مؤشـرات طـيبة وذات دلالـة !!

د. عبد الحميد الموافي –

في الوقت الذي تواصل فيه مسيرة النهضة العمانية خطواتها، برؤية واضحة وأولويات محددة، وضعها وأعلنها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم «حفظه الله ورعاه» لتحقيق الأهداف المنشودة.
فإن هذا العام 2020 يظل من الأعوام ذات الأهمية والطبيعة الخاصة، على الصعيد الوطني وبالنسبة لكل المجالات، سواء لما شهده من انتقال سلس وبالغ الدلالة لانتقال السلطة وتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم مقاليد الحكم، خلفا للسلطان الراحل قابوس بن سعيد « طيب الله ثراه » أو بحكم أن هذا العام هو آخر أعوام الخطة الخمسية التاسعة ( 2016 – 2020 ) وآخر أعوام الرؤية المستقبلية «عمان 2020»، ومن ثم فإنه يفسح المجال للرؤية المستقبلية «عمان 2040»، التي تبدأ مع بداية العام القادم، وبالتالي فإنه سيظل من الأعوام الجاذبة للانتباه والتي تحظى بالمتابعة من جانب العديد من المراقبين والمعنيين والمتابعين للشأن العماني داخليا وخارجيا، لاعتبارات عديدة. والمؤكد أن ذلك كله يضفي المزيد من الأهمية على مختلف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك التحركات السياسية للسلطنة على كل المستويات، خليجية وعربية وإقليمية ودولية، وما تحرص عليه من دعم حقيقي وملموس لكل ما يعزز فرص التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف، خليجيا وعربيا وإقليميا ودوليا أيضا. وبينما يمارس – جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – أسلوبه الخاص، في إدارة وتوجيه آليات العمل التنموي على مختلف المستويات وفي كل المجالات، بهدوء وحسم وفاعلية، للبناء على ما تم إنجازه، ولتوفير الأرضية للانطلاق بقوة أكبر نحو الغايات والأولويات المحددة، وبأكبر قدر ممكن من حشد الطاقات الوطنية والاستفادة منها عبر إعادة صياغتها، كلما كان ذلك ضروريا، وهو ما عبرت عنه الخطوات والإجراءات التي تم اتخاذها خلال الآونة الأخيرة على أكثر من صعيد، فإن مما له أهمية ودلالة أن تظهر العديد من المؤشرات التي تؤكد رشادة وإيجابية وقيمة الخطوات التي يتم اتخاذها لصالح الوطن والمواطن العماني في النهاية. وفي هذا الإطار فإنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى بعض تلك المؤشرات، ولعل من أهمها ما يلي:
أولا: إنه إذا كانت الخطوات المتمثلة في تقليص أعداد العاملين في الجهاز الإداري للدولة وفي مختلف المؤسسات مدنية وغير مدنية، وفق القواعد والضوابط التي تم إعلانها وتطبيقها عمليا خلال الأسابيع الماضية، تهيئ الفرصة لتعزيز قدرات الأداء في الجهاز الإداري للدولة وفي مختلف المؤسسات للسير بخطى أسرع وأكثر رشاقة لتحقيق الأهداف المنشودة، برغم أية آثار جانبية يمكن أن تحدث في بعض المجالات أو بالنسبة لحالات محددة، وبشكل مؤقت، فإن الجيل الذي أسهم بجد وإخلاص في تحقيق أهداف التنمية الوطنية في ظروف أكثر صعوبة بكثير مما هو قائم أو متاح منذ سنوات، يغادر وهو قانع تماما بإسهامه الوطني الطيب في تحقيق النقلة النوعية التي تحققت في البلاد والتي أسست بالفعل لحياة أفضل للأبناء والأحفاد وللأجيال القادمة والاعتراف بذلك وإيصال هذه الرسالة اليهم، ستكون له آثاره الإيجابية بالنسبة للكثيرين منهم بعد خدمتهم الطويلة للوطن. ومن الطبيعي أن هذه العملية تتيح الفرصة لاستيعاب أعداد أكبر من الشباب الباحثين عن عمل، ولتحقيق درجة أعلى من كفاءة الأداء ولو بعد بعض الوقت، وهذه أمور معروفة في مجال علم الإدارة. على أية حال فإن هذه الخطوة تشكل في جانب منها أساسا أو أرضية لخطوات مهمة أخرى للارتفاع بكفاءة الأداء الإداري والاقتصادي على المستوى الوطني الواسع، مع ما يصاحب ذلك من نتائج اجتماعية واقتصادية مواتية في المجالات الأخرى.
ثانيا: إنه إذا كان من المعروف على مستويات مختلفة أن الشباب العماني يشكل رصيد الطاقة والقوة للوطن في الحاضر والمستقبل، وأن أعدادا متزايدة من الشباب أثبتت قدراتها في مجال تقنية المعلومات واستخداماتها وتطبيقاتها المختلفة، وهو ما أكدته وتؤكده العديد من الهيئات الإقليمية والدولية والمراكز التي يحققها الشباب في المنافسات المختلفة، وهو ما تشجعه الحكومة بوسائل عدة، فإن مما له أهمية ودلالة أن السلطنة حققت مركزا متقدما، بشهادة تقرير دولي صادر عن الأمم المتحدة في مجال تطبيقات الحكومة الإلكترونية. فقد احتلت السلطنة المركز الخامس عربيا والمركز الخمسين عالميا في تقرير إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة، الذي صدر قبل أيام ويشمل 193 دولة على مستوى العالم، والمتصل بالحكومة الإلكترونية. وفي هذا المجال فان السلطنة التي كانت في عام 2018 ضمن قائمة «الدول المتطورة» في مجال الحكومة الإلكترونية، أصبحت الآن، أي في هذا العام ضمن قائمة «الدول المتطورة جدا»، وفق المعايير التي يتم على أساسها تقييم وتصنيف وترتيب الدول في هذا المؤشر العام، وذلك بفضل جهود ومثابرة الشباب العماني وتشجيع الحكومة له ولجهوده الابتكارية، والتي تقدم بالفعل الكثير من الأفكار والتطبيقات المفيدة لتيسير وإتاحة مزيد من خدمات الحكومة الإلكترونية للجمهور والمستهدفين في القطاعات المختلفة.
