قصة قصيرة

عادل محمود

أبحث في كل زاوية عن قصص النزاهة. لا سيما تلك التي تكون عبرة، وهي يجب أن تكون جزءاً بسيطاً من الحياة لا تستحق التمجيد، أستعير هذه القصة التي أرسلها لي صديق:
في زيارة للرئيس الأفريقي “موبوتو” رئيس زائير (الكونغو لاحقاً) إلى موريتانيا عام 1973 لاحظ موبوتو أن الرئيس الموريتاني “مختار ولد داده” لم يغير بدلته طيلة الأيام الثلاثة، مدة الزيارة.
فأدرك أن الرئيس الموريتاني لا يملك المال الكافي لشراء بدلات باهظة الثمن مما يليق بالرؤساء. وفي صالة الشرف، أثناء وداع الضيف، سلّم موبوتو سكرتير ولد داده، شيكا بمبلغ خمسة ملايين دولار، ومع الشيك ورقة فيها عناوين أشهر مصممي الأزياء في باريس.
استلم ولد داده الشيك وأعطاه لوزير المالية ليضعه في الخزينة.
لاحقاً، وبهذا المبلغ تم بناء وتجهيز المدرسة العليا لإعداد المعلمين في موريتانيا التي تعاني من نقص تأهيل الكوادر.
في عام 1978 توقف موبوتو في المغرب، أثناء عودته من زيارة الولايات المتحدة، فاتصل به ولد داده ودعاه لزيارة إلى موريتانيا حتى لو لمدة قصيرة.
في الطريق، من المطار إلى القصر الرئاسي، لاحظ موبوتو لافتات مكتوب عليها: شكرا زائير. شكرا موبوتو على الهدية. وفي طريق الموكب إلى القصر الرئاسي، توقف في المدرسة العليا لإعداد المعلمين. ترجل موبوتو من السيارة واستفسر بتعجب عن “الهدية” التي يشكره عليها الشعب الموريتاني قائلاً:
“لقد وصلت قبل ساعة. وأنا آسف لأنني لم أحمل معي هدايا”. تبسم الرئيس “ولد داده” وقال له مشيراً إلى المبنى: هذه هي هديتك القيمة. فبمبلغ الخمسة مليون دولار، التي قدمتها لي قبل خمس سنوات، بنينا هذه المدرسة. عانقه موبوتو وقال: لو قدر أن يكون باقي الزعماء الأفارقة مثلك لما كانت قارتنا تعاني من الأميّة، والجهل، والتخلف والفقر. رد “ولد داده” :”أنا أتقاضى أجري من خزينة الدولة كرئيس. وهديتك هي لشعبي.أما مظهري وهندامي فلا يجوز أن يكون من إنتاج أرقى بيوت الأزياء العالمية بينما شعبي يعاني من الفقر”.
الآن في سورية، تحمرّ عيون شعبها غضباً على كل مظاهر الترف الواضح في شوارعها، في أحدث موديلات السيارات، وفي أفخم الحفلات، والأعراس الباذخة. والشعب يبحث عن أرخص أنواع الأطعمة ويكدح ، ليل نهار، لكي لا يشحذ لقمته في بلد الحصار وقيصر وكورونا… ومقاومة!!