الطيور الغازية .. المينا ينتشر ويقضي على الطيور المحلية ويعبث بالمحاصيل الزراعية

سقوط «حجر الزاوية» يقطع السلسلة الغذائية ويهدد النظام البيئي –

كـــــــتب : عبدالله بن سيف الخايفي –

ما حجر الزاوية أو «النوع الأساس» في النظام البيئي؟ كيف يعمل الهرم الغذائي وسلسلة الغذاء في الحفاظ على هذا النظام ؟ من هم غزاة البيئات وكيف يتسببون في انقراض الأنواع الأساسية ؟ كيف يتداعى حجر الزاوية ومتى يسقط؟ ماهي مخاطر سقوطه وآثارها على المحيط الحيوي والنظام البيئي؟
حجر الزاوية في الهندسة هو الحجر الذي يقوم عليه هيكل البناء وبسقوطه ينهار المبنى كاملا. هذا الحجر أو النوع الأساس في النظام البيئي يمكن أن يكون حيوانا كالنمر، وقد يكون كائنا بحريا كالقرش أو طائرا كالغراب أو حشرة كالنحل أو نباتا كالصبّار أو أي كائن آخر قد لا ندرك أهميته ولكن انقراضه يمثل سقوطا مدويا مخلفا خللا كبيرا في المحيط البيئي ومع الزمن انهيارا تاما للنظام البيئي.
أما الغزاة فهم كائنات حية ( حيوانات أو طيور أو حشرات وزواحف أو كائنات بحرية او نباتات) قادمة او استقدمت بتدخل بشري من بيئات أخرى لا تنتمي لبيئة النوع الأساسي او حجر الزاوية فتحتل بيئة الأخير وتعيش في محيطه الحيوي دون ضابط، فتعمل على التحكم في المحيط حتى ينهار.

بين الفريسة والمفترس
بين الفريسة والمفترس يدور تحقيق ($) الذي يناقش خطر سقوط حجر الزاوية او النوع الأساسي المسؤول عن حفظ التوازن في النظام البيئي ويبحث في مستوى الخلل الذي يحدثه غزو بعض الطيور والحيوانات والنبات لبيئات غير بيئاتها وسيطرتها على تلك البيئات وتسببها في انقراض الأنواع الرئيسية وتدمير المحيط الحيوي والنظام البيئي.
طائر المينا
في ساحل الباطنة بات طائر المينا يسيطر على المحيط الحيوي فقضى على الغراب المحلي الذي تناقصت أعداده بشكل ملحوظ بعد أن هاجم أعشاشه والتهم بيض أنثاه ، وأصبحت المحاصيل الزراعية مرعى للمينا الغازي يرتع فيها ويتلفها كيف يشاء. واتسع نطاق وجود طائر المينا الغازي ليحتل المدن أيضا ويستوطنها ويعيش مجاورا للنشاط البشري.
انتشار أسراب الجراد مؤخرا في محافظة ظفار أثار انتباه المهتمين بالبيئة في الوقت الذي يتربع فيه طائر المينا الهندي «الغازي» المكان ويراقب المشهد بعد أن قضى على الطيور التي كان الجراد وجبتها الغذائية وتتولى مسؤولية القضاء عليه وإعادة التوازن في المحيط الحيوي.

