور لنا عصورًا مختلفةً، ونقل لنا حياة حضارية للبيئة العربية في فترات متباعدة، ولكن نصه أصدق بعيدًا عن تحيزات الانتماء المذهبي التي يمكن كشف ألاعيبها بسهولة.
الأدب وثيقة أكثر صدقًا، لماذا؟ لأنه يهتم بالجميع دون استثناء ليس وثيقًا بالحكام، وإنما بكل الفئات وكل الطبقات، ويمكن أن يكمل الفجوات التي تغيب عن الوثيقة أو الشاهد التاريخي، ويمكن أن يعضد أو ينفي دلالة الوثيقة، انطلاقًا من بنيته المفتوحة على الجميع، ومن دائرة اهتمامه المرتبطة بالمشاعر الإنسانية غير المحدودة والمحددة، وقد أشار هايدن وايت في قوله (إن الخيال لا يجرح مشروعية الحقيقة، ولكنه يجعلها تتجلى في إطار مغاير) إلى قيمة موثوقية ومشروعية الأدب في ذلك الإطار”.

وثيقة التاريخ المتخيل

ويقول الكاتب والروائي العُماني محمد الشحري: “إذا حكمنا على الأدب بأنه نتاج للخيال، فيُمكن اعتباره وثيقةً للتاريخ المتخيل، فمن خلال الإنتاجات الأدبية المدونة سواء المستمدة من الأحداث المخزنة في الذاكرة، أو المُعتمدة على الوقائع الراهنة، يُمكننا معرفة التطورات الذهنية والمعرفية لأي مجتمع من المجتمعات. هذا إذا نظرنا إلى الأدب كمُنجز مدون، يمكن من خلاله تتبع حركة التاريخ، واتساع الذاكرة لمجريات الأحداث الفردية والجماعية.
إن التدوين ماهو إلا وثيقة مكتوبة، بصرف النظر عن الفاعل الرئيس سواء الواقع أو الخيال، مثل: الرسوم الصخرية والخربشات المدونة على الكهوف، والتي من خلالها نحاول فهم وتصور حياة الإنسان وتمثلاتها لذلك الزمن. إذ كان التدوين في بدايته عبارة عن تصوير للأشياء ورسمها على الطين، أي توثيق صوري، قبل اكتشاف الحروف، أي أن الوثيقة كانت في البدء صورة.
وفي ثقافتنا العربية يمكن للشعر العربي والأساطير والقصص والأمثال والمعتقدات أن تُمثل سجلا للحياة الاجتماعية والاقتصادية لمجتمع الجزيرة العربية.
وحول هذه الثيمة الوثيقة الأدبية، نورد هنا رواية البؤساء، المنشورة عام 1862 لفيكتور هوجو (1802-1885)، باعتبارها وثيقة أدبية للثورة الفرنسية وتأثيراتها على المجتمع الفرنسي، وقياسًا على ذلك، يمكننا القول إن الأدب صدى للتاريخ، يُقدم للمُتلقي كنصوص أو كوثيقة متخيلة يصنعها الأديب، بصرف النظر عن حقيقتها. وليس التاريخ الموكل بتدوين الحقائق، كما أرسوه قدماء المؤرخين “سمة التاريخ هي سرد التاريخ أولا على مبدأ الحقيقة” [جاك لوغوف-التاريخ والذاكرة].
من هنا نقول إن الأدب وثيقة أدبية، لكنه ليس وثيقة للتقاضي أو لإثبات أو لنفي أو تجريم أو تنصيب كائن أو كيان؛ لأن الأدب في أقصاه هو حلم الإنسان وقمة خياله، ومنتهى وضوح الخطاب ولذته”.

