الرأي العام العربي وصفقة القرن: قراءة في استطلاع ميداني

د. صلاح أبونار –

على امتداد تاريخ القضية الفلسطينية كان الرأي العام العربي أحد الخطوط الرئيسية لدعمها والدفاع عنها. ومع إعلان نتانياهو الشروع في ضم مناطق من الضفة الغربية وفقا لخطة ترامب المدعوة بخطة السلام، يظهر سؤال محوري: كيف سيكون موقف الرأي العام العربي منها؟. حتى الآن لا توجد لدينا قياسات مباشرة لموقفه المتوقع، ولكن لدينا قياسات حديثة مهمة حول الاتجاهات السياسية العامة للرأي العام العربي، من ضمنها موقفه من تطورات القضية الفلسطينية، من شأنها أن تمنحنا مؤشرات واضحة حول موقفه المتوقع من قرار الضم.
من أهم تلك القياسات الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة «خدمات زغبي للأبحاث» الأمريكية المرموقة. أجرى الاستقصاء الميداني فيما بين 25 أغسطس و26 سبتمبر 2019 مع عينة من 8315 مبحوثا، ونشر أواخر نفس العام في 36 صفحة. ركز الاستقصاء اهتمامه على عينة من 8 بلدان عربية : مصر وتونس ولبنان وفلسطين والأردن والعراق والسعودية والإمارات العربية المتحدة. ولكنه شمل أيضا عينات من تركيا وإيران، من واقع تداخلهما العضوي في سياسات المنطقة العربية. وتوزع اهتمام الاستقصاء بين ثمانية محاور متداخلة، لكننا سنركز اهتمامنا حول الموقف من القضية الفلسطينية، والذي سنجد عناصره منبثة داخل مادة بعض هذه المحاور. ما الذي تخبرنا به هذه المادة؟
أول ما يلفت الانتباه تراجع أهمية ومركزية القضية الفلسطينية في نظرة الرأي العام لأولويات القضايا العربية. على امتداد عقود كان أي قياس من هذا النمط ينتهي بأولوية القضية الفلسطينية على كل القضايا العربية العامة، فيما عدا سنوات انفجار أزمات إقليمية مدمرة مثل الغزو العراقي للكويت أو الأزمات والحروب الأهلية خلال سنوات ما بعد 2011. ما هي ملامح هذا التراجع؟
وجه إلى المبحوثين السؤال التالي : عندما تنظر إلى المستقبل أي من القضايا التالية تراها مهمة بالنسبة للعالم العربي ؟ طارحا تسعة خيارات لترتيبها تنازليا، من ضمنها خيار ضمان العدالة والحقوق الوطنية للفلسطينيين. وعندما نرصد ترتيب الخيار الفلسطيني لن نجده ضمن أول ثلاثة خيارات، حدّدتها عينات سبع دول عربية بعد استبعاد البحث لموقف العينة الفلسطينية. وسنرصد أول ظهور للخيار الفلسطيني في المرتبة الرابعة لدى العينة المصرية، والخامسة لدى الأردنية، ثم السابعة لدى التونسية، والتاسعة والأخيرة لدى العينات الإماراتية والسعودية واللبنانية. كيف يمكن تفسير هذا التدهور؟
سنجد تفسيراً لجزء من العوامل، بتحليل دلالة أول خمسة خيارات لعينات الدول السبع. احتل خيار «استثمار المزيد من الثروة والخبرات الإقليمية من أجل خلق عالم عربي أكثر ازدهارا واستقرارا»، المرتبة الأولى لدى عينات خمس دول والثانية لدى دولة واحدة. ويحمل هذا الخيار وجهين. وجه إيجابي لكنه وجه ضمني ومداه الزمني طويل، عبر ما يشير إليه من أن التقدم والاستقرار يحمل معه القوة العربية وبالتالي القدرة على مواجهة تحديات القضية الفلسطينية، ويرجح هذا التفسير تكرار خيار العمل على دعم الوحدة السياسية العربية 7 مرات وخيار العمل على دعم الوحدة بين الدول الإسلامية 4 مرات ضمن الخيارات الخمسة الأولى. ولكنه أيضا يحمل وجها سلبيا صريحاً ومباشراً عبر دلالته على الميل للانكفاء على الذات والازدهار القطري على حساب الالتزام تجاه القضية الفلسطينية. ولكننا سنلاحظ أيضا داخل نفس الخيارات الخمسة دلالة أخرى مباشرة ، وهي وعي صعود ما يعتبرونه تهديدات إقليمية جديدة دفعت عبر صعودها وامتداداتها بالقضية الفلسطينية إلى الوراء. وإذا كانت القضية الفلسطينية تكررت مرتين فقط داخل أول خمسة خيارات، فقد تكررت مواجهة خطر التطرف الديني الإسلامي أربع مرات، ومواجهة ما دعي بالتهديد الإيراني أربع مرات، ومواجهة الفوضى في ليبيا وسوريا والعراق واليمن عبر تأسيس حكومات تمثيلية حقيقية قادرة على فرض الوحدة والاستقرار ثلاث مرات.
