مرحلة الـ«تسليع» .. حيث الربح والخسارة

أحمد بن سالم الفلاحي –

يرى المتابعون أن المجتمع التقليدي انسحب من ميدان التفاعل كممارسة، وبقي كمفهوم، فالمفاهيم ليس يسيرا زوالها حيث تحتاج إلى عمر مقدر يتناسب وعمر الأجيال، ولذلك فعند التسليم بانسحاب المجتمعات التقليدية من الساحة، تتأصل القناعة حينها بأن كل شيء قابل للبيع والشراء
تغرس الرأسمالية المتوحشة أنيابها الحادة في كل مجريات الحياة البشرية، ويزداد هذا الغرس، كلما قطعت هذه البشرية عمرا مقدرا في المساحة المتاحة للتطور والنمو المادي، على وجه الخصوص، ولذلك تشهد البشرية ذاتها تحولات اجتماعية، وديموجرافية، واقتصادية، وثقافية، وسياسية في كل ما هو له علاقة بالإنسان الفرد، وبالإنسان المجموعة، في أي بقعة جغرافية تكون، ولا فرق في ذلك بين مجتمع متقدم، وآخر متخلف؛ وفق المقاييس المادية، ولقد أظهرت جائحة (كورونا – كوفيد19) صورا مأساوية لهذا الواقع، حيث شاهدنا كيف يمد الناس أيديهم لمن يحسن إليهم في أرقى وأضخم المدن العالمية، هذه المدن التي تصدمك بضخامة العمارة، وتعقد الحياة فيها، كما نشاهد ذات المنظر المزري في أفقر المدن في آسيا وأفريقيا، وهما ما يضرب بهما المثل؛ دائما؛ وبهذا الواقع تساوى الجميع في الحالة الإنسانية المقهورة، والمغلوب على أمرها، إلا النظم السياسية في كل هذه الدول أيضا غنيها وفقيرها، تظل هي الصورة (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) – الآية (79) من سورة القصص -.
ووفق هذا الواقع تم تجيير المفاهيم الثقافية والاجتماعية؛ كأهم محددين للأمن الاجتماعي للبشرية؛ لتغدو واحدة من السلع المتداولة، تأخذ نفس الفهم في «تسليع « المواد الأخرى، التي وجدت أصلا لأن تكون في مكان البيع والشراء، والأخذ والعطاء، صحيح أن مفهوم السوق؛ يظل مفهوما متأصلا في الذاكرة الاجتماعية، ولكن بصورة لم تكن تخرج عن مستوى الكفاية فقط، ولم تتحول إلى الرغبة التي حذر منها مفكر الهند الكبير المهاتما غاندي عندما عارض بشدة انتشار «السلع الكمالية»؛ وفق مفهوم الرغبة عند رجل الريف أو رجل القرية، وأكد على كفاية بقاء مفهوم الحاجة «السلع الأساسية» فالحاجة عند غاندي هي الكفاية، أما الرغبة فهي تجر وراءها الكثير من الرغبات التي تزيد عن حاجيات الفرد، وقد تؤدي به إلى الهلاك، لأنها تنقله من حالته الفطرية البسيطة، إلى الحالة المادية الصرفة، حيث تسيد مفهوم السوق القائم على الربح والخسارة، ومتى أسقط الإنسان نفسه في هذا الخندق، يبقى من الصعوبة التحرر منه، حيث تتلبسه الأطماع، ويغرق في بحر الرذيلة المادية القاتلة، وهذا أمر ليس يسيرا أبدا، مع أن كثيرا من الناس تستعذبه، لأن به صورة احتفالية زاهية كحال قارون.