الأدب مفهوم مرن ومتشعب وواسع

وقال الشاعر والناقد اليمني هاني الصلوي: “لنبحث في وثائقية الأدب سيلزمنا التأمل في مفهومي وثيقة وأدب، وهل هما مفهومان ثابتان أو سائلان، وأي وشائج بين المصطلحين أولا والمعنيين ثانيًا. هل ملفوظية القول إن الأدب وثيقة ستحتم وجوب استخدامها في محكمة ما أخلاقية أو دينية أو سياسية وما شاكل هذه الأنماط من البنى المؤسسية المتعلقة بممارسة القانون ومن ثمَّ العدل؟!
كانت الوثيقة مرحلة أولى من مراحل عبور اللغة فالأدب من الرمز والمحسوب البراجماتي المتعلق بالرصد لأغراض تجارية إلى المكتوب الأدبي والذي هو بالضرورة وثيقة ليس بالمعنى القانوني ولكن بالمعنى المتني المنجز والمحسوس. يمكن أن يكون الأدب وثيقة من نواحٍ ولا وثيقة من نواح أخرى. هو وثيقة بالنظر إلى عصر الكتابة وزمنها وشخصية الكاتب أو الناص والممارسات الحياتية اليومية المتعلقة بالأطر الحاضرة وما إلى ذلك.
من النواحي الموازية لجهات وثائقية الأدب فالأدب مفهوم مرن ومتشعب وواسع ولا وثائقي بحيث يكون من الصعب مع هذه السمات محاكمة النص الأدبي واعتباره دليلا على قضية قانونية تفضي بالقائل الأدبي إلى زنزانة ما أو إلى شبكة من الأصفاد والأقفال.
رغم كل هذا ورغم سيطرة الآفاق اللاوثائقية على الأدب وإسهاماتها في رميه عاليًا في السماء فإن الوثيقة أدب والأدب وثيقة كاملة الحركة، أو لنقل مجموعة وثائق عابرة للمسميات والنصوص والعصور والأكوان، ولعل الإيهام بالوثائقية واحد من أهم المزايا الفاعلة للمتون الأدبية سواء الورقية منها أو الحاسوبية الرقمية أو الشبكية المتغيرة، ولندرك فعالية مثل هذه النظرة سيكون التأمل في حقيقية ألا فرق فعلي بين الحقيقة والواقع ملهمًا”.

الأدب وثيقة إنسانية

وترى الروائية الكويتية هديل الحساوي أن “لاعتبار الأدب وثيقة ذات منفعة تاريخيًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا، علينا أولا فحص ماهية الأدب ووظيفته وخطابه؟
وأضافت: “قد يتجاوز هذا التأثير زمنه إلى المستقبل لتستمر الأفكار التي يطرحها النص الأدبي قائمة في جدل مستمر مع قارئها ما دام التأويل. ففي مقالته الطويلة “ما الأدب” يقدم الأديب والفيلسوف جان بول سارتر الإجابة بإن الأدب هو التزام الكاتب بقضيته وموقفه ووسيلة لإيصال فكره. وينطلق مبدأ الالتزام من أن العمل الأدبي ابن مجتمعه يخدم قضيته ويلتزم بها. ومازال هذا المفهوم برأيي صالحا رغم قِدمه وتجاوز الأدب فكرة النفعية إلى الفنية، الحركة التي ظهرت في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين ممثلة في فكرة “الفن من أجل الفن” مثل السريالية والغرائبية، فظهور هذا النوع من الأدب مازال يؤشر ويدل على المرحلة المضطربة التي مرت فيها المجتمعات خلال الحرب العالمية الأولى والتي انتجت هذا النوع من الكتابة الفنية للتعبير. فالأعمال الأدبية سواء الشعرية أو السردية، ترسم لنا في إحدى تجلياتها شكل المجتمع الذي نبتت منه وأفكاره وصراعاته مثل: الروايات التاريخية أو الاجتماعية وغيرها من أنواع والشعر بأشكاله وأغراضه المختلفة وحتى تلك التي تجاوزت عصرها ومنشئها إلى آفاق أبعد نحو المستقبل متنبئة بما سيكون وسيحدث.
فمثلا رواية جوخة الحارثي سيدات القمر أو الباغ لبشرى خلفان تصوران شكلًا ومظهرًا من مظاهر المجتمع العماني القديم وفي الآن ذاته تقدمان أفكارًا حديثة تلامس وتطرح بشكل مواز قضايا المجتمع العماني المعاصر بينما رواية دفاتر فارهو لليلى عبدالله تنحى إلى واقع عربي معاصر حول الهجرة والاستيطان.
فالأدب وثيقة إنسانية مرجعها الفكر الإنساني وقدرة الإنسان التي وهبت له فقط على ترميز الفكرة في شفرة اللغة لتنتقل الأفكار وتحفظ الثقافات متجاوزة زمن كاتبها. ودراسة الأدب هو عملية فك هذه الشفرة للوقوف على الخطاب الذي تنتجه. وتحليل هذا الخطاب يتيح للناقد أو الدارس الوقوف على شكل المجتمع وتوجهاته وأفكاره واستنباط الإحكام المحددة لها”.