أمتنا بين استعادة الوعي وغيابه!

عبد الله العليان –

تعيش أمتنا العربية منذ عدة عقود، في أزمات متتالية، منذ حرب الخليج الثانية 1991، والتي جاءت بعد غزو العراق للكويت، ثم تبعها بعد ذلك غزو العراق في 2003 من قبل الولايات المتحدة بحجة وجود أسلحة نووية، ولا نريد أن نفصل فيما جرى وكيف جرى؟
لكنها في المحصلة نتيجة منطقية للسياسات الخاطئة، التي كانت سبباً في هذه الكوارث التي لم تستفد منها الأمة، إلا في الانقسامات والخسائر البشرية والمادية بالمليارات، ناهيك عن الآثار النفسية والاجتماعية لهذه الحروب، والتي أدت بالتالي إلى تدخلات خارجية في شؤون الأمة، أرادت أم لم ترد، إلى جانب الخلافات والصراعات فيما بين دول عربية كنتيجة لهذه الأزمات، بعدما كنا نحلم بأمة واحدة من المحيط إلى الخليج!
وكأننا عدنا إلى انقسامات أمراء الطوائف في الأندلس، قبل قرون، مما راكم الكثير من الإخفاقات الداخلية والخارجية التي هي من إفرازات هذه المشكلات والصراعات، وفي الوقت الذي كان يفترض بنا أن نأخذ العبر من هذه التجارب المريرة السابقة، التي تستدعي المراجعة العقلانية الواعية، لتكون لنا طريقاً في وضع سياسات تدرك مخاطر ما يتخذ من قرارات سلبية تأتي لنا بالأزمات والتوترات والصراعات، ونعيد النظر في هذه الأخطاء السابقة من أجل تغيير الواقع الذي نعيشه، إلى ما هو أفضل وأجدى، ولنستعيد مرة أخرى ما خسرناه، ونطوي الخلافات والأزمات والصراعات السابقة، لكن الأمر لم يسر بوتيرة إيجابية لواقعنا العربي، آخرها أزمة الخلافات بين بعض دول مجلس التعاون، حتى أصبح العالم ينظر لنا نظرة سلبية؛ لما يحدث بيننا من الخلافات التي لا تُقبل عقلاً، وكأننا نؤكد ما يقوله البعض من المستشرقين وغيرهم من الذين يتحدثون عن الأزمنة الغابرة، وهو أننا أمة لا تقبل الاستقرار أو تحكّم العقل والحكمة في قضاياها، وأن حياتها هي حروب وصراعات لأتفه الأسباب، وليس هناك أسباب موضوعية، تجعل هذه الخلافات تتوسع ويتحول بعضها إلى قتال وحروب كحروب داحس والغبراء في زمن الجاهلية السحيقة؟
ثم تحصل اصطفافات، واستقطابات، وهلم جرا! هذا مع طرف، وذاك مع الطرف الآخر، وهذه إشكالية قائمة الآن، وتشكل خطراً على الجميع، ولن يسلم أحد من الوقوع في أزمات تالية كحالة طبيعية للغوص في التوترات، وهي من نتائجها، والتجارب كثيرة في التاريخ القريب والبعيد.
وهذا ما جعل التساؤل يجري بين عقلاء الأمة ونخبها الفكرية.. هل أمتنا في أزمة وعي لما يجري لها؟ هل تعرف حقيقة وثمن هذا الانقسام فيما بينها؟
والواقع أن المرء ليستغرب مما يجري ويحدث للأمة في هذا الوضع الراهن، ويعيد ويستعيد التفكير كثيراً.. لماذا يحدث هذا دون إدراك المخاطر الناتجة عنه؟ مع أنه لا توجد أسباب عقلانية منطقية تجعل ما يجري وكأنه مسألة جبرية، أو مفروضة على أمتنا دون غيرها من الأمم، مما جعلها مستسلمة لهذه الجبرية الغريبة وغير المستساغة عقلاً!
لكن الواقع والظروف لا تجعل هذه الفرضية صحيحة في مسألة الجبرية، أو الفرض والقسر للسير في الاتجاه الخاطئ،.. فهل هي أزمة وعي حلت بهذه الأمة دون غيرها في هذه البسيطة؟
وهل هذه الفرضية هي الأقرب إلى قبولها في تفسير واقعها الراهن، بحسب المعطيات القائمة التي يتم استعادتها كثيراً؟
ولماذا يغيب الوعي عنها في عصر أصبحت فيه قراراتها بيدها بعد الاستقلال؟
هل هذا بسبب تغييب الوعي عن الواقع؟
وفي القضية هذه يقول د. عبد الكريم بكار -وهو من الباحثين المتمرسين في القضايا الفكرية، وله الكثير من الدراسات الجادة، في هذا الجانب-: «ليس ارتباك الوعي شيئاً غريباً في حياة الناس، وليس انقسامه على نفسه من الحوادث النادرة في واقعنا المعاصر، فطبيعة عمل الوعي في المواءمة بين القديم والجديد، وبين (الأنا) و(الآخر)، وبين (المعنوي)، و(المادي)، وبين (المبادئ)، (والمصالح)… هي التي تعرضه لتلك المخاطر، وتجعله ساحة لاجتماع التناقضات، وهي التي تسبب له التمزق والتشتت، فيبدو عاجزاً عن المراجعة والنقد واكتشاف الممكن، كما يبدو حائراً في دمج الثنائيات الناتجة عن طبيعة حياتنا الحضرية».
ولا شك أن هذا التفسير له ما يبرره، وقد يكون حاضراً فيما يجري من سياسات سلبية أصبحت واضحة لكل ذي عينين، وهو واحد من التفاسير لأزمة الأمة الراهنة، وهناك أيضا بعض التحليلات والتقييمات في أزمة هذا الواقع وتحدياته الراهنة، ومنها قضية الاستبداد التي لا شك أنها إحدى المعضلات التي عصفت بدول كثيرة، وأرجعتها إلى الخلف، وسببت لها الكثير من المشكلات التي لا تزال تعيشها حتى الآن، وقد يكون الاستبداد أحد نتائج تغييب الوعي في الأمة، وجعلها مرتبكة ومشوّشة، وفاقدة للرشد في اتخاذ سياسات وقرارات ثاقبة عندما تحصل أزمة من الأزمات، وهذا ربما الانفصام بين الواقع والمثال، والاستبداد بالرأي عندما لا يترك مجالاً رحباً للحوار والنقاش في القضايا المحورية والمصيرية، فسيكون مصير ذلك التعثر والفشل والإخفاق، خاصة عندما يمد الاستبداد أذرعته إلى كل صغيرة وكبيرة، من مفاصل الدولة ومؤسستها المؤثرة، مع غياب الانفتاح السياسي، وتراجع تأثير المؤسسات الفاعلة، كالمجالس النيابية، فإن القرار الرشيد سيتوارى عن القرار الصائب في المسائل المصيرية، وينتهي بالشلل والعجز عن إيجاد مخرج مهم للازمات السياسية، وحتى الاقتصادية، إذ عند غياب تجديد الرؤى والأفكار، وعدم وضعها على مشرط البحث والتنقيب، ستتراجع الكثير من المفاهيم الرشيدة والواقعية.
كما أن البعض يرى أن أصل الداء، يكمن في غياب الديمقراطية، كونها تفتح المجال للتعدد والتنوع في الآراء والأفكار في الخيارات المختلفة قبل اتخاذه -وهذا في مصلحة الدولة أساساً- فعندما تكون هناك أدوار للمؤسسات النيابية، من خلال الممثلين المنتخبين، أو المجالس الأخرى المساندة، ستتحقق الكثير من الإيجابيات، عندما تعرض الأفكار التي ينوي أصحاب القرار اتخاذها، وتخضع للنقاش والتداول، ستخرج بقرارات إيجابية وصائبة، لأنه عندما تتعدد الرؤى النقاشية في الأمر، وتنتهي للقرار الذي يجد القبول العام من أعضاء هذه المؤسسات المؤتمنة على مصلحة الوطن في المقام الأول، لأن الكثير من الدول ـ دون ذكر الأسماء ـ تعاني من مشكلات كبيرة وخطيرة، لا أول لها ولا آخر، وسببها عدم الوعي بالقرارات المصيرية، خاصة عندما يغيب القرار السليم بدون الوعي الثاقب، وبعيداً عن المؤسسات الديمقراطية.
فإذن أزمة الوعي الغائب عن القرارات المهمة، قد يرجع إلى غياب المؤسسات الفاعلة في اتخاذ القرار العقلاني، عند اتخاذ القرار الفردي واحتكار الحقيقة بعيداً عن المشاورة من خلال هذه المؤسسات، وبهذا سيتراجع الوعي عن عدم إدراك القرارات الصحيحة، لأن الاستبداد بالرأي، هو مشكلة معرفية لاعتقاد البعض أنه الأكثر صواباً وفهماً وما يتخذه من قرارات تحتكم إلى صوابية الحكمة والرؤية الثاقبة.