التـاريخ حـلقـات مترابطـة!!

د. عبد الحميد الموافي –

إذا كانت ضخامة المجتمع الأمريكي وتنوعه وتعدد اهتماماته وتشعب أهداف قواه الاجتماعية المختلفة من جانب، وما تفرضه تحديات فيروس كورونا (كوفيد-19) وتداعيات الاستعداد للانتخابات الرئاسية القادمة في نوفمبر القادم من جانب آخر، قد تضافرت لتضع نهاية سريعة لفورة الغضب، التي عبّر عنها الأمريكيون من أصل إفريقي وذوي البشرة السمراء في المجتمع الأمريكي، احتجاجا على مقتل الأمريكي من أصل إفريقي جورج فلويد على يد شرطي أمريكي أبيض أواخر مايو الماضي، على الأقل في مظاهرها العامة، والتي كان من أبرزها محاولة الإطاحة بتماثيل القادة الأمريكيين المعروفين بماض عنصري بشكل أو بآخر، مما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إصدار قانون يجرم هذه الأعمال،

إلا أن تلك الفورة الغاضبة، التي اتسع نطاقها ليشمل عشرات المدن في أوروبا ومناطق مختلفة من العالم تضامنا مع حقوق ذوي البشرة السمراء من الأمريكيين، وانتصارا لمبدأ المساواة بين البشر، أثارت في الواقع نقاشا على جانب كبير من الأهمية، لا يزال مستمرا حتى الآن بشكل أو بآخر حول التعامل مع الماضي، وتحديدا حول التاريخ، وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول النظر إلى التاريخ، تاريخ الدولة والمجتمع، سواء في الولايات المتحدة، وهي دولة حديثة، أو في العديد من مناطق العالم ودوله الأقدم والضاربة بجذورها في عمق التاريخ، وهل يمكن أن تتم محاكمة التاريخ بمعايير وقيم اليوم، وهل يمكن أن يتم إلغاء حقبة من حقب التاريخ القديم أو الحديث، لأنها لا تروق لنا أو لبعض الشعوب أو الطوائف مثلا، أو لأن البعض لا يريد أن يقف أمامها لمدلولاتها، أو لما تحمله من حقائق يريد أن ينساها عند النظر لتاريخه، أو عند محاولة بناء تاريخ جديد له أحيانا بدافع أو آخر، وهل من الصحيح أو المناسب أن يتم تحطيم أو إزالة تماثيل قادة أو شخصيات كان لها تأثير كبير في حياة شعب أو آخر في مرحلة من مراحل التاريخ؟
بغض النظر عن مدى الاختلاف أو الاتفاق معهم أو مع الأهداف والمبادئ التي حركتهم أو حكمت تصرفاتهم في المراحل السