قرار فلسطيني حكيم في مواجهة خطة الضم الإسرائيلية

د. عبدالعاطي محمد –

خلال الحملة الانتخابية الإسرائيلية الأخيرة، كان بنيامين نتانياهو رئيس وزراء إسرائيل قد أعلن عزمه على ضم غور الأردن وأجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وعقب نجاحه – مع اقتسامه مدة السلطة مع بيني جانيتس رئيس حزب أبيض أزرق – عاود التأكيد على تنفيذه لهذه الخطة. وآنذاك ودون الانتظار لنتائج الانتخابات، ردت السلطة الفلسطينية بالرفض وقررت التحدي حيث سارع الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى إلغاء الاتفاقيات والتفاهمات المعقودة مع الجانب الإسرائيلي وكذلك مع الجانب الأمريكي.

وقتها كان السؤال هو عن الخطوة التالية من جانب كل منهما، بمعنى هل تتجه العلاقة إلى التصعيد أم التهدئة؟. وارتبطت الإجابة بانتظار رد الفعل على تصرف كل منهما سواء جاء رد الفعل من الداخل أو الخارج. لم تمض إلا أسابيع قليلة اتضحت فيها الشواهد التى أشارت إلى أن موقف نتانياهو كما هو لا يتغير، أي ذاهب في اتجاه تفعيل خطة الضم ولو على مراحل، وأنه كحكومة إسرائيلية جاهز لأية مواجهات مسلحة ضد أية عمليات فلسطينية احتجاجية. وبالمقابل وجدت السلطة الفلسطينية دعما وتأييدا عربيا فيما يتعلق برفض خطة الضم في حد ذاتها، بينما لم يكن هناك رد فعل محدد فيما يتعلق بقرار السلطة إلغاء الاتفاقيات حيث تم النظر إليه بصفته عملا سياديا محضا، وهو أمر مفهوم عربيا منذ أن تأسست العلاقة بين السلطة وإسرائيل وفقا لاتفاقيات أوسلو1993. ولم يأت الدعم من الجانب العربي فقط، وإنما جاء من كبريات الدول الأجنبية المعنية بالقضية الفلسطينية مثل روسيا وفرنسا والاتحاد الأوروبى عموما. فقط الولايات المتحدة التي اتخذت موقفا مؤيدا لإسرائيل حتى لو يأت صريحا حيث كان بومبيو وزير الخارجية الأمريكي قد حسم الموقف عندما قال إن مسألة الضم شأنا إسرائيليا خالصا!. ولم تعر واشنطن اهتماما بقرار السلطة إلغاء التفاهمات معها بما أعطى الانطباع بأنها لا ترى جدية في موقف السلطة. وكان هذا التأييد الأمريكي هو من الأسباب المهمة التي جعلت نتانياهو على موقفه من مسألة تفعيل خطة الضم.
أمام عدم تغير الموقف الإسرائيلي، عادت الكرة إلى الملعب الفلسطيني مجددا، حيث بات من المتعين على القيادة الفلسطينية أن تمضي في خطوات التصعيد الواحدة تلو الأخرى لوقف خطة الضم الإسرائيلية، ولكن بعقلانية وحكمة في اتخاذ القرار. فقد كانت قد أكدت أنها ستواصل انضمامها للمنظمات الدولية وتعزيز اتصالاتها مع الدول الكبرى المعنية دون الولايات المتحدة – بقصد تعزيز الشرعية الدولية للسلطة الفلسطينية، وبمعنى أكثر وضوحا لدفع العالم جماعة للاعتراف بالدولة الفلسطينية دون الانتظار لنتائج مفاوضات السلام لأنها متجمدة منذ سنوات.
وفي هذا الإطار جاء اللقاء الصحفي الذي جمع جبريل الرجوب أمين سر حركة فتح وصالح العاروري نائب رئيس حركة حماس في الضفة الغربية. ومع أن اللقاءات تمت مرارا بين قطبي الحركة الفلسطينية فتح وحماس بما يفرض عدم المبالغة في أهميته، إلا أنه أكد تحقق نتيجتين بالغتي الأهمية فيما يتعلق بالمواجهة الفلسطينية الإسرائيلية لإفشال مخطط ضم غور الأردن وأجزاء كبيرة من الضفة تشكل نحو 35% من مساحتها.
