كيف ننقذ اقتصادنا مع استمرار الجائحة؟

ترجمة: أحمد شافعي

تحدث كليمنز فيوست، عميد معهد البحوث الاقتصادية في كتابه “كيف ننقذ اقتصادنا”، حول عواقب الوباء العالمي ليضع خريطة طريق لأفضل السبل التي يمكن لألمانيا أن تسلكها. ها هنا تحاوره دير شبيجل، باعتباره أحد كبار علماء الاقتصاد في ألمانيا، حول أثر فيروس كورونا على الحكومة والأعمال.

ـ في الشهور الأخيرة، تدخلت الدولة في الحياة اليومية والاقتصاد على نحو غير مسبوق ـ فارضة قواعد على السلوك، وبرامج للحوافز الاقتصادية والدعم. هل كان ذلك كله ضروريا؟
الحكومة تصرفت، إلى حد كبير، بطريقة صحيحة، سواء في مقاومة فيروس كورونا أو من حيث السياسة الاقتصادية. في أزمة كهذه، لا تعمل الأسواق على النحو المناسب، فيجب على الدولة أن تتدخل. غير أنه يجب على الساسة ـ وهذا يأتي على قدر مساو من الأهمية ـ أن يجدوا طريقة للخروج من إجراءات الطوارئ بمجرد تجاوز الأزمة الحادة. علينا أن نحذر، وأن نحرص على عدم الوقوع في شرك الاقتصاد الخاضع لسيطرة الدولة.

ـ هل تشعر بهذا الخطر؟
نعم أعتقد أن القطاع الخاص يتكلم كثيرا للغاية عن الإنفاق العام وقليلا للغاية عن التحرر الضروري. ولكن علينا أن نتذكر أن ما نعيشه من رخاء ليس ناتجا عن الدولة، بل عن أصحاب الأعمال والعاملين. والأمور لن تكون سلسلة هذه المرة مثلما كانت سلسة بعد الأزمة المالية، عندما استعاد الاقتصاد زخمه بسرعة.

ـ عندما بدأ الفيروس في الانتشار، عمدت الحكومة إلى تجميد أقسام ضخمة من الاقتصاد. هل كان ذلك إفراطا في الإغلاق؟
لا. تشير تجارب الأوبئة السابقة مثل الإنفلونزا الأسبانية إلى أن الضرر الاقتصادي سيكون أصغر إذا ما حورب المرض بعزم. وما دام انتشار الفيروس مستمرا، فالناس تقلل أنشطتها الاقتصادية من تلقاء أنفسها. ويقل إنتاجهم واستهلاكهم بسبب خوفهم من العدوى. لا بد من احتواء الفيروس قبل أن يتسنى للاقتصاد أن يتعافى. أما التناقض بين الصحة والمصلحة الاقتصادية الذي كثر الحديث عنه ونقاشه خلال أزمة كورونا فهو تناقض غير قائم في الحقيقة.

ـ ومع ذلك، تراكمت على شركات كثيرة خسائر هائلة ولا بد للدولة الآن أن تنقذها، عبر قروض أو استثمار مباشر في حصص. هل نحن في مواجهة نوع من الاشتراكية الكورونية؟
أرجو ألا نكون كذلك. قد يكون صحيحا أن تأخذ الدولة حصة في شركات معينة لإنقاذها من الإفلاس. لكن الحكومة يجب أن تفرض حينئذ شروطا على الشركات فلا تستطيع مؤقتا دفع أرباحها على سبيل المثال. سيكون خطأ من الدولة أن تتدخل في عمليات تشغيل الاقتصاد.

ـ لكن الدولة الآن مالك وشريك. أليس عليها واجب الضغط من أجل آليات إنتاج صديقة للبيئة، على سبيل المثال؟
لا. إذا أرادت الدولة حماية البيئة فعليها أن تفرض شروطا تنطبق على جميع الشركات، ولا تقصرها على الشركات التي تملك حصصا فيها. ومن الصائب الحد من المكافآت التنفيذية (مثلما فعلت الحكومة الألمانية مع الشركات التي أنقذتها بشراء حصص ـ المحرران). أما وضع إرشادات سياسية للعمليات اليومية فليس مسار العمل الصائب.