غير أن الاستطلاع يحمل دلالات أخرى ربما كانت أخطر بالنسبة لتحولات الرأي العام العربي من القضية الفلسطينية. سنجد في رصد إجابات بعض الأسئلة ميلا ومضامين تشاؤمية واضحة لمستقبل القضية الفلسطينية.
في معرض الإجابة على سؤال: إلى أي مدى تثق في حصول الفلسطينيين على دولة مستقلة؟ أظهر ثقتهم 48% من المصريين و40% من اللبنانيين و44% من الإماراتيين و48% من السعوديين و55% من الأردنيين و58% من الفلسطينيين، والحاصل انه في أربع عينات من ست عبر المستجوبين عن عدم ثقتهم. ثم طرح جوهر نفس السؤال في سياق آخر عبر الصيغة التالية: عندما تنظر إلى العقد القادم إلى أي مدى تثق في إمكانية الوصول إلى حل للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني؟.
أعربت عينات خمس دول عن ثقتها بنسب منخفضة تماما: التونسيون 27% والمصريون 29% واللبنانيون 3% والسعوديون 27% والإماراتيون 30%، ولم تسجل نسب مرتفعة نسبيا إلا لدى العراقيين 59% والأردنيين 58%. وتصب في نفس الدلالات السابقة إجابات أسئلة أخرى.
طرح السؤال التالي: هل من المرجح قيام بعض الدول العربية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل حتى بدون تحقق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين؟.
رجح ذلك 59% من المصريين و52% من الأردنيين و72 % من الفلسطينيين و53% من السعوديين و64% من الإماراتيين، وفقط لم يرجح ذلك اللبنانيون بنسبة 63%. وطرح أيضا السؤال التالي: ما هي الأطراف الأكثر لعبا لدور إيجابي لحل الصراع والوصول إلى اتفاقية سلام؟. وكانت النتيجة شديدة السلبية بالنسبة لأمريكا وإسرائيل، أي الطرفان القابضان على مفاتيح حل الصراع والوصول لاتفاقية سلام. حصدت أمريكا فقط تأييد 7% من المصريين و23% من اللبنانيين و36% من الأردنيين و23% من الفلسطينيين و24% من السعوديين و34% من الإماراتيين. وكانت حظوظ إسرائيل أسوأ كثيرا، فلم تحصل سوى على تأييد 5% من المصريين و1% من اللبنانيين و3% من الأردنيين و12% من الفلسطينيين و5% من السعوديين و10% من الإماراتيين. ولكن رغم مؤشرات وعي هذا الانسداد السياسي سجل الاستطلاع تحولا غريبا في الرأي العربي. طرح على العينات السؤال التالي: هل من المرغوب فيه أن تقوم دول عربية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل دونما حدوث سلام بين إسرائيل والفلسطينيين؟. وجاءت نسب تأييد العينات عالية: المصرية 73% والأردنية 72% والسعودية 79% والإماراتية 84%، وهي ما يعني 7 مؤيدين من كل 10 مستجوبين. وشذ اللبنانيون عن التيار بنسبة رفض 51%..