يقول ديفد هارفي صاحب كتاب (ما بعد الحداثة) و (الإمبريالية الجديدة) متعجبا، وهو من عمق هذه المدن الكبيرة المخيفة: «أصبحت مدن التمويل والتحكم في العالم، كما تسمى اليوم، جزرا مذهلة للثروة والامتيازات بناطحات سحاب شاهقة، وملايين ملايين الأقدام المربعة من المساحات المكتبية لإيواء هذه العمليات، وكميات هائلة من الثروات الوهمية تنتجها العمليات التجارية بين طوابق تلك البروج المشيدة، كذلك أصبحت أسواق المضاربة بالأراضي والعقارات في المدن محركات رئيسية لتراكم رأس المال، ولا يملك المرء إلا أن يتعجب لرؤية تلك الأبنية المتصاعدة بسرعة جنونية على خطوط الأفق في مانهاتن وطوكيو ولندن وباريس وفرانكفورت وهونكونغ ومؤخرا شانغهاي» ويضيف: «تسليع وخصخصة الأرض وطرد سكانها الفلاحين بالقوة (…) وتحويل مختلف أشكال حقوق الملكية (العامة والتعاونية وأملاك الدولة) إلى حقوق ملكية خاصة وحصرية (…) وإلغاء حقوق العامة بالأراضي المشاعة» – انتهى النص – وهذه الصورة تتكرر اليوم في كل دول العالم، بلا استثناء، وإن كانت بنسب متفاوتة، ولكنها ذاهبة في نفس السياق، حيث كل شيء قابل لأن يكون سلعة، وأن الحقوق الإنسانية التي ينظر لها في المنابر المختلفة، ما هي إلا أضحوكة تتقاذفها المصالح المادية الكبيرة، فأينما وجدت المصلحة، طويت الصفحات الإنسانية، ووضعت في أقرب سلة للمهملات.
في تسعينيات القرن الماضي، عندما كنت صحفيا في جريدة عمان، كلفت بمهمة رسمية إلى جزيرة مصيرة لإجراء مجموعة استطلاعات حول عناوين تنموية مختلفة، وفي أحد أيام الزيارة ذهبت باكرا إلى الشاطئ بصحبة الزميل سالم المحاربي المصور الصحفي المعروف في جريدة عمان، فوجدنا مجموعة من أبناء قرية مصيرة يتجولون على ذلك الشاطئ الجميل الذي يعج بمعزوفات نوارس البحر، وهي توزع لحن الشروق مستبشرة بيوم جميل على ضفاف هذه الجزيرة الرائعة بتفاصيلها الجغرافية، وبطيب أبنائها الكرام، ومما خرجت به من أحاديثهم المختلفة، أنهم كانوا إلى عهد قريب، لا يكادون يشترون السمك لحاجيات منازلهم اليومية، حيث كان الصيادون أصحاب القوارب التي تعود من رحلات صيدها مع شروق الشمس توزع عليهم بما يسمى «تحلية» أي كمية من الصيد، تغنيهم ليومهم وأكثر، وقد تغير الحال الآن – كما يقولون – حيث انتشرت في جزيرتهم شركات صيد الأسماك، بعضها لأبناء الجزيرة، وبعضها من خارج الجزيرة من الولايات المجاورة بالشراكة، حيث تشتري هذه الشركات كل الكميات التي يصطادها الصيادون، ولم يبق شيء، وبذلك اختفت عادة الـ «تحلية» فأحدث هذا السلوك مثلبة في عادات أبناء هذه القرية الوادعة، ودخلت بذلك الصورة برمتها في مفهوم السوق؛ حيث الربح والخسارة، وهذه الصورة ذاتها تتسع اليوم في كثير من سلوكيات أفراد المجتمع، وقيمهم المتعارف عليها، فقد سمعت ذات الشكوى أيضا في قطاف الرمان بالجبل الأخضر، وربما يحدث ذات السلوك في جداد المبسلي في كثير ولايات السلطنة؛ حيث تربعت العمالة الوافدة على ذات المهنة، فاختلفت التقديرات، والسلوكيات، والمفاهيم، وانتقلت بعض القيم الإنسانية الخاصة جدا، بأبناء القرى، من حالتها الإنسانية الصرفة، إلى حالتها المادية الصرفة، حيث تم تصريفها على شكل سلع لها مقابل مادي، استساغ أبناء المجتمع ذلك أو لم يستسيغوا، فالواقع يفرض أجندته المعبرة عن عصره.