فمن ناحية لم يتحدث الطرفان كالعادة عن المصالحة وخطورة الانقسام وتقديم الوعود بشأن إصلاح ذات البين في البيت الفلسطيني، وإنما تحدثا تحديدا عن «النضال المشترك في الميدان» وعن المقاومة الشعبية لإسرائيل. ومن ناحية ثانية أكد اللقاء عودة نشاط حماس في الضفة، وما هو معروف يعد العاروري من أهم القيادات الحمساوية التي تقلق إسرائيل لما قام به من عمليات مقاومة ناجحة وهو على علاقة قوية مع الرجوب. وقد تم اللقاء بناء على موافقة من أبو مازن المعروف عنه معارضته للكفاح المسلح ضد إسرائيل. والمعنى أن رد الفعل الفلسطيني على خطة الضم هو المقاومة المشتركة. والصياغة تعني العمل المشترك سواء اتخذ شكل المقاومة المسلحة أو السلمية (الانتفاضات والعصيان المدني). وما تجنب التركيز على المصالحة إلا مؤشرا على أن الطرفين الكبيرين لا يريدان الدخول في ملف معقد ومحبط هو ملف المصالحة وإنما يضعانه جانبا الآن، والتركيز حاليا على وقف مخطط الضم بكل الطرق ومن ثم توحيد القدرات الوطنية لهذا الهدف تحديدا، وهو أمر جيد ويؤشر إلى حصافة سياسية من الجانبين.
ومثلما كان هناك سؤال عن الخطوة التالية وقت إعلان نتانياهو خلال الانتخابات – عزمه تفعيل خطة الضم، هناك ذات السؤال عقب إعلان العمل المشترك بين فتح وحماس في الضفة الغربية. والرد يمكن أن يكون إجابتين أحدهما سلبية والأخرى إيجابية. فهناك من لا يثقون كثيرا في الخطوة الجديدة التي جاءت على يدي الرجوب والعارورى استنادا إلى أن توجهات السلطة التي تحتكم أساسا إلى فتح، هي التهدئة مع إسرائيل وليس المواجهة مسلحة كانت أم سلمية، ومن ثم لن يكون مصير هذه الخطوة سوى إحداث ارتباك سياسي داخل حكومة نتانياهو بما يجعلها تتباطأ في تنفيذ المخطط أو تنفذه على مراحل متباعدة وبنسبة أقل مما هو معلن. وهؤلاء يرون أن فتح لم تقم بمظاهرات أو احتجاجات ردا على ما صدر عن إسرائيل بخصوص خطة الدعم، ولو أنها صادقة في توجهها بالدخول في صدام مع الاحتلال لفعلت شيئا من ذلك ولو محدود. وبالمقابل هناك من يرون في الخطوة تطورا نوعيا في موقف السلطة وفتح تحديدا، أو أنه انتصار للجناح المتشدد في فتح الذي لا يزال يؤمن بالمقاومة الشعبية مسلحة كانت أم سلمية. وبافتراض التسليم بما هو معروف مسبقا عن رؤية السلطة في التصدي لإسرائيل وفقا لما سبقت الإشارة إليه – فإن موافقة حماس على العمل المشترك وعودتها للنشاط داخل الضفة تشير إلى أن مبدأ المقاومة المشتركة له مصداقية هذه المرة، لأن حماس لن تقبل بالمشاركة في عمل مظهري، ومن الصعب أن يضحي العاروري بتاريخه النضالي وشعبيته داخل حماس، بل على العكس يعمل على استثمار اللحظة التاريخية ليس فقط لصالح حركته وإنما بالأساس لصالح نضال الشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه في زمن عزت فيه المبادئ والقيم. وبافتراض أن الخطوة الجديدة لم تأخذ مسارها المنتظر بسبب ضبابية المواقف الفتحاوية من وجهة نظر المشككين في هذه الخطوة، فإنها سياسيا تنسجم مع مستجدات تتعلق بالوضع السياسي الإسرائيلي الراهن. فمن ناحية لا يتفق جانيتس رئيس الوزراء بالنيابة مع نتانياهو فيما يتعلق بجدوى خطة الضم مما يشكل ضغطا سياسيا عليه، ومن ناحية أخرى هناك كما سبق القول رفضا أوروبيا للخطة لما لها من مخاطر أمنية على المنطقة ككل فضلا عن كونها تقضي على أية فرصة مستقبلا لحل الدولتين. ومؤخرا تحدث جيمي كارتر الرئيس الأمريكي الأسبق بنفس هذا الكلام رافضا الخطة شكلا ومضمونا، والرجل له وزنه في صناعة القرار الأمريكي، ويؤيده في ذلك النواب الديمقراطيون في الكونجرس وجون بايدن المرشح عن الحزب الديمقراطي لمنصب الرئاسة في الانتخابات القادمة.