أثارت تلك النتائج دهشة الباحثين فقرروا العودة للعينة طالبين توضيح الأسباب بلغتهم الخاصة، وبعد تحليلها صاغوا الأسباب الخمسة التالية وطرحوها على عينة ضيقة لاختيار السبب الرئيسي منها. أفاد الأول: سوف يُمكن هذه الدول العربية من الحصول على قدرات أكبر للضغط على إسرائيل لحصول الفلسطينيين على حقوقهم. والثاني: لن يشهد الصراع حلا في أي وقت قريب، ولكن القتل ينبغي أن يتوقف واختيار السلام. والثالث: إسرائيل ذات اقتصاد متقدم، ويجب على الدول العربية أن تفكر في احتياجاتها وتحصل على المزايا الاقتصادية للعلاقات معها. والرابع: إيران تهدد المنطقة وستساعدنا إسرائيل على مواجهة خطرها. والخامس: لأن الفلسطينيين لا يساعدون أنفسهم، ومن الضروري أن يستعيدوا النظام والوحدة داخل بلادهم.
كيف جاء الاختيار بين الأسباب الافتراضية؟ تصدر السبب الخامس الخاص بالفلسطينيين بقية الأسباب حيث اختاره ثلثا أفراد العينة كسبب أول محدد لمواقفهم. وتلاه في المرتبة الثانية السبب الأول، أي تحقيق قوة عربية تسمح بالضغط على إسرائيل، حيث ذكره 4 من كل 10 من العينة كسبب رئيسي محدد لموقفهم. وجاء السبب الثاني أي ضرورة السلام لأن الصراع لن يتوقف في المستقبل القريب، في المرتبة الثالثة من الأهمية، حيث قال ربع العينة انه دافعهم الأساسي. وفي نهاية القائمة جاء السبب الثالث ما يوصف بالتهديد الإيراني، ومعه الثاني أي الاستفادة من مزايا إسرائيل الاقتصادية.
كيف يمكننا تفسير التناقض السابق؟ سنقترح إجابة أولى من خارج نطاق الأرقام، وتفيد أن مستوى تأييد الرأي العربي لسياسة مقاطعة إسرائيل، كان دائما في مساحة يصعب تحديدها وليد السياسات والدعايات الرسمية للدول العربية. ولم تكن تلك السياسات والدعايات دائما تتحدد وفقا لقواعد الانتماء للقضايا العربية فقط، بل أيضا وفقا للمصالح الخاصة بتلك الدول وسياساتها الساعية لبناء نفوذها الإقليمي وتحالفاته. ومع الأزمات الراهنة لبعض الدول وتفكك بعضها الآخر، اضطرت للانكفاء على ذاتها وحماية ما تبقى من قوتها وتوقي ما تراه مصدرا للتهديد، وهكذا تراجعت سياساتها القديمة ومعها خطابها الدعائي، ومعهما مساحة من تأييد الرأي العام للقضية الفلسطينية. وسنقترح إجابة ثانية من داخل دلالة الأرقام. جاء هذا التراجع تحت تأثير عدة عوامل. أولها وعي تفاوت موازين القوة بين الجانبين العربي والإسرائيلي – الأمريكي، وخلق هذا مزيجا من اليأس والاستسلام من جهة، والتفكير في مسار جديد لإدارة الصراع يبتعد عن مسارات المواجهة المباشرة القديمة من جهة أخرى. وثانيها انفجار أزمات إقليمية عنيفة، رافقها تدخلات خارجية في النظام العربي وأنماط جديدة من التهديد، وتقدم هذا ليحتل الواجهة السياسية ويدفع بالقضية الفلسطينية بصراعاتها وتحالفاتها إلى خلفية الاهتمام الشعبي. وثالثها شلل واضح في الوضع الفلسطيني، تمثل في الصراعات الداخلية والجمود السياسي والعجز عن المبادرة.