دافعوا عن تاريخ أمريكا واستردوا مؤسساتها

جـــــــيرارد بيكـــــــر –

«عمان»: حدث الأمر بسرعة. في نهاية القرن العشرين، انتصرت الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، وحرَّرت نصف الكوكب من أكثر أيديولوجيات التاريخ تجرُّدا من الإنسانية، وطوّرت رأسمالية السوق الحرة التي فاقت أي نظام اقتصادي في عدد الناس الذين أخرجتهم من ربقة الفقر، ومنحت العالم أثرى منحة من رأس المال الفكري والثقافي والعلمي منذ عصر التنوير. فحقَّ للأمريكيين أن ينظروا إلى أنفسهم وإلى الأمة التي أقاموها بفخر عظيم.
بعد عشرين سنة من ذلك، إذا بأغلب القيادة السياسية في البلد، وكل المؤسسة الأكاديمية تقريبا، وأغلب من يسيطرون على الأخبار والنتاج الثقافي، وقدر غير هين من نخبة رجال الأعمال، يرون أمريكا قوة خبيثة للاستعباد والقمع لا أمل لها في رشد، قوة شر استثنائي تأسست على أيديولوجية التفوق العرقي.
هؤلاء الكهنة يطالبون الأمريكان بالتنكر لأغلب تاريخ الأمة، وبتمزيق ما أبدعت من أيقونات، وبالانخراط في تطهير ثقافي لها من خطاياها.
قبل أربع سنوات فقط، قام السيناتور بيرني ساندرز ـ وهو رجل غير معروف بفرط حماسته الوطنية ـ بزيارة مونت راشمور حيث يوجد النحت الجبلي الهائل لبعض الرؤساء الأمريكيين وأعلن من هناك قوله: «إنه لمن دواعي اعتزاز المرء حق الاعتزاز بكونه أمريكيا».
ويوم الجمعة 3 يوليو، حينما زار الرئيس ترامب المزار نفسه، قيل لنا ـ والعهدة على مراسل سي إن إن ـ إنه يظهر «أمام نصب اثنين من ملاك العبيد وعلى أرض اغتصبت من أيدي الأمريكيين الأصليين».
لو أن صورة الأمريكيين الذاتية قبل جيل كانت صورة لمجند يتلقى باقة زهور من شعب تحرر، فاليوم يقال لنا إن الصورة لحذاء شركي يدهس وجه إنسان إلى الأبد. فما الذي جرى؟
نرجو أن يكون الهلع الحالي جزءا من العواقب اللعينة لجنون الحظر. فلو أنكم أسرى بيوتكم، تتراكم في أنفسكم تشوهات الأعلام، طوال أربعة أشهر، فلا بد أن عتبة تسامحكم مع الخيال قد ارتفعت.
لكن جذور الجنون الراهن أعمق كثيرا من عمق البوصة المتوافر لدى التلاميذ المسيطرين حاليا على الإعلام الأمريكي.
بنظرة رجعية، يبدو واضحا أن أمريكا في 2020 كانت مؤهلة لنوع من الماوية عديمة العقل المتشبة في إنجيلها والمطالبة بالتطهير الأيديولوجي. لقد وصلت الأمة إلى لحظة القابلية للاشتعال. فقد استشرى التسوس في مؤسسات أمريكا الثقافية لأكثر من نصف قرن على يد مؤسسة كارهة لنفسها. وها هي استوت وسط وعكة عامة تسببت فيها عشرون سنة من الفشل السياسي والاقتصادي تحت قيادة نخبوية قوضت النظام الذي كان سر عظمة أمريكا.
لقد كان التآكل الثقافي واضحا منذ عقود. ربما ما كان ينبغي أن نراه أفضل هو عواقبه: أجيال من التلاميذ التي تغذت وفق حمية النظرية العرقية النقدية ودراسات الجندر ما بعد الكولنيالية ـ وكلها أتيحت في مساحات آمنة يحميها التعصب حيال المعارضة ـ فانهمر أولئك التلاميذ انهمارا من الجامعات على العالم، ملوحين بنصوصهم ذات الهشاشة البيضاء كأنها كتيبات حمراء.
لكنهم تخرجوا في أمريكا التي زعزعها عقدان من الفشل والخسارة غير المألوفين. فعلى مدار عشرين سنة، رأينا هزائم السياسة الخارجية في العراق وأفغانستان وغيرهما، والانهيار المالي، والوباء الذي نشهده الآن، وقد فضحت جميعها خواء الزعامة السياسية.
وفي الأثناء نفسها، إذا بالرأسمالية التي أنتجت قدرا هائلا من الفرص للكثيرين تصبح بازدياد مطية للسلطة في يد القلة. فالشركات العملاقة في مجال التمويل والتكنولوجيا لا تخضع لحساب. والشركات الكبيرة الأخرى تزدري وتسخر في العلن من القيم التي قامت على أكتافها الأمة ـ وقامت عليها أرباح هذه الشركات نفسها ـ بينما تسعى إلى فرص عالمية على حساب المجتمع الأمريكي.
لن يكون كافيا أن نعيد التأكيد على فضائل أمريكا التاريخية العظيمة. سيقتضي الأمر إضعاف قوة الطغاة في الجامعة، وضمان وصول جميع الأصوات في المنصات التكنولوجية، ومحاسبة الحشود الخارجة على القانون التي تشوه تراث الأمة. لكن الأمر سوف يقتضي أيضا معالجة التسوس في الرأسمالية الأمريكية، وكبح سلطة الاحتكارات المتضخمة، وضمان أن تعلي الشركات الأمريكيين في مقابل أجنداتها التقدمية العالمية.
هذا أمر آخذه على محمل شخصي. لقد جئت إلى هذا البلد بينما كان القرن الأمريكي العظيم يقترب من نهايته. وشأن ملايين المهاجرين كنت منجذبا إلى نداء لا يقاوم من أمة تشكلت بقوة سعيها إلى مثال إنساني نجحت بالفعل في تحقيقه. طبعا كنا نعلم أن في نسيج أمريكا الحي مزقا حادا، وإرث انحياز عرقي مناقضا للمثل الأساسية. لكن هذه الأمة أثبتت قدرة على التقدم برغم ذلك، وعلى إصلاح نفسها وتحسينها، وجعل أمريكا مرة أخرى مثار إعجاب.
إن هذا البلد لم ينتقل من العظمة إلى الشر في بحر عقدين من الزمن. وأمريكا لم تفشل. لكن الأمريكان فشلوا، ضللهم قادة سياسيون مخادعون وغير أكفاء، وخذلهم رؤساء شركات هم أقرب إلى المرتزقة السفاحين، وأهم من ذلك أن نخبة ثقافية طفيلية خانتهم واستغلت الحرية الأمريكية لتشويه البلد. فليس تاريخ أمريكا هو الذي ينبغي التنكر له، بل حاضرها.
■ وول ستريت جورنال