ـ تتلقى شركة لوفتهانزا قرابة تسعة بلايين يورو من الدولة وتريد أن تقلل 22 ألفا من الوظائف في الوقت نفسه. ألا ينبغي أن تمنع الحكومة شيئا كهذا؟
لا ينبغي أن تضمن الدولة الوظائف إذا لم يعد نموذج الاقتصاد ناجحا. ثمة مؤشرات على أن الناس لن تسافر بالطيران بقدر ما كانوا يفعلون قبل الأزمة. ويجب أن تؤهل لوفتهانزا نفسها لهذا، وأيضا بتقليل الوظائف. ولو صدقنا الحكومة، فإنها تريد أن تبيع حصتها في لوفتهانزا بأسرع ما يمكن. ولن تتمكن من هذا إلا لو وقفت الشركة على أقدامها من الناحية الاقتصادية.

ـ استثمرت الدولة أيضا في كيورفاك لتصنيع الأمصال. هل كان ذلك منطقيا؟
لا. كيورفاك شركة جيدة. لم تكن معرضة لخطر الإفلاس أو الاستيلاء.

ـ وزير الاقتصاد الاتحادي بيتر ألتماير يريد أن يضمن الحصول على لقاح كورونا المحتمل وأن يضمن كذلك بقاء شركة واعدة متخصصة في تكنولوجيا رفيعة داخل ألمانيا فلا تقع في يد مشتر أجنبي. أليس هذا سببا كافيا؟
الحكومة الألمانية شددت للتو قانونا يتيح لها منع الاستيلاءات الأجنبية. يمكن استعمال هذا عند الضرورة. ولو أن الحكومة متخوفة من توافر اللقاح، يمكنها التفاوض على عقود بخصوصه. وفي هذه الحالة، فإن شركة قابضة هنا لن تكون الأداة الصحيحة لأن بوسعها تشويه المنافسة.

ـ أليس صحيحا بالرغم من هذا أن يسعى ألتماير إلى ضمان إمدادات الأمصال والعلاجات ومعدات الحماية والأقنعة؟
لقد كان فشلا أكيدا ألا تتوافر الثياب الحمائية والأقنعة في ألمانيا عندما تفشى الوباء. لكن هذا أيضا لا يعني أن الحكومة ينبغي أن تشتري الشركات تحقيقا لهذا الغرض.

ولكن الحكومة الألمانية تريد أن تصبح أقل اعتمادا على الصين في الإمدادات الطبية وتضمن مزيدا من الإنتاج في ألمانيا. أليس هذا تفكيرا ذكيا؟
يجب عدم الخلط بين الإنتاج وتأمين الإمدادات. فحتى في ألمانيا، قد يتفشى وباء أو يتوقف التصنيع لأسباب أخرى، ويصبح الإنتاج المحلي في هذه الحالة عديم النفع تماما. الأفضل هو ضمان وجود موردين متعددين من بلاد مختلفة.

ـ ولكن التجارة العالمية ضعفت كثيرا نتيجة للأزمة. سلاسل الإمدادات انقطعت والحمائية في صعود. أليس منطقيا أن نجعل الاقتصاد أكثر تركيزا في جانبه المحلي؟
على العكس. الحل حاليا يتمثل في المزيد لا الأقل من العولمة. الذين يحصلون على منتجاتهم الأساسية من مصدر وحيد في الصين سيكونون حكماء إن دبروا مزيدا من الموردين في فييتنام أو الهند أو المكسيك. تماما كما أنها ميزة واضحة أن توزع منتجاتك في العالم كله، بدلا من أن تقصر نفسك على مشتر واحد. بعد الأزمة المالية، استفادت الصناعة الألمانية من القدرة على بيع السيارات والمعدات لا في منطقة اليورو الضعيفة وحدها، بل وفي الأسواق المزدهرة في الصين وأمريكا الشمالية.

ـ أطلقت الحكومة حزمة تحفيز بـ 130 بليون يورو لدعم الاقتصاد المحلي. هل هذا كاف؟
خطوة صحيحة من الحكومة أن تقوم مجددا بمنح الاقتصاد دفعة بعد التوقف الفيروسي في الربيع. لكن لا ينبغي أن نتوقع منها الكثير. يقدَّر أن تؤدي الإجراءات إلى زيادة النتاج الاقتصادي خلال العام الحالي بنسبة واحد في المائة فقط. لقد أدت أزمة فيروس كورونا إلى تراجع حاد في الإنتاج. ولا يمكن لحزمة حوافز أن تعوض الخسارة.

ـ خلال الأزمة، قررت الحكومة أن توسع علاوات إجازات العمل. هل كان ذلك قرارا خاطئا؟
لا، فقد كانت الفكرة هي تأمين المتضررين ودعم الإنفاق الاستهلاكي. لكن مع ازدياد طول أمد الأزمة، ازدادت ضرورة السماح بتغيير بنيوي.