من جانب آخر فإن من الجوانب ذات المعنى والدلالة، والتي تعبر بوضوح عن النتائج الإيجابية للجهود التي بذلت على امتداد السنوات الماضية في مجال التنمية البشرية، أن التقرير الدولي التابع للأمم المتحدة صنف السلطنة من بين 13 دولة على المستوى العالمي لديها رأسمال بشري «متطور للغاية»، وهذا الإقرار يؤكد أن السياسات والبرامج التي تم اتباعها في السنوات الماضية تحقق الفائدة للوطن وللمواطن العماني، وأن العناية بالشباب تفيد التنمية الوطنية في الحاضر والمستقبل، وهو نهج تواصل الحكومة السير عليه من منطلق أن المواطن هو أغلى ثروات الوطن، وأن تعليمه وتدريبه والارتفاع بكفاءته هو مفتاح التطور الاقتصادي والاجتماعي. والمؤكد أن الحفاظ على هذا المركز الرفيع يحتم المزيد من الدعم والرعاية لرواد الأعمال ولبرامج الحكومة الإلكترونية وتشجيع الابتكار والبحث العلمي والتطبيقات العملية التي يقوم بها الشباب في العديد من المجالات. ثالثا: انه في الوقت الذي أثر فيه انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية على إيرادات الدول المنتجة والمصدرة للنفط ومنها السلطنة، ثم جاءت جائحة كورونا وفيروس «كوفيد – 19» ليزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على مختلف الدول بسبب الاضطرار إلى عمليات الإغلاق ووقف كثير من الأنشطة الاقتصادية، كأحد السبل الناجعة للحد من انتشار العدوى، فضلا عن ارتفاع التكلفة الاقتصادية لعلاج الأعداد الكثيرة والمتزايدة من المصابين، ظهرت الحاجة إلى ضرورة الحد من العجز في الميزانية العامة للدولة كسبيل للحفاظ على التوازن المالي، وللحد من الحاجة إلى الاقتراض لتمويل برامج الموازنة العامة للدولة، وبالفعل تم اتخاذ إجراءات مختلفة وفعالة، سواء لزيادة الإيرادات بقدر الإمكان من خلال محاولة الدفع بالقطاعات غير النفطية لزيادة عائداتها والقيمة المضافة لها، أو للحد بقدر الإمكان من النفقات، وترشيد الإنفاق، وبالفعل جاءت القرارات بتخفيض حجم الإنفاق للوزارات ولمؤسسات الدولة بنسبة 5%، ثم زيادتها إلى 10%، مع إلغاء بنود إنفاق عديدة كانت تستهلك جزءا لا بأس به من الموارد وتوجيه تلك الموارد لخدمة برامج التنمية والخدمات ذات الفائدة للمواطنين. ومن المؤشرات ذات المعنى والدلالة أن تلك الإجراءات أتت أكلها ونجحت خلال بضعة أشهر في تحقيق الهدف منها، حيث أوضحت البيانات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات حول الربع الأول من هذا العام انه بالرغم من انخفاض الإيرادات العامة بنسبة 3.5 % ( 2.6 مليار ريال عماني مقارنة مع 2.7 مليار ريال عماني في الربع الأول من العام الماضي ) إلا أن حجم العجز في الميزانية العامة للدول خلال الربع الأول من العام الحالي انخفض بنسبة 91.5% مقارنة بحجم العجز في الربع الأول من العام الماضي، ففي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020 بلغ حجم العجز 26.3 مليون ريال عماني فقط، بعد أن كان 309.1 مليون ريال عماني في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الماضي، وهو نجاح كبير بكل المعايير، سواء في القدرة على إدارة عمليات ترشيد الإنفاق، أو في نسبة التحقق الكبيرة التي تمت بالفعل، وهو ما يعطي الأمل في متابعة مثل هذا الأداء، بقدر الإمكان، في الأشهر الأخرى من العام. وهو ما ينعكس بالضرورة على وسائل وسبل سد العجز في الميزانية العامة للدولة وسيخفف بشكل متزايد من الأعباء في هذا المجال. ومع الوضع في الاعتبار الكثير من الجوانب ذات الصلة بقطاعات الاقتصاد المختلفة، والحاجة لتعزيز القيمة المضافة لها ولإسهامها في الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما تحاوله الحكومة بطرق ووسائل عملية ومدروسة، فإنه يمكن القول بأن التعاون بين الحكومة والمواطنين، وتفهم المواطنين والمقيمين لطبيعة الظروف الاقتصادية وللتطورات الإقليمية والدولية يسهم بدرجة كبيرة في تحقيق الأهداف التنموية، وللسير بخطى مدروسة بشكل علمي لتحقيق حياة أفضل للمواطن العماني اليوم وغدا، وكان تأكيد جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم على أهمية وضرورة التعاون وتضافر الجهود من جانب الجميع وتقديم كل ما يمكن لإثراء جهود التطور والتقدم والنماء، بالغ الوضوح منذ بداية توليه مقاليد الحكم.