بين مواجهة البحر المتوسط وبحر الصين الجنوبي

عوض بن سعيد باقوير /صحفي ومحلل سياسي  –

هناك مواجهات استراتيجية بدأت ملامحها في شرق البحر المتوسط حيث الثروات الأهم من الغاز والنفط وحركة التجارة الدولية من خلال ذلك الموقع الاستراتيجي، وفي المقابل هناك مواجهة بدأت تتشكل في بحر الصين الجنوبي في أقصى شرق آسيا بين الصين عملاق آسيا وثاني اقتصاد العالم وبين الولايات المتحدة الأمريكية ذات القوة الاقتصادية الأولى وأهم الأقطاب عسكريا وتكنولوجيا في هذه المرحلة.

في شرق البحر المتوسط بدأت ملامح تلك المواجهة واضحة، حيث تدور حرب أهلية بين أطراف وهما حكومة الوفاق المعترف بها دوليا في غرب ليبيا وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في شرق ليبيا ليتعمق الصراع في ليبيا إلى تدخلات خارجية أبرزها روسيا الاتحادية وفرنسا وإيطاليا وتركيا وعدد من الدول العربية.
على الجانب الآخر وفي شرق آسيا يدور حوار عسكري بين واشنطن وبكين من خلال وصول عدد من القطع العسكرية الأمريكية إلى مياه بحر الصين الجنوبي، حيث المشكلات الموجودة أساسا بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين على أكثر من صعيد خاصة في المجال التجاري وموضوع تفشي فيروس كورونا وهناك موضوع تايوان وهونج كونج.
إذن هناك صراع عسكري محتدم في شرق المتوسط وفي ليبيا تحديدا وهناك مواجهة أولية في شرق آسيا وعلى ضفاف بحر الصين الجنوبي.

بعيدا عن الشرق الأوسط

الاستراتيجية الأمريكية خلال العقد الأخير تركز على منطقة جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي حيث وجود القوة التي يعتقد أنها التحدي الأكبر لواشنطن وهي الصين بكل ثقلها السكاني والصناعي والتقني والجغرافي بل وتمدد التنين الصيني إلى خارج الحدود، حيث الاستثمار المتصاعد في إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط علاوة على خطط الصين في أهم مشاريعها التجارية والحضارية الذي يضم عشرات الدول في القارات المختلفة وهو مشروع طريق الحرير. إذن المواجهة في بحر الصين الجنوبي بين واشنطن وبكين يتعدى مسألة تايوان وحتى إقليم هونج كونج الصيني وهو موضوع استراتيجي من منظور أمريكي بحت، ومن هنا فإن وجود السفن العسكرية الأمريكية في هذا البحر الحيوي في شرق قارة آسيا يعد تهديدا للمنظومة الصينية في قيادة منطقة شرق آسيا، كما أن الخلاف الصيني الأمريكي أصبح واضحا في قضايا اقتصادية وتقنية ومسألة التجسس المتبادل والاتهامات المتبادلة حول موضوع فيروس كورونا المستجد. هناك نزاع على عدد من الجزر في بحر الصين الجنوبي بين الصين من جانب واليابان وهناك كوريا الجنوبية ومن هنا فإن المواجهة المرتقبة في بحر الصين الجنوبي سوف تكون مواجهة استراتيجية مع توقع وجود ثروات في مجال الطاقة تنتظرها دول منطقة آسيا بفارغ الصبر خاصة الصين، التي تندفع بقوة كبيرة نحو الإنتاج الصناعي بوجود احتياطي نقدي هو الأهم والأكبر في العالم ومن خلال تحرك استثماري واسع النطاق في الدول النامية في أفريقيا بشكل خاص وحتى في أمريكا الجنوبية والدول العربية. إذن منطقة جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي هي المنطقة المرشحة للمنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين بشكل خاص في حين أن منطقة الشرق الأوسط تفقد بريقها بشكل متواصل خاصة وان الرئيس الأمريكي ترامب يتحدث عن سحب القوات الأمريكية من أفغانستان وحتى العراق وسوريا وحتى منطقة الخليج في المستقبل المنظور، ليتحول الاهتمام الاستراتيجي إلى الجانب الآخر من العالم وهو المياه القريبة من السواحل الغربية للولايات المتحدة الأمريكية وهي المحيط الهادي.
من أسباب انحسار أهمية الشرق الأوسط هو توفر الطاقة في الولايات المتحدة بحيث أصبحت دولة منتجة ومصدرة ولم يعد نفط الشرق الأوسط يشكل أهمية استراتيجية للاقتصاد الأمريكي، ومن هنا فإن الصراع بين أمريكا والصين في بحر الصين الجنوبي هو مؤشر على مواجهة استراتيجية في القادم من السنوات ويبدو أن ملامحها قد بدأت بتحركات عسكرية أمريكية على بعد آلاف الكيلومترات من الولايات المتحدة الأمريكية مما يعطي بعدا عسكريا وسياسيا نددت به الصين، والمواجهات الكبرى القادمة ستكون على البحار المفتوحة وهي بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادي حيث وجود دول هامة كاليابان وكوريا الجنوبية وبقية النمور الآسيوية وهناك على المحيط الهادي أستراليا ونيوزيلندا ومن هنا فإن هناك جرس إنذار بدأ يدق واصبح تردد أصواته تصل إلى التنين الصيني بوضوح.