دمار كامل للمحيط
الحيوي على المدى البعيد

الباحث في علوم البيئة محمد بن سهيل عكعاك راقب وضع انتشار الجراد وأطلق تنبيها حول انتشاره وتحذيرا من وجود طائر المينا وقال إنها ليس قضية حشرات وطيور وإنما هي أخطر من ذلك بكثير، فيمكن أن تحدث على المدى البعيد دمارا كاملا للمحيط الحيوي. وأوضح ان هذه الطيور او الكائنات ربما تمثل حجر الأساس والنوع الرئيس؛ فهي مهمة جدا في محيطها الحيوي وعندما يقضي عليها الكائن الغازي ستظهر على أثر هذا الخلل أنواع جديدة من الكائنات الحية، كان طائر «الحجر الأساس» يقضي عليها ويضبط توازنها في المحيط الحيوي ،فالله سبحانه خلق كل شيء بتوازن وحدوث خلل في هذا التوازن الطبيعي يدمر النظام البيئي.
وأكد عكعاك الذي يتخصص في علوم البيئة أن طائر المينا الغازي قضى على الكثير من الطيور التي كانت تتكفل بالقضاء على أسراب الجراد ،ما يفسر انتشار الجراد دون رادع طبيعي، لافتا إلى أن طائر المينا الهندي ليس خطرا على الطيور فقط وإنما يهدد المحيط الحيوي بأكمله . مضيفا : ربما في وقت لاحق تظهر أنواع أخرى من الزواحف والحشرات والقوارض وليس الجراد فقط والتي كانت طيور معينة كالغراب المحلي تقضي عليها.
وحذّر من سيطرة الحيوانات والزواحف والحشرات على المحيط الحيوي دون حسيب أو رقيب عندما ينقرض النوع الأساس الذي يتولى ضبط توازن وجودها ،وربما يطال ضررها الأشجار والنباتات عموما وتقضي على المحيط الحيوي بأكمله.
الطيور الغازية في عمان
وكشف عكعاك عن ثلاثة أنواع من الطيور الغازية تتواجد في عمان أشهرها طائر المينا (Acridotheres tristis ) والذي تم تصنيفه ضمن قائمة تشمل مائة نوع من أسوأ الأنواع الغازية في العالم، الصادرة عن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) .
هذا الطائر يعيش كزوجين معا ويضع ما يصل من اثنين إلى خمس بيضات في العام، وتحتاج فراخ طائر المينا من الفقس إلى الطيران كمتوسط (25) يوما، ويبلغ متوسط حياة الفرد في البرية أربع سنوات.
تأثيرات اقتصادية
ويشرح عكعاك تأثير طائر المينا اقتصاديا على المحاصيل الزراعية للفواكه، فيشير إلى أن الدراسات سجلت اتلاف محاصيل الفاكهة بما في ذلك العنب والمشمش والتفاح والكمثرى والفراولة والتين، فضلا عن صوتها المزعج والعال طوال العام، ، كما أنها ناقلة لأمراض متعددة وتتصف بأنها جريئة وذكية حيث يمكن أن تأكل من أطباق الطعام اذا كانت على الطاولات خارج المطعم وهذا يسبب الإزعاج وينقل الأمراض أيضا.
وأوضح أن طيور المينا تتكاثر بدرجة كبيرة ويمكن أن تصل أعدادها الى 160 ألف طائر، وتنافس الطيور المستوطنة على الغذاء والموائل حيث يعتبر خسارة الموئل أحد العناصر الخمسة التي تهدد التنوع الحيوي.
الغراب الهندي
ويمثل الغراب الهندي (Corvus splendens) النوع الثاني وموطنه الأصلي في شبه القارة الهندية وينتشر الآن في أكثر من 25 دولة حول العالم.
وتشير المعلومات المتوفرة عن هذا الكائن إلى أنه جرى إدخاله خلال القرن التاسع عشر في بعض المواقع من أجل تنظيف النفايات والقضاء على القوارض في الحقول، ويتغذى على اللحوم والطيور والزواحف والدجاج والبيض والقمامة والنفايات وبقايا الأكل البشري، ويعيش في بيئة حضرية وشبه حضرية حيث يعتقد انه مجاور للأنشطة البشرية ولم يكتشف أي مستوطنات له بعيدة عن النشاط البشري.