يرى المتابعون أن المجتمع التقليدي انسحب من ميدان التفاعل كممارسة، وبقي كمفهوم، فالمفاهيم ليس يسيرا زوالها حيث تحتاج إلى عمر مقدر يتناسب وعمر الأجيال، ولذلك فعند التسليم بانسحاب المجتمعات التقليدية من الساحة، تتأصل القناعة حينها بأن كل شيء قابل للبيع والشراء، وعندها فقط يكون كل شيء معروضا على بسطة السوق، ومن يستطيع الشراء فليتفضل، وهذا أمر متوقع في ظل تشعب أيدي الرأسمالية المتوحشة، والتي تمثلها شركات المتعددة الجنسية، والتي بدروها حولت المجتمعات الإنسانية إلى مجتمعات مادية بحتة «عالما غيبته التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عصفت بالمجتمع الريفي (…) عالم يتلاشى بفعل الهجرة والرحيل ويذوي المجتمع فيه على هامش الحداثة وأنماط الحياة الجديدة» – كما يقول: الروائي الإيرلندي ماكغرين في روايته (كي يواجهوا الشمس المشرقة) -.
ومما صدمني في هذا الاتجاه أن بثت أخبار، وتقارير عن إساءة استخدام المساعدات الإنسانية التي تدفع بها منظمات الأمم المتحدة إلى المنكوبين من الحروب، والظروف المناخية المختلفة، حيث تظهر الصورة الإعلامية على أن المساعدات توزع على مستحقيها؛ بما لا يدع مجالا للشك، ولكن الواقع أن الموزعين يمارسون الكثير من الانتهاكات في حق هؤلاء المغلوبين على أمرهم، من حيث انتهاك الأعراض، والمتاجرة فيها بهذه السلع؛ التي هي في الأصل؛ سلعا مجانية تتبرع بها الدول، سواء تبرعا ماديا مباشرا، أو عن طريق الشراء الذي تقوم بها فرق الأمم المتحدة المعنية بغوث اللاجئين، وقد أوضحت هذه التقارير الإعلامية أن هناك من تعرض للمحاكمة من هؤلاء الموظفين في هذه البرامج، فصورة هذه الممارسة مرتبطة أكثر بالقيم الإنسانية، أكثر منها مادية، ولكن في ظل تسلط المادة على النفوس، تحولات القيم كسلع يتاجر بها على مرأى من العالم، بلا وازع من ضمير، وما ينطبق على هذا الجانب، ينطبق على جوانب كثيرة في حياة الناس اليوم، أكثر من أي وقت مضى، حيث أنزلت كل هذه الممارسات تبادل العلاقات بين الناس، منزلة الربح والخسارة، وهذا ما يؤسف لها حقا.
تحل الوسائل الإعلامية بتقليديتها أو بحداثتها؛ كأول متهم في نقل تأصيل قناعات الناس إلى كل ما تنادي به مشروعات العولمة، وذلك من خلال الصور الاحتفالية للسلع والخدمات، وتجيير العلاقات بين أفراد المجتمع، فكل أصبح له مقابل، وبدون هذا المقابل تتوقف المعاملات، أو تضعف بين المجموعات، أو حتى بين الأفراد، فالإعلام حول علاقات الناس، وأدواتهم، ومناخات حيواتهم إلى سلع متبادلة، وأصل فكرة أن كل شيء قابل للبيع والشراء، هذا بخلاف المواد التي تعرض على وسائله المختلفة، والذاهبة كلها إلى مفهوم الربح والخسارة، وفي الأعمال الدرامية المختلفة، ما يغني عن الحديث في ذلك..