المواجهة في شرق المتوسط

التكالب على الثروة النفطية والغاز قد بدأت منذ سقوط نظام معمر القذافي عام ٢٠١١ وبدأت ملامح تلك المواجهة ليس فقط على صعيد ليبيا وسواحلها الطويلة على البحر المتوسط ولكن برزت قوى تتزاحم الآن على شرق المتوسط حيث ثروة الغاز الكبيرة، فبدأت المواجهة في ليبيا بين القوى المحلية أولا ليتوسع الصراع بدخول قوى إقليمية ودولية والباعث الأساسي في الحرب الكارثية في ليبيا هو موضوع الثروات في شرق المتوسط، ومع ذلك هناك صراع بين دول أخرى قد يندلع بشكل أكبر في المرحلة القادمة فهناك إسرائيل التي بدأت في التنقيب في مياه البحر المتوسط وهناك الخلاف التركي اليوناني وهناك أيضا مصر ولبنان التي تطل بعض جغرافيتها على البحر المتوسط وهناك قبرص وحتى مالطا.
وعلى ضوء ذلك فإن المواجهة في ليبيا هي صورة مصغرة لمواجهة أكبر في شرق المتوسط بين تلك الدول الطامحة للحصول على حصة من الكعكة الكبيرة في شرق المتوسط، ومن هنا فإن التدخل الروسي حتى لو كان عبر شركة فاجنر وأيضا تدخل فرنسا وإيطاليا وتركيا في الشأن الليبي، إلا أنه تدخل في إطار تلك المواجهة الأوسع في شرق المتوسط وسوف تكون مواجهة خطيرة إذا بقي الصراع في ليبيا محتدما وبقيت طموحات وخلافات تلك الدول متواصلة.
إذن المواجهات الكبرى أصبحت على سواحل المتوسط وأيضا سواحل بحر الصين الجنوبي ولعل ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا هو وجود الدول الكبرى في تلك المواجهات الاستراتيجية، وعلى ضوء تلك الصراعات الكبرى تبرز أهمية الحوار بين تلك الدول حتى لا تفلت الأمور كما يحدث الآن في ليبيا، فوجود الكيان الإسرائيلي في تلك المواجهات يعطيها صفة التوتر والتحريض بشن حروب إقليمية، فهناك أزمات متواصلة بين دول هي شريكة الآن في مياه شرق المتوسط وتلك الخلافات مزمنة أي مرت عليها عقود فهناك الخلاف التركي اليوناني حول قبرص وهناك الصراع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية المطلة على البحر المتوسط كسوريا ولبنان وفلسطين المحتلة، كما أن العلاقات المصرية مع إسرائيل على المستوى الشعبي متدنية وغير مقبولة لأسباب تعود إلى تاريخ الحروب بين العرب والكيان الإسرائيلي الذي لايزال يحتل ارض فلسطين ويخطط لقضم المزيد من الأراضي في الضفة الغربية والاغوار.
إذن مسارات الصراعات الكبرى تتحدد ملامحها الآن في شرق المتوسط وبحر الصين الجنوبي وهذا التطور سوف يشكل ملامح القوه في المستقبل من خلال بروز الأقطاب الجديدة في العالم كالصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا في مشهد تتطلع فيه الأمم المتحدة إلى الحفاظ على السلم والاستقرار في العالم من خلال عالم متعدد الأقطاب، من خلال إصلاح هيكلي للمنظمة المتحدة تتيح وقف الصراعات والحروب التي أفقدت الشعوب مقدراتها خاصة في المنطقة العربية حيث تدور حروب قاسية في اليمن وليبيا وسوريا وتوتر في العراق وأزمة اقتصادية في لبنان والازمة الخليجية التي أثرت بشكل كبير على فعالية مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

مسار المواجهات

المواجهة في بحر الصين الجنوبي تكتسب أهمية استراتيجية كون أن المواجهة بين أقوى اقتصادين في العالم وهما الولايات المتحدة الأمريكية والصين علاوة على أن الخلافات التجارية وفي مجال الاتهامات تزايدت في الفترة الأخيرة خاصة بعد ظهور فيروس كورونا الذي بدا ظهوره من منطقة ووهان وانتشر في دول العالم ومنها الولايات المتحدة الأمريكية التي تتصدر أعداد الإصابات والوفيات، كما أن الرئيس ترامب يوجه الاتهامات لبكين في كل تصريحاته الصحفية حول عدم إرسال الصين المعلومات حول فيروس كورونا في وقت مبكر ومن هنا فإن المواجهة في شرق المتوسط وفي بحر الصين الجنوبي سوف تشكل مرحلة هامة في هذا القرن. على ضوء ذلك تبرز أهمية احتواء تلك المواجهات الكبرى حتى لا تتفاقم ولاشك أن دعوة الأمين العام للأمم المتحدة لوقف الحروب والصراعات المسلحة هي دعوة صادقة لإنقاذ العالم من تلك الحروب الفتاكة وحيث تكون الشعوب هي ضحية تلك الصراعات، كما أن على القيادات في الدول الكبرى أن تتخلى عن الأنانية السياسية وتنظر العالم بمنظور مختلف حتى يتم التركيز على المشهد العلمي وتوجيه الموارد للبحث العلمي ومحاربة الفقر والفساد والجهل والأمراض فالعالم يتطلع إلى رؤية إنسانية تتخطى طموحات الثروة والأنانية السياسية التي تهدد كوكب الأرض ومن عليه من البشر.