تضاريس الذاكرة.. سيرة أبو زيد كما رواها

إيهاب الملاح
– 1 –
“لا أريد أن يؤخذ عني انطباع بأنى ضد الإسلام، بل على العكس من ذلك، أنا لستُ سلمان رشدى جديدًا. إن أحد أكبر مخاوفي أن يعتبرني الغربيون ناقدًا للإسلام. هذه ليست الصورة كاملة، أنا معلم وباحث ومفكر. أرى دوري هو إنتاج الأفكار، كما أتعامل مع القرآن كنص إلهى أوحي به للنبى محمد. هذا النص وصلنا فى صورة لغة بشرية هى اللغة العربية، وبالتالي، كانت أبحاثي تدور حول نقد الخطاب الإسلامي. لقد بينت كيف أن المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تستخدم الخطاب الديني لتستحوذ على السلطة، وقد هدد ما كتبته مَن يمتلكونها”.
نصر أبو زيد (1943-2010)
– 2 –
عشر سنوات على رحيل الباحث والمفكر المجدد نصر حامد أبو زيد، وما زالت المساحات التي تكتسبها الرغبة المعرفية العارمة والمتزايدة لدى أجيال جديدة تتسع دوائرها، وكأن ما ألقاه أبو زيد من حجر تلو الآخر في مياه الثقافة التقليدية الراكدة قد بدأت موجاتها المتتالية تتسع أكثر فأكثر وتستوعب أجيالًا وأجيالًا؛ مَن كان عمره عشر سنوات لدى رحيل نصر أبو زيد، صار في العشرين الآن مسلَّحًا بفائض من الرغبة والفضول الحارق لطرح الأسئلة والبحث عن إجابات محتملة، وهذا بالضبط هو جوهر المشروع الفكري والثقافي لنصر أبو زيد، إذا جاز التعبير.
تظل سيرة نصر أبو زيد إحدى أيقونات الدفاع عن الحرية، أيا كان الثمن ومهما كانت التضحيات، فقصة أبو زيد، هي في حقيقتها وجوهرها استكمال لقصة المعاناة والشجن والمرارة والألم في مسيرة الفكر العربي والإسلامي، ومن ابن رشد إلى نصر أبو زيد ما زالت المأساة تعرض فصولًا، وما زالت المحن تحرق بنارها عقولًا أبَت إلا أن تكون مُنيرة ومعلمة ورائدة، وامتدادًا لنكبات المثقفين الذين قالوا لا في وجه من قالوا نعم، والذين رفضوا الخضوع والانصياع للأوهام والمقولات المحنطة والأفكار الجامدة المتحجرة.

– 3 –
ولد أبو زيد في وسط ريفي لأسرة رقيقة الحال. تخرج من شعبة الدراسات الإسلامية بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم عين مباشرة مدرسا بنفس القسم المذكور. برز على الساحة المصرية في حقبة الثمانينيات بعدد من الدراسات التي عرض من خلالها لأفكاره حول تحليل النص القرآني، واستخدام آليات التأويل الحداثية .
كان نصر قبل وقوع محنته معروفًا في الدوائر الأكاديمية والأوساط الثقافية المصرية والعربية “النخبوية”؛ مشهوراً بقصة كفاحه المشرفة وعصاميته مضرب الأمثال؛ إذ كان يتيماً توفي والده وهو في الرابعة عشرة من عمره، فاضطر إلى إرجاء دراسته النظامية لتحمل مسؤولية أسرته كبيرة العدد، والتحق بوظيفة حكومية بهيئة الاتصالات اللا سلكية؛ وفي أثناء ذلك أكمل دراسته الثانوية وحصل على شهادتها بتفوق، ثم التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة ليتخرج في قسم اللغة العربية عام 1972 بامتياز، وقد كان الطالب الوحيد في دفعته الحاصل على هذه المرتبة .
وخلال الفترة من 1970 وحتى 1990 بنى نصر أبو زيد بدأب ومثابرة واجتهاد حقيقي مجده العلمي والأكاديمي؛ فحصل على الماجستير والدكتوراه في الدراسات اللغوية والإسلامية، وأجاد الإنجليزية وترجم منها، وسافر إلى الولايات المتحدة في منحة دراسية لمدة عام، ودرَّس في جامعات اليابان لمدة أربع سنوات، ثم عاد إلى جامعته الأم أستاذاً مساعداً مرموقاً في الدراسات اللغوية والإسلامية .
حتى ذلك التاريخ، كان نصر قد أصدر قرابة الكتب الخمسة؛ كان من أهمها “مفهوم النص.. دراسة في علوم القرآن” الذي صدر عام 1990 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب؛ والذي حمل بذور حلمه المنهجي الكبير بتأسيس منهج “نقدي” لدراسة الخطاب الديني على أسس علمية حديثة. أما أخطرها والسبب الرئيس والمباشر الذي أثار عليه ثائرة المتزمتين المتطرفين فكان كتابه “نقد الخطاب الديني” الذي صدر في أواخر ثمانينيات القرن الماضي أو مطالع التسعينيات.
وكل ما كتبه أبو زيد حتى هذا التاريخ يدخل في هذه الدائرة من دراسة الخطاب الذي ينتجه البشرُ عن دينهم، وعبارته “نقدُ الخطاب الديني” لا تنصرف، قط، إلى نقد الدين وإنما نقد “مفاهيمه التأويلية”، و”تصوراته التفسيرية” في أذهان المؤمنين به أو الممارسين له أو الدارسين لنصوصه على السواء، كما أن إطاره المرجعي في ذلك كله هو الميراث العقلاني للمعتزلة على وجه الخصوص.

– 4 –
“تضاريس الذاكرة .. نصر حامد أبو زيد” الصادر عن مؤسسة البيت العربي بمدريد وقرطبة للثقافة العربية والدراسات الإسلامية، في عام 2011. ثالث الكتب الحوارية التي تَغَيَّت عرض سيرة نصر أبو زيد ومشروعه وأفكاره؛ وهو أيضا أصغرها من حيث الحجم والتكثيف وضغط المعلومات؛ فإذا كان كتاب جمال عمر “أنا نصر أبو زيد” (صادر عن دار العين المصرية) وكتاب إستر نيلسون “صوت من المنفى تأملات في الإسلام” (صادر عن دار الكتب خان المصرية) يتحريان التفاصيل الدقيقة قدر الإمكان بسؤال نصر عن كل تفصيلة مهما دقت أو صغرت في سيرته وعبر رحلة حياته من البداية، فإن “تضاريس الذاكرة” يكاد يكون النواة الكاملة لهذين الكتابين، إنه التكثيف الموجز للعملين السابقين دون وسيط ودون تدخل؛ هنا نصر فقط هو المتحدث، والمتن الذي تقرأ عبر الصفحات المائة باللغتين العربية والإسبانية، هو تفريغ أمين وحرفي لكل ما ندّ عنه خلال الحوار المسجل على أربع أسطوانات مدمجة مدة كل منها عشرين دقيقة.
يقف وراء إعداد الكتاب بهذه الصورة الباحثان والمحرران الإسبانيان اللذان قاما بإجراء هذه المقابلة مع أبو زيد في مدريد بإسبانيا، وهما رافائيل أورتيغا؛ ورثيو بانكيث (باحث رئيسي وباحثة في البيت العربي ومعهده الدولي لدراسات العالم العربي والإسلامي)

ولا يخلو الكتاب من هذه الصور واللوحات الإنسانية الرقيقة، التي تجسد نفسية وتكوين نصر أبو زيد إنسانيا وعاطفيا، دون أن يغرق فيها، أو تستغرقه كليا، مركزا في الجانب الأكبر على تتتبع المسار العلمي والبحثي لأبو زيد منذ كتب مقاله الأول عن “الأغنية الشعبية” وهو في مطالع العشرينيات، مرورا بكفاحه الدراسي والعلمي وحصوله على الماجستير والدكتوراه في الدراسات الإسلامية، وصولا إلى بروز مشروعه الفكري ودراساته وأبحاثه حول القرآن والخطاب الديني والتراث والفكر المعاصر كأحد أهم الطروحات الفكرية في العالم العربي كله .

– 5 –
يوضح نصر أبو زيد في حواره النادر مع الباحثين الإسبانيين أنه كان معنيا بالأساس بإشكال القراءة العلمية للتراث، ومن ضمنها كل ما أنتجه البشر من خطابات وعلوم حول النص المركزي في الحضارة الإسلامية وهو القرآن الكريم.. ورغم مرور عشر سنوات كاملة على رحيله، لم تغب أطروحاته وأفكاره التنويرية التجديدية التي جلبت عليه لعنة المتزمتين والمتطرفين؛ إما لأنهم لم يفهموها أساسا، أو بعضهم فهمها وأدرك خطورتها من حيث هي نسف فكري وجذري لسلطتهم هم التي كانوا يعتبرونها هي والقرآن شيئا واحدا.
لم يكن خلاف نصر مع الإسلاميين، قطّ، حول الدين، لكنه كان حول “الفكر الديني” الذي أنتجه البشر حول النص المقدس “القرآن الكريم”.
ماذا يبقى من نصر أبو زيد إذن؟ وهل تعيد الثقافة العربية “المنكوبة” اكتشاف مشروع واحد من أكبر مصلحيها ومجدديها بالمعنيين الإنساني والمنهجي؟ وهل ستكون أعمال أبو زيد أحد الركائز الفكرية والثقافية التي تساعدنا في الانتقال من وهاد الضرورة إلى آفاق الحرية؟
المستقبل وحده يحمل الإجابة عن هذه الأسئلة..