لماذا يغير يهود أمريكا موقفهم من إسرائيل

إيميلي تامكن
ترجمة: أحمد شافعي
“يقول لي الناس إن الأمور تبدلت في الأسبوعين الماضيين أكثر مما رأوها تتبدل على مدى السنوات العشر الماضية”. هكذا قالت لي إيميلي ماير. ماير هي الشريكة المؤسسة والمديرة السياسية لحركة IfNotNow [إذا لم يكن الآن] التي يقودها شباب من اليهود الأمريكان وتعمل على “إنهاء دعم مجتمعنا للاحتلال”، وهذه إشارة من ماير إلى ما يشعر الكثيرون بأنه تغير هائل في السياسة الأمريكية، وبخاصة فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. على مدار الأسابيع القليلة الماضية، ومع الخطر الوشيك المتمثل في ضم أجزاء من الضفة الغربية رسميا إلى إسرائيل، ومع ازدياد هادئ في المعرفة (أو الإدراك القديم، بحسب الفوارق بين شخص وآخر) أن إسرائيل استولت بصورة غير رسمية على المنطقة، حدثت تبدلات مهمة سواء داخل الكونجرس أو الحزب الديمقراطي. فقد عارض كل من تشاك شومر السناتور الديمقراطي من نيويورك، وبنيامين كاردين السيناتور الديمقراطي من ميريلاند، وكلاهما من اليهود، عارضا الضم، وهو ما يعني أن اثنين من كبار الساسة الديمقراطيين المعروفين دائما بأنهما من “المناصرين لإسرائيليين”، قد قاوما، مهما تكن المقاومة طفيفة، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو.
ووقّع اثنا عشر من شيوخ الكونجرس على تعديل تقدم به كريس فان هولن ـ وهو أيضا سناتور ديمقراطي من ميريلاند ـ من شأنه أن يمنع الدعم الدفاعي الأمريكي من مناصرة الضم. وقد كان من بين من وقعوا على التعديل كل من بيرني صاندرز من فيرمونت وإليزابث وارين من مساتشوستس، وكلاهما خاض الترشيح الرئاسي داخل الحزب الديمقراطي، وإن خسر الاثنان في النهاية أمام جو بايدن. في الوقت نفسه، في مجلس النواب، حدث أن قام كل من باميلا جايابال ـ الرئيس المشارك للجنة التقدمية البرلمانية ـ ونجمة التقدميين ألكسندريا أوكاسيو كوتيز بكتابة رسالة دعت إلى رهن المساعدات لإسرائيل بشروط ـ وهي فكرة تحظى بحسب دراسة أجرتها GBAO Strategies سنة 2019 بدعم من أغلبية الناخبين الديمقراطيين. اعترضت أيباك [لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية] على كل من التعديل والرسالة بدعوى أنهما يناقضان مذكرة تفاهم بشأن التعاون الأمني لعشر سنين توصلت إليها إدارة أوباما مع إسرائيل. وأشار البعض إلى مفارقة هنا تتمثل في أن أيباك كانت شديدة الانتقاد لأوباما حينما كان في السلطة بالفعل. في الوقت نفسه، وقعت جماعات مختلفة مؤلفة من يهود أمريكيين شباب رسائل تطالب بمحاسبة الحكومة الإسرائيلية.
إذ قام أكثر من ألف من خريجي جيه ستريت يو ـ وهي الفرع الجامعي لجيه ستريت الذي تأسس قبل نحو عقد كبديل لأيباك “مناصر لإسرائيل، مناصر للسلام” ـ بالتوقيع على رسالة ذهبت إلى أنه “فقط حينما تعلم القيادة الإسرائيلية أن قيامها بذلك ينطوي على مخاطرة بجزء من الـ 3.8 بليون دولار التي تحصل عليها إسرائيل سنويا كمعونة أمريكية، فسوف يكون لديها سبب وجيه لإعادة النظر”. ويرد في التماس IfNotNow المقدم من اليهود الأمريكيين إلى الساسة التقدميين اليهود ما يلي: “إنني أدعو إلى المساعدة في وضع ودعم تشريع يضمن استعمال التمويل الأمريكي في التحرك لمنع الضم وتحقيق الحرية والكرامة لجميع الفلسطينيين والإسرائيليين ـ وألا يكون تمويلا لأي أنشطة تتعلق بالضم من قبيل هدم المنازل أو إقامة مزيد من المستوطنات اليهودية في المناطق المحتلة” وجمع هذا الالتماس توقيعات أكثر من 1200 شخص. وكتب بيتر بيناريت، المعلق اليهودي البارز ومؤلف كتاب “أزمة الصهيونية” The Crisis of Zionism مقالة في جويش كارنتس ثم أخرى في نيويورك تايمز يذهب فيهما إلى أن حل الدولتين مات، وأنه لا بد من توجيه الاهتمام الآن إلى تأسيس دولة مزدوجة القومية تضمن مساواة في الحقوق. وهذه ليست بالحجة الجديدة، إذ أن نشطاء وكتابا فلسطينيين يدعون إليها منذ سنين.
