نوافذ : هل فشلت المنظومة الصحية أم فشل وعينا؟!

عــاصـم الشـــيدي –
assemcom@hotmail.com –

نحن شعوب نحب أن نصدر أحكاما مبنية على الأهواء الشخصية، في الغالب، والبعيدة عن الموضوعية والمنطق الذي تبنى نظرياته على المقدمات والنتائج. والعلم لا يعترف بالأهواء، ولا تبنى نتائجه على الهوى مهما توسلنا القدر، ومهما نمقنا الحديث لنضفي عليه مصداقية وموضوعية، فكل هذا لا قيمة له في سياق العلم، ولا يفترض أن يكون له صوت في لحظة الحقيقة التي تفرق بين الحياة والموت خاصة عندما يكون الأمر متعلقا بوباء قاتل تقف البشرية عاجزة عن التصدي العلاجي له. أقول هذا الكلام وأنا أتابع بعض الجدل الذي دار بين الناس على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، سواء بشكل جماعي، أو بنقاش ثنائي، حول تصدي السلطنة لوباء كورونا، والذي بدا لي أنه وضعَ النتائج أولا ثم دار حولها في نقاش بعيد عن النقاشات العلمية، وقريب من الحوارات السطحية المشحونة بالعاطفة والتي تكون النتائج فيها مسبقة وجاهزة يتم استدعاؤها متى ما أردنا إظهارها. وإذا حضرت العاطفة والأحكام الشخصية غاب المنطق وموضوعية العلم. كان النقاش حول تعامل السلطنة مع وباء كورونا، وكانت النتيجة التي سبقت ذلك النقاش أن النظام الصحي فشل في التصدي للوباء وفي إبطاء انتشاره، ولقي وزير الصحة خلال ذلك بعض الهجوم ونالته بعض الأحكام الجاهزة. لا أريد أن أدافع عن وزير الصحة ـ رغم أنني لا أرى في ذلك مانعا ـ ولا تربطني به أي معرفة عدا معرفة الصحفي بمسؤول جعلته الظروف في طليعة المشهد الإعلامي في معركة هي قمة للمأساة الإنسانية، وهكذا كانت الأوبئة على مرّ التاريخ، ولكن سأحاول تفكيك النتيجة التي دارت حولها نقاشات بأثر رجعي لأعرف هل كانت نتيجة موضوعية أم لا.
سأعتقد، بناء على فهمي لسياقات تلك النقاشات، أن ذلك الحكم مرده استمرار ارتفاع أعداد المصابين بعدوى فيروس كورونا التي تسجل يوميا في السلطنة. وسأبدأ بسؤال أراه منطقيا هنا: هل تتحمل وزارة الصحة «التي اتهمت بالفشل!» مسؤولية زيادة الأعداد اليومية أم نتحملها نحن أفراد المجتمع؟!
نحن أمام وباء خطير جدا يجتاح العالم من أقصاه إلى أقصاه، تسبب في عدوى أكثر من 13 مليونا في العالم وتسبب بوفاة 560 ألفا حول العالم، وباء لا لقاح يمنع من الإصابة به، ولا يتوفر علاج مباشر يشفي المصاب به، كل ما تستطيعه البشرية بكل ما وصلت إليه من علم وتقدم أن توفر للمرضى علاجات مساعدة وثانوية تحاول من خلالها علاج الأعراض التي يسببها المرض، أو تخفف بعض الألم الذي يتعرض له المريض، وهذا ما تقوم به كل الأنظمة الصحية في العالم من أمريكا في أقصى الغرب إلى الصين في أقصى الشرق.