ولذلك فإنه في حالة تفعيل العمل المشترك بين فتح وحماس وفقا لمبادرة الرجوب التي باركها أبو مازن، وبأي صورة من الصور التي تظهر موقف حكومة نتانياهو بالضعف، ستجد من يلوم هذه الحكومة من صناع القرار في العواصم الغربية وخصوصا داخل الولايات المتحدة. هم لن يحبذوا بالطبع هذا العمل، لكنهم من جهة أخرى سيلومون هذه الحكومة وسيحرجون الرئيس ترامب المؤازر لها مما يهدد فرصه في الاستمرار في البيت الأبيض.
يضاف إلى ذلك أن العاروري الذى تقبل مبادرة الرجوب برغم كل ما بينهما من تباينات سياسية كبيرة له علاقات قوية مع كل من حزب الله اللبنانى والحرس الثوري الإيراني والرسالة الواضحة الموجهة لإسرائيل الآن هي أن قطبي المقاومة الفلسطينية وضعا يديهما مع بعضهما البعض وقررا العمل المشترك ضدها ووراءهما قوتان لدودتان لإسرائيل هما حزب الله والحرس الثوري.
فعندما تغلق إسرائيل كل الأبواب وتفعل ما لا يقبله أي عرف أو قانون دولي ولا تبالي بالتداعيات، فإنها تعطي شرعية للطرف الذي يقع عليه الظلم أن يلجأ إلى كل الخيارات دفاعا عن حقوقه ووجوده. ولأن إسرائيل لا تفهم سوى لغة القوة، فإنها لن تتراجع عن مخططها إلا بتحركات من شاكلة ما ذهبت إليه فتح وحماس. ولن تفسد الطبخة إلا عندما تتدخل أطراف فلسطينية أو خارجية تجهض هذا التعاون المفترض لأسباب تتعلق بمصالحها وليس بدواعي الحرص على الصالح الفلسطيني.
ما جرى هو اختبار للحصافة السياسية عند كل من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. وبحكم التجارب في الملف الفلسطيني الإسرائيلي، فإن عديد الفرص الضائعة التي كان من الممكن استغلالها لحل مشكلات هذا الملف بما يرضي كل الأطراف، باءت أساسا بالفشل نظرا لغياب الحصافة السياسية عند هذا الطرف أو ذاك. وفي الحالة الراهنة لا يتسم قرار الضم بأي سمة للحكمة وإعمال العقل ويخضع لاعتبارات شعبوية من اليمين المتطرف في إسرائيل مدعوما من هم على شاكلتهم في الإدارة الأمريكية الحالية، وعليه فإن الاختبار لن يكون في صالح نتانياهو وأنصاره في الحكم وفي الشارع السياسي حيث النتيجة المتوقعة هي الفشل، وعلى العكس من ذلك بدا الموقف الفلسطيني حصيفا سياسيا لأنه نحّى الخلافات المعتادة وتبنى هدفا واحدا محددا بوضوح هو وقف خطة الضم وتحدث عن مقاومة مشتركة أي لا يحدد موعدها ولا مضمونها طرف واحد وإنما بموافقة الطرفين وهنا يراعي القرار عديد الاعتبارات ومن ثم يتسم بالعقلانية. هي فرصة لإحداث اختراق للصالح الفلسطيني العام، والأمنيات هي ألا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.