مهاجمة الأعشاش
وأوضح عكعاك : ان هذا الطائر اقتحم الأنظمة البيئية فيهاجم الاعشاش ويقضي على الطيور صغيرة الحجم، ولديه القدرة المتقدمة على إزاحة الطيور المنافسة له من اعشاشها وأماكن سكنها وقد يسبب انقراض الطيور الأقل تنافسية معه، كما يمكنه مهاجمة الثدييات الصغيرة كالحملان والماعز والعجول ، وينقل ثمانية امراض معدية للإنسان، كما يمكنه ان يسافر يوميا الى عشرين كيلومترا من مكان تعشيشه إلى أماكن توفر الغذاء ويهاجم الحمام المنزلي وأعشاشه،وجرى تسجيل هجومه على البشر في بعض الدول.
الببغاء ذو الحلقة الوردية
اما النوع الثالث من الطيور المصنفة كطيور غازية فهو الببغاء ذو الحلقة الوردية ( Psittacula krameria) وهذا النوع قد يكون الأخطر على المحيط الحيوي فهو لا يحمل تأثيرات مباشرة وعاجلة بل تأثيراته طويلة الأمد فيعيش الى 34 عاما، ويملك خصوبة متقدمة حيث يضع في ما يصل الى سبع بيضات كل عام وتصل الصغار الى سن النضج بعد ثلاث سنوات وله استقرار عددي في 35 دولة حول العالم ويمكن ان يحل محل الطيور المحلية بشكل تدريجي، حيث يعتمد على الطيور الأخرى للحصول على العش وبذلك يهاجم أعشاشها.
التنافس .. والبقاء للأقوى
عكعاك الباحث والمتخصص في علوم البيئة حذّر من الأضرار على المدى البعيد وقال : التنافس على الموائل سيكون له أثر كبير جدا في المستقبل عندما تزداد أعداد هذا النوع الغازي بشكل متقدم، كما أنها تحمل عددا من الامراض التي يمكن ان تنتقل إلى الانسان، كما أن لها تأثيرا بالغا على المحاصيل الزراعية. وقال إن الطيور الغازية بالإضافة إلى تأثيراتها السابقة يمكنها أن تحل محل الطيور المستوطنة المحلية مع الوقت وذلك بناء على قانون الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح، فإذا حدث التنافس بين نوعين من الكائنات الحية على نفس مصدر الغذاء في نفس البعد المكاني (Ecological niche) ينقرض أحد الأنواع ويبقى الأقوى، لافتا الى أن كل الطيور التي تم التطرق لها تمتلك صفات أقوى بكثير من العديد من الطيور المحلية.
ضبط التوازن البيئي
وقال إن النظام البيئي يتحمل آثار ذلك الغياب المفاجئ لأنواع مستوطنة فيه منذ مئات السنين، وسيكتشف المجتمع العلمي والمدني حقيقة الأثــر في تلك اللحظة، مشيرا الى ان الافتراض الدائم أن كل الأنواع الحية لها دور مهم في النظام البيئي وتقوم على ضبط التوازن البيئي حتى وإن لم يتوفر دليل على ذلك في الفترة الحالية.
وأكد أن بعض الأنواع قد لا تكون لها أهمية رئيسية ولا تكون نوعا رئيسيا لذلك غيابها قد لا يحمل تأثيرا كبيرا على النظام البيئي لكن بعض الأنواع الأخرى قد تكون رئيسية واساسية في المحيط الحيوي وغيابها قد يساهم بشكل متقدم في انهيار النظام البيئي بشكل متتابع من خلال انقراض أنواع أخرى.
في الحلقة المقبلة يناقش تحقيق (عُمان) موضوع الطيور الغازية وكيف دخلت الى بيئتنا ؟ وماهي مبررات وجودها؟ وسنتطرق الى مراحل الغزو وعلاقته بالإنسان وتدخلاته، وكيف يمكن ضبط هذه التدخلات في النظام البيئي؟ كما سنتحدث عن أخطر الممارسات التي يمكن ان تؤذي البيئة والنظام البيئي على المستويين القريب والبعيد، وعن الاختلالات في النظام البيئي، وكم يحتاج من الوقت لملاحظتها بشكل واضح؟ ، وعن الطرق الواجب اتباعها للتعامل مع الطيور الغازية وإعادة التوازن للنظام البيئي.