وإذا كانت السلطنة تصنف اليوم أنها من بين أكثر الدول إصابة مقارنة بعدد السكان فإن هذا الأمر يقف في صالح النظام الصحي لا عليه، ويحيل إلى قوة المنظومة الصحية في السلطنة التي ما زالت صامدة أمام الأعداد اليومية التي تصاب بالعدوى وتحتاج إلى متابعة وترصد وبائي والأعداد اليومية التي تحتاج إلى الرعاية الصحية والأعداد اليومية التي تدخل إلى غرف العناية المركزة، في وقت رأينا جميعا كيف أن أنظمة صحية كبرى في دول متقدمة لم تستطع الصمود، وأجبرتها الجائحة إلى الذهاب إلى طبابة الحرب التي يتم فيها الاختيار بين من يستحق تقديم العناية الصحية ومن لا يستحق. وسمعنا شهادات من دول أوروبية بقي فيها المرضى يختنقون أمام المستشفيات التي لم تستطع أن تقدم لهم المساعدة لأنها ببساطة لا تملك الأسرة ولا تملك الأجهزة بسبب الأعداد الكبيرة التي تحتاجها! لم يحدث شيء من هذا في مؤسساتنا الصحية، ولم يتحدث، المناقشون أم غيرهم، أن محتاجا للرعاية الصحية منع عنها، سواء كان فيما يتعلق بوباء كورونا أم الأمراض الخطيرة الأخرى التي لم يشفَ أصحابها وما زالوا في المستشفيات يتلقون العلاج. وما زالت الطواقم الطبية تواجه المعركة ليلا ونهارا، وما زالت تقدم تضحيات كبرى.. وقد ذهبت شخصيا إلى غرف العناية المركزة في المستشفى السلطاني وشاهدت بشكل مباشر كيف تدار المعركة هناك، وكيف تعمل الطواقم الطبية 12 ساعة في اليوم في وقت عزلت عن أسرها وعن أحبابها وعن ممارسة أي طقس من طقوس الحياة، ووهبت كل وقتها للعناية بالمرضى ومحاولة التخفيف عنهم، وتعرض الكثيرون منهم للإصابة ودخلوا العناية المركزة، بل أن بعضهم فارق الحياة في وقت كان يريد أن يمنح هذه الحياة لمريض آخر.
وعرضت وزارة الصحة الاستراتيجية العلمية الوحيدة للوقاية من الفيروس، والمتمثلة في التباعد الاجتماعي ثم التباعد الجسدي وأساليب النظافة المعروفة وهي الاستراتيجية نفسها المعمول بها في كل دول العالم، وحرصت الوزارة في كل رسائلها وتعاملها مع وسائل الإعلام على الشفافية الكبيرة، وبقي على المجتمع أن يقرر بنفسه هل يلتزم أم لا يلتزم، وفي المجمل ليس دور وزارة الصحة أن تمارس «الردع أو القمع» الذي تحدثت عنه في مقال نشر في هذه الجريدة الأسبوع الماضي. أوصلت الوزارة حقيقة الوباء للجميع، وأعلمتهم بطرق الوقاية منه وجهزت نفسها للأسوأ وما زالت تقاوم في معركة تبدو أنها طويلة. أما وزير الصحة فسمعته أكثر من مرة يقول إنه يعول على وعي الناس بعيدا عن «الردع والقمع» وفي كل مرة يقول إنه ما زال يثق بذلك الوعي، وفي الحقيقة هو لا يملك إلا أن يعول على وعيهم الذي أثبت أن الإفراط في التعويل عليه لا يأتي بنتائج مبهرة تماما.
ومما سبق يبدو أن علينا أن نشد من أزر المنظومة الصحية في السلطنة ونشيد بقوتها ومتانتها في وجه هذه الجائحة ونقول بكثير من الاطمئنان أنها «نجحت» في اختبار الصمود، بل إن الدولة كلها نجحت في هذا الاختبار الصعب في الوقت الصعب. وأن الذي يحتاج إلى مراجعة ونقاش حقيقي هو وعينا، وعينا بالأخطار التي تحيط بنا، ووعينا بكل شيء حولنا. وعلى الدولة بكل مؤسساتها أن تعرف أن الوعي لا يبنى في اللحظة التي نحتاج له، والوعي الصحي جزء لا يتجزأ من الوعي العام: سياسي أم اجتماعي أم اقتصادي أم ثقافي.. ولا يمكن أن نطلب وعيا صحيا من فرد لا يملك وعيا سياسيا ولا ثقافيا. وبناء الوعي يبدأ من المهد عبر مؤسسة الأسرة ويستمر عبر المؤسسة التعليمية والإعلامية والدينية وهذا هو التحدي القادم إذا أردنا فعلا أن نعول على موضوع الوعي خلال مواجهتنا للأزمات.