الاقتصاد الأمريكي وانتخابات الرئاسة 2020

إميل أمين –

ضمن سلسلة المقالات هذه التي تتابع مسيرة الانتخابات الرئاسية الأمريكية وقد بدأت بمتابعة أهمية أدوات التواصل الاجتماعي وتأثيراتها على توجهات الناخب الأمريكي، نتوقف اليوم في هذه السطور مع أحد أهم العوامل التي تحدد طريقة الاقتراع لأحد المرشحين، وهي في واقع الحال اهم طريق يعيره المواطن الأمريكي التفاتا لا سيما وانه يؤثر تأثيرا رئيسيا على مجريات حياته.
حكما نحن نتحدث عن العامل الاقتصادي، وكلنا يتذكر الشعار الذي انطلق إبان حملة المرشح الأمريكي بيل كلينتون، ذلك الشاب القادم من ولاية اركنساس من غير خبرة سياسية على الصعيد الدولي، ليهزم رجلا بقدر جورج بوش الأب الذي تفككت في عصره الامبراطورية السوفيتية، وكان الشعار «إنه الاقتصاد يا غبي».
ليس سرا أن رهانات المواطن الأمريكي دائما وأبدا تنصب على دخله المالي وإدارته لشؤون حياته، ولهذا فهو غير مهموم أو محموم بالسياسة الخارجية إلا فيما يتعلق بتقاطعاتها وتجاذباتها مع أوضاع الاقتصاد الأمريكي.
نجح الرئيس ترامب من دون أدنى شك في تحريك المشهد الاقتصادي الأمريكي بشكل لافت جدا وتقدمي بدرجة كبرى إن جاز استخدم التعبير السياسي في وصف الشأن الاقتصادي، وبخاصة بعد أن كرس ترامب غالبية جهوده لفكرة «أمريكا أولا»، عبر الاقتصاد، وليس السياسة، ومن آية ذلك صراعه المستقر والمستمر مع الصين من جهة، وخلافه مع أعضاء الناتو في الجانب الأوروبي من ناحية أخرى، والاتهامات التي وجهها لهم انطلاقا من عدم مشاركتهم في الأعباء كما يتمتعون بالمظلة العسكرية التي تدفع واشنطن ثمنها.
غير أن الرياح وكما يقال لا تأتي دوما بما تشتهي السفن، فعلى حين غرة ضرب فيروس «كوفيد- 19»، المستجد البلاد والعباد فحول ليلها إلى أرق ونهارها إلى قلق، وأغلق الحياة على كافة أوجهها، وانقلبت الأمور رأسا على عقب، وبدا وكأن كافة المكاسب الاقتصادية التي حققها الرئيس ترامب قد ذهبت مع الريح، والجميع يتساءل: هل جاءت كورونا لتفقد ترامب فرصته في البقاء في البيت الأبيض لأربع سنوات أخر؟ في عالم الاقتصاد الأرقام هي اصدق من يتكلم، ومن أسف فإن غالبية التصريحات الأخيرة تؤكد أن الأوضاع الاقتصادية لا تصب في صالح الرئيس ترامب، حتى وإن لم يكن هو السبب الرئيسي في الأزمة.
قبل بضعة أيام، قال صندوق النقد الدولي إن الإغلاقات الشاملة المفروضة في الولايات المتحدة قد طالت فعليا عن المتوقع رغم تخفيف بعض القيود على الحركة، مما يشير إلى انكماش أعمق من المتوقع للناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من السنة. والشاهد أن أكبر علامة تؤكد على أن الاقتصاد الأمريكي في أزمة حقيقية موصولة بأعداد البطالة التي تجاوزت 45 مليون شخص، وهو رقم لم تبلغه معدلات البطالة الأمريكية منذ خمسين سنة.
لكن وعلى الرغم من ذلك فإن الرئيس ترامب يحاول إظهار قدر كبير من التماسك، ويراهن على ما يطلق عليه «اكبر ناتج محلي في التاريخ»، ومعبرا عن ثقته في الفوز بفترة رئاسية ثانية في انتخابات نوفمبر القادم.
رؤية ترامب متفائلة انطلاقا من أن إعادة الحياة إلى أغلب قطاعات الدولة بدءا من شهر مايو الماضي، سوف تنتشل الاقتصاد الأمريكي من وهدته، وساعتها ستكون عملية الانتصار على منافسه المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن أمر ايسر بكثير من منافسة هيلاري كلينتون العام 2016. والشاهد أن الرئيس ترامب وان كان رجل أعمال ناجح، إلا أن هذا بحال من الأحوال لا يجعل منه عالما في الاقتصاد، وقادرا على ربط الأرقام بقوانين الاقتصاد الأكثر شمولا واتساعا، لا سيما وأن أصواتا كثيرة تقارن اليوم بين الأزمة الاقتصادية التي خلفها كوفيد -19 من ورائه، وبين الكساد الصعب الذي جرى في العام 2008. ولعله من المثير ومن حسن طالع الرئيس ترامب أن سوق العقارات التي تسببت في الركود الضخم في نهايات العقد الأول لم تتأثر كثيرا من جراء الوباء المستجد، ففي تقرير موسع لها عن القطاع العقاري الأمريكي ذكرت مؤسسة التصنيف الائتماني «موديز» أن تأثير وباء فيروس كورونا في سوق العقار الأمريكي سيكون أقل من تأثير الأزمة المالية العالمية فيما بين عامي 2007 و2009. والملاحظ أن سوق العقار الأمريكية تشهد انتعاشا قويا منذ الشهر الماضي، مع بدء الحديث بقوة عن إعادة فتح الاقتصاد، وخفض الاحتياطي الفيدرالي الفائدة مرارا لمساعدة الاقتصاد على مواجهة تبعات أزمة كورونا. هل كل أخبار أمريكا الاقتصادية سارة ومبهجة للرئيس ترامب؟ بعض الأرقام في واقع الأمر كارثية وفي مقدمتها عجز الموازنة الأمريكية، والذي يقترب من 4 تريليونات دولار، هذا إذا لم تضطر البلاد إلى فرض حجر صحي جديد قرب نهاية العام، الأمر الذي يمكن أن يجبر الاحتياطي الفيدرالي على طباعة دولارات غير مغطاة بكميات لا تصدق وبسرعة مذهلة، وهو ذات النهج الذي سارت عليه الأرجنتين وفنزويلا وزيمبابوي وغيرها من البلدان التي عانت من التضخم المفرط. على أن سائل يتساءل هل المبالغ التي تجاوزت تريليوني دولار والتي ضختها إدارة ترامب في شرايين الاقتصاد الأمريكي عبر دعم الأسر والشركات الصغيرة والكبيرة وغيرها غير كافية لاستنهاض الاقتصاد الأمريكي ولإتاحة الفرصة من جديد لانتخابات ترامب ثانية؟ المؤكد أن تلك التدفقات المالية قد خففت إلى حد بعيد من الكارثة الاجتماعية في الداخل الأمريكي، وأعادت سوق الأسهم والسندات إلى ذروتها، لكن الإشكالية الأكبر هي انه وكما يحدث دائما، يصبح الأغنياء أكثر ثراء، على خلفية فقر الفقراء، ومن ثم اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وازدياد التفسخ الطبقي الأمر الذي سيؤثر ولا شك على شريحة كبيرة من الأمريكيين وربما يؤدي هذا في نهاية المشهد إلى تغيير توجهاتهم الانتخابية وبما لا يخدم أهداف الرئيس ترامب في الفوز من جديد. هل يمكن أن يقدم الرئيس ترامب على إجراءات بعينها تغير من أوضاع الاقتصاد الأمريكي وتدفعه مرة جديدة إلى الأمام في الأشهر الأربعة القليلة المتبقية قبل حلول موعد الانتخابات القادمة؟
مؤخرا حذر الرئيس ترامب الصين من الانفصال الكامل بين الاقتصادين الأمريكي والصيني، كخيار سياسي محتمل لإدارته، وذلك بسبب اعتبار واشنطن أن الصين غير صادقة في توجهاتها الاقتصادية تجاه واشنطن.
والمؤكد أن فض العلاقة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة قضية ليست باليسيرة لعوامل متداخلة عديدة، إلا أن ترامب وفي لحظة بعينها ربما يفعلها إذا ضمن تأييدا جماهيريا أمريكيا داخليا لها، يدعمه في مسيرته للرئاسة من جديد. وفي كل الأحوال يبقى الاقتصاد الأمريكي رهينة غياب أو عودة فيروس كورونا في موجة ثانية من عدمه، وهو الأمر الذي لا يتمناه ترامب في الصحو والمنام.