ولا دعوة بينارت إليها تعني أن جميع اليهود الأمريكيين يقبلونها الآن، فقد عارضها بشدة دانيال شابيرو سفير أمريكا في عهد إدارة أوباما لدى إسرائيل. لكن اعتراف بينارت بأنه يتجاوز خطا أحمر ـ سبق أن حظي باحترامه ـ مراعاة للواقع القائم على الأرض واحتراما لحقوق الإنسان هو الأمر الجديد. ثمة إذن تغيير. لكن أهو تغيير من القمة إلى القاع أم من القاع إلى القمة؟ وإلى أي مدى سوف يكون هذا التغيير مهما؟ أرجعت ماير ـ وهي نفسها شريكة في مجموعة تحاول الدفع إلى التغيير الصاعد من القاع ـ فضلا إلى بعض الساسة لعملهم ضد تسيير الأمور وفقا للمعتاد. إذ قالت “إنني أعتقد أن الحوار القائم حول السياسة السليمة تجاه قضية إسرائيل وفلسطين حدث جزئيا بسبب التقدميين داخل الحزب الديمقراطي” مشيرة بصفة خاصة إلى صاندرز وأكاسيو كورتز، مضيفة قولها “إنني لا أريد أن أهون من أهمية تغييرهم ما بدا محالا في وقت قصير للغاية باعترافهم بالوضع القائم”. يشير آخرون إلى أن تغيير نازلا من القمة لم يحدث فقط بسبب ما فعله الساسة التقدميون، بل وبسبب الطرق التي عملت بها القيادة المحافظة نفسها. قال إيان جولدنبرج مدير أمن الشرق الأوسط في مركز نيو أمريكان سكيوريتي إن “التغيير من القمة إلى القاع جاء من بيبي نتانياهو بالذات” وأشار جولدنبرج إلى “علاقيتين سيئتين للغاية” بين نتانياهو وباراك أوباما و”الهوى المشبوب بين بيبي وترامب”. فقد صوَّت قرابة 70% من اليهود الأمريكيين ضد ترامب في 2016 ـ وجاء اقتراب نتانياهو الشديد منه، ودفاع ترامب السافر عن سياسة نتانياهو، ليفتحا المجال أمام اليهود الأمريكيين الليبراليين ـ الذين يدافعون في غير تلك الظروف عن إسرائيل ـ ليستاءلوا عن سلوكهم هذا. قال جولدنبرج إن “حسبة بيبي هي أن أغلب اليهود الليبراليين الأمريكيين آخذون في الاندماج [مع المجتمع الأمريكي]، ولا يمكن التعويل عليهم، بل عليه أن يحسب حسابا للإنجيليين والجمهوريين واليهود الأورثوذكس المحدثين”.
أي أن حسابات القيادة الإسرائيلية ـ وفقا لجولدنبرج ـ هي “الإعراض” عن أغلب اليهود الأمريكيين والالتفات إلى جماعات أخرى طلبا للدعم. يضيف جولدنبرج قائلا “إنني أعتقد أنها حسبة رهيبة” مشيرا إلى أن نتانياهو أقنع والديْ جولدنبرج بأنه لا غضاضة إطلاقا في توجيه النقد لإسرائيل، وذلك ما لم ينجح فيه جولدنبرج نفسه. يرجع جولدنبرج الفضل أيضا إلى “الشباب الذين نشأوا على رؤية الفلسطين عبر منظار حقوق الإنسان”. هؤلاء يرون القضية قضية حقوقية، مثلما ينظرون على سبيل المثال إلى قضية قسوة الشرطة والعنف الممنهج ضد السود في الولايات المتحدة. ويجب أن يلاحظ أيضا مرة أخرى أن هذا يتوازى مع موقف مماثل من ناشطين ومفكرين وكتاب فلسطينيين وفلسطيين أمريكيين ـ مثل يوسف مناير المدير التنفيذي السابق للحملة الأمريكية من أجل الحقوق الفلسطينية في ما كتبه هذا الأسبوع في مجلة نيشن. لا يرى اليهود الأمريكيون الشباب إسرائيل بالضرورة مثلما رآها الأجيال الأكبر سنا من اليهود الأمريكيين باعتبارها مظلومة محاطة بالدول المعادية وقادرة على البقاء برغم كل المصاعب. فهذا بحسب جولدنبرج هو “النموذج القديم” والتحول “حادث بقوة من أسفل إلى أعلى”. حتى مع أسباب التغيير من أعلى لأسفل أو العكس، وحتى مع الرسائل والتعديلات والمقالات، لن تتغير سياسة الديمقراطيين تجاه إسرائيل ـ ناهيكم عن السياسة الأمريكية تجاهها ـ بين عشية وضحاها. فبايدن ـ كمرشح للرئاسة ورئيس محتمل ـ سوف يكون أبطأ ضغطا من أجل التغيير مما كان يمكن أن يكون عليه صاندرز أو وارين على سبيل المثال. وفي حين أن تعديلا يتقدم به سناتور ويحظى باثني عشر توقيعا يمثل أمرا مهما، لكنه غير كاف لسن تغيير تشريعي. ومع ذلك فإن “الكل يتحرك” بحسب ما يرى جولدنبرج. فبينارت في موضع مختلف عن الذي كان فيه قبل سنوات قليلة، واليهود الأمريكان الأكثر ليبرالية يقفون الآن حيثما كان بينارت قبل سنوات قليلة. قال جولدنبرج إن “الأمور تتحرك. وكانت تتحرك، وسوف تستمر في الحركة. ونحن وسطها”. وقال إن “الشباب هم الأكثر دفعا، ولكن التطور قائم في كل مكان”. •
   عن نيوستيتسمان