المواطنة كانتماء عمومي

محمد جميل أحمد –
دوائر انتماء الفرد دوائر عديدة ومتداخلة في الوقت نفسه. لكنها ليست على نحوٍ واحد من الأهمية بحسب مركز دائرة الاهتمام التي تهيمن على ذلك الفرد.
يمكن القول، إن مركز الاهتمام في ذهن الفرد من حيث قوة انتمائه لا تتنازعه دائرة أخرى على ذات القوة والمركزية، لكن يمكن أن تكون دائرة ضمن دوائر أخرى.
في العصور القديمة، كانت دائرة الاهتمام تنحصر مركزيتها حول الأديان، وقد شمل ذلك كافة مجتمعات العالم القديم، لكن في عصر الحداثة السياسية، أي منذ عام 1648م ظهرت في أوروبا دائرة انتماء جديدة لأول مرة في التاريخ، وهي، في الوقت ذاته، تم تأسيسها لتكون دائرة اهتمام أول، وهذه الدائرة هي الوطن وعلاقتها هي المواطنة.
لا نريد الخوض في الأسباب التي دفعت إلى اللجوء إلى هذه الدائرة التي اكتشفها البشر في نموذج الدولة الحديثة، ولكن يهمنا هنا أن هذه الدائرة /‏ الدولة كانت صيغة لاجتماع سياسي ترتب عليها تسكين كثير من تناقضات المجتمعات الأوروبية قبل اكتشاف دائرة انتماء الدولة، أي عندما كان الحال في عهد الامبراطوريات الدينية.
نموذج الدولة القومية الحديثة في قدرته على امتصاص تناقضات المجتمع الدينية نجح في الغرب نجاحا دفع بذلك الغرب إلى تعميمه، نموذجا، في بقية العالم، لكن من خلال حركة المد الاستعماري خلال القرون الثلاثة الأخيرة.
لكن الأسباب التي حدت بالغرب إلى انتهاج نموذج الدولة القومية، بدت في اختلافها عن أسباب نشوء دول العالم الثالث أكثر تفسيرًا لما يمكن أن يكشف لنا طبيعة الإعاقات التي تجعل من دول العالم الثالث تنحو دائمًا إلى الفشل في الرقي بنموذج دولة المواطنة، لا سيما في كثير من البلدان العربية والإفريقية.
هذا بطبيعة الحال سيعيدنا إلى فكرة الانتماء الذي تفترضه الدولة القومية التي تم تعميمها قسرًا في البلاد العربية. ففي الكثير من دول إفريقيا والدول العربية لا يعكس الانتماء إلى الدولة والوطن سويةً واحدةً من الفهم، ففي بعض تلك الدول هناك من يخلط بين القبيلة والوطن عبر تشويش بالغ الضرر في تصوراته، وهناك من يخلط بين الوطن والطائفة في مركز دائرة اهتمامه، كما أن هناك من يخلط بين الدين والوطن في دائرة اهتمامه فينتج عن ذلك اختلال عظيم يفضي إلى تناقضات متوهمة، لكنها ستكون خطيرةً في مفاعليها إذا وجدت من يؤمن بها ويطبقها.
إن الانتماء الذي تفرضه الدولة عبر المواطنة وحقوقها، لا يتعارض مع الدين في جوهره لأن الدين دين والدولة دولة، ولكنه يتعارض، بل يتناقض، داخل الذهنيات المشوشة حين تتوهم ذلك عبر رؤى أيديولوجية كما في حالة الإسلام الموظف سياسيا.
لقد أصبحت صيغة العالم المعاصر في علاقات الدول، وهي علاقات تحددها بالأساس فكرة المواطنة عبر التعاملات المختلفة في المواثيق والوثائق، هي الأكثر تأثيرًا وقوة في الإحساس بالمواطنة واعتبارها هويةً بارزة لدائرة الاهتمام الأول.
وحين يرى البعض أنفسهم في كثير من الدول في العالم الثالث فيما هم يتمتعون بخدمات المواطنة في دولهم، أن هناك دوائر اهتمام في الشأن العام يفترضون فيها تناقضًا مع صيغة المواطنة فإنهم بذلك يعكسون شللًا إراديًا، أو عدم استعداد لمعرفة حيثية تلك العلاقة المواطنية وحرمتها. ولهذا فإن أصدق تعبير يعبر عن حالهم تلك هو أنهم أشخاص متخلفون.
إن قدرتنا على ضبط دوائر انتمائنا دون تعارضات أو تناقضات نتوهمها، لا تتأتى لنا بمجرد التمني، بل هي قدرة تنميها المعرفة والتربية والتعليم والأخلاق، وبالتالي كلما كنا أكثر تمكنا في التعليم والتربية والمعرفة، كلما أصبحنا أقرب إلى فكرة التصالح مع دوائر الانتماء في تصوراتنا العامة.
بطبيعة الحال ستكون نظم الإدراك التي تنجح في أن تجعلنا أكثر تماهيًا مع فكرة المواطنة من خلال شبكة تفاعلية في أجهزة الدولة، هي النظم التي تعكس المبدأ التفسيري لتصرفاتنا كمواطنين راشدين.
الانتماء الذي تعكسه فكرة المواطنة منذ ظهورها مع الدولة القومية، هو اليوم من أفضل العلاقات التي تضبط وعينا وتجعلنا أكثر قدرةً على تمثل هويتنا الموضوعية داخل أوطاننا. ذلك أن ما تضخه التمثيلات المتوهمة للقبائليات والطوائف ونماذج تدين الإسلام السياسي، لا تبيعنا سوى الوهم، ولا تجلب لنا إلا فسادًا من التناقضات المتعارضة في تأويلاتنا المختلفة لفكرة الفضاء العام وفق تلك التمثيلات الفاسدة.
هذا لا يعني أن العالم بلغ ذروة التسامي الأخلاقي في العلاقات البينية، خصوصا بين الدول والكيانات، أي في علاقاته الدولية. ولكن يعني أن فكرة المواطنة في الدولة الحديثة إذ تجعل من دائرة الانتماء مختصة بها في المقام الأول فيما يتصل بالشأن العام في كل دولة، فإن ذلك يعمل بالضرورة على بناء هوية وطنية آمنة لكل دولة من دول العالم على حدة. ومتى ما بدت كل دولة حريصة على تحرير فكرة المواطنة وتأطيرها في نظم إدراك ونظم تعليم ونظم علاقات عامة أكثر حرية ومعرفة وعقلانية، كلما كانت أقرب إلى حصد ثمار النجاح والتقدم.