ـ ما الذي بوسع الحكومة أن تفعله؟
يمكنها أن تدعم التدريب وبعض الشركات الجديدة. يمكنها أن تقلل البيروقراطية على الشركات وتخفف من عبئها الضريبي.

كثير من الشركات الآن لا تحقق أي أرباح أصلا، فما الداعي لتقليل الضرائب؟
في وضع الأزمة الراهن، يجب أن ينصب التركيز على تعويض الخسائر والانخفاض المتسارع في القيمة. لكن المهم أن نقلل ضريبة الشركات إلى 25% ونعلن عن التغيير بسرعة، مثلما فعل الكثير من دول العالم.

فور أن تنتهي الأزمة، أول ما سنكون بحاجة إلى القيام به هو تقليل الدين السيادي. ألن يعني هذا رفع الضرائب؟
حينما يستأنف النمو الاقتصادي، سوف تتلقي الميزانية الوطنية انفراجة آلية. إذا لم يكف هذا، فلا بد من النظر في أمر تقليل الإنفاق ورفع الضرائب معا. لكن في تلك الحالة لا ينبغي أن تكون ضرائب الشركات والدخل هي التي ترفع، بل ضريبة القيمة المضافة والضرائب العقارية، فهما أقل تعطيلا للنمو.

في الأزمة، يتبين أن الدخول الصغيرة هي العبء الرئيسي. وتأتي أنت لتريد زيادة ضريبة القيمة المضافة، بما يضع عبئا على أصحاب الدخول المنخفضة؟
ـ لن تكون عبئا إلا في حال فرضها على المستهلكين على هيئة أسعار مرتفعة. لكننا نرى، وبخاصة مع تقليل ضريبة القيمة المضافة، أن هذا لا يحدث إلا في نطاق محدود للغاية. ومع ذلك، فإن المساعدات الاجتماعية من قبيل المبالغ المدفوعة من خلال برنامج هارتس الرابع للرفاه، وهو برنامج قديم في ألمانيا، يجب زيادتها لتعويض العبء الناجم عن زيادة ضريبة القيمة المضافة.

هل ستزيد أزمة فيروس كورونا من التفاوت؟
ـ من المتوقع أن تؤدي الأزمة والإسراع في التغير البنيوي إلى تعظيم الفجوة بين دخول العمال المرتفعة والمتدنية عما كانت عليه من قبل. غير أن ذلك لا يمكن تعويضه من خلال الضرائب ونظام المعونات الاجتماعية فقط. بل إننا بحاجة بدلا من ذلك إلى الاستثمار في المدارس والنظام التعليمي. ونحن بحاجة إلى تمكين العمال من النجاح في عالم يزداد رقمنة، وبحاجة إلى مزيد من التعليم للناس ذوي الخلفيات الأقل تعليما.

ـ قرابة 750 بليون يورو سوف يتم توجيهها إلى البلاد الأوروبية، وبخاصة الأكثر تضررا من كورونا، عبر صندوق التعافي التابع للاتحاد الأوربي. هل هذه هي الأداة الصحيحة؟
أنا لا أدعم هذا الصندوق. إظهار الدعم الآن أمر صائب، لكن المعونة ينبغي أن تدعم الإصلاحات التي من شأنها تقوية النمو والتوظيف.

هل ثمة عزيمة كافية ترمي إلى الإصلاح؟
ـ علينا أن ننتظر ونرى الخطط الإصلاحية التي تطبقها الدول من أجل المعونات الحالية. لكننا لا ينبغي أن نقع في الخطأ القديم حينما أردنا أن تُحكم دول بعينها من بروكسل. لا يمكن حل المشكلات الاقتصادية إلا من داخل البلاد نفسها. ومن ثم فالأفضل هو تقديم برامج الإصلاح نفسها. إيطاليا أعلنت بالفعل عن حزمة إصلاحات تحتوي بعض العناصر الواعدة للغاية، ومنها مزيد من الاستثمار العام وتقليل البيروقراطية.

ـ هل صندوق التعافي سيكون كافيا أم تتوقع أزمة يورو جديدة؟
الصندوق سوف يساعد، لكن لا يمكن أن يغير حقيقة أن بعض بلاد أوروبا ـ إيطاليا بخاصة ـ تمر بمصاعب بسبب ما شهدته على مدار سنين من انخفاض شديد في النمو وبسبب مزيد من الارتفاع في ديونها السيادية نتيجة للأزمة.