أرقام .. وأسقام

عبدالرزّاق الربيعي

قواسم مشتركة كثيرة بين الأوبئة، والحروب، قد يكون أعظمها أنهما تستهدفان البشر، وتعرقلان سير الحياة، وقد تجتمعان في زمن واحد، كما يذكر لنا التاريخ عن تفشّي وباء عام 430 ق.م خلال حرب طاحنة بين أثينا، وحلفاء إسبرطة التي تسمى (الحرب البيلوبونيسية)، وحتى الأنفلونزا الإسبانية التي تسببت بقتل 50 مليونا تفشت عام 1918 أي عندما كانت الحرب العالمية الأولى في نهايتها، فالحروب تساعد على انتشار الأوبئة، وإذا كنت ضاعت مني سنين عديدة في حروب بلا معنى، وعبثيّة، ولا توجد حرب، لها معنى، وليس للعبث فيها نصيب، أعيش اليوم زمنا من أزمنة الأوبئة، بعد تفشّي “كورونا”، الوباء الذي جعلنا نستحضر أيّام الحروب، فيما الحروب مستمرة في مناطق مختلفة من العالم، بل حتى هذا الوباء وصف بـ”حرب بيولوجية”!


إنّ الذي يجعلني أستدعي الحرب، وسيرتها، في مقال لي عن جائحة “كورونا” هو أننا كنا، أيّام الحرب، نترقّب بيان العمليات الحربيّة، الذي يصدر مساء، بحرص يشبه حرص مشجعي مباراة بين ريال مدريد، وبرشلونة، والفارق أنّ تلك المتابعة تكون بدون متعة، بل بكمية كبيرة من”التراجيديا”، والخوف، والقلق! وكنّا نلتصق بالتلفزيون، وهو يبث ذلك البيان، فنتابعه حرفا حرفا، وكلمة كلمة، لأنه يتعلق بمصيرنا الفردي، والجماعي، واعتدنا بعد الديباجة الحماسيّة التقليدية، الإصغاء إلى الأرقام، وبالطبع، لم تكن تعنينا الأرقام التي تخص الطرف الآخر، بقدر ما كانت تهمّنا معرفة خسائرنا من الضحايا، قبل أيّ شيء آخر، ورغم أن التضحيات، وتعني الخسائر التي تخصّنا، كانت متواضعة قياسا لقتلى الطرف الثاني، وخسائره، مع الوضع في الاعتبار أنّنا لم نكن نثق بصحّة الأرقام، متفهّمين أنّ الذين يحررون تلك البيانات يراعون أمورا لها علاقة بالجانب المعنوي، إلا أننا كنا نستكثرها، وتمثل لنا ألما يقضّ مضاجعنا، واليوم تعود لأذهاننا تلك السيرة، طالما أنّ الأوبئة، كما أسلفنا، مثل الحروب تحصد أرواح البشر، فمنذ الأيّام الأولى لتفشّي الوباء في السلطنة، ونحن نتابع بيان اللجنة العليا المكلّفة ببحث آليّة التعامل مع التطوّرات الناتجة عن انتشار “كورونا” الذي يصدر ظهر كلّ يوم بالإصابات، وحالات الشفاء، والوفيات، وما إلى ذلك من أمور تفصيليّة، وصار انتظار البيان ضمن عاداتنا اليومية، واعتدنا أن نكمل يومنا وفق ما يسفر عنه البيان من أرقام، بمزاج يتوافق مع ما يسفر عنه، فإذا كانت الأرقام أقلّ من الأيام السابقة، نحمد الله ونشكره، وترتفع الحالة الإيجابية، وتتملّكنا طاقة عجيبة على إنجاز ما نقوم به من أعمال، أما إذا كان العكس، فـ”ياويل مزاجنا وسواد ليله”، وهذا ما نلمسه هذه الأيام التي شهدت ارتفاعا سريعا، وكبيرا بأرقام الإصابات بالفيروس، وصرنا نخشى، في حالة تزايد أعداد المصابين بهذا الشكل الذي نراه اليوم، والذي وصفته اللجنة العليا في بيانها الصادر الثلاثاء بـ”المقلق” أن تواجه المنظومة الصحية مشاكل بسبب كثرة الإصابات، خشية وصول الأعداد لدرجة لا تستوعبها المستشفيات، والسبب في هذا التصاعد في الأرقام، واضح للجميع، وهو عدم الالتزام بالتوجيهات الصحية، فصار البيان يقلقنا، والأرقام توجعنا، وتسبّب لنا أسقاما نفسيّة، ولم يخفِ معالي وزير الصحّة انزعاجه في المؤتمر الصحفي الأخير، وهو يستعرض الأرقام بألم شديد، مؤكّدا على ضرورة أن يكون حس المسؤولية موجودا لدى الكل، مناشدا الجميع “بتشديد الرقابة الذاتية، فالمخالف إذا كان متعمدا المخالفة، فتلك جريمة.. وإذا كان جاهلا بالمخالفة يجب توعيته، وتنبيهه”، فالرهان يبقى على وعي وضمير الناس، فالوعي يمكن أن يجعل الجميع يجنّب نفسه، ومجتمعه الخطر، وفي حالة عدم نجاح هذه الآلية، فليس سوى “تغليظ العقوبات” على المخالفين، كما أشار بيان اللجنة، وإعلان أسماء المخالفين، وصورهم، فتعمد المخالف إصابة الآخرين بمثابة جريمة قتل، وبالفعل تم تشديد العقوبات على الشركات، وليس الأفراد التي لا تلتزم بالضوابط” كما قال معاليه، ليكونوا عبرة لسواهم، وهذا أحد الأساليب الرادعة، فلو أن أحدهم يرفع دعوى ضد مستهتر كان سبباً بنقل العدوى، فمن المؤكّد أنه سيلتزم، مع الآخرين، ويومها سنرى تراجع أعداد المصابين، ولا نشعر بالآلام حينما نقرأ في البيانات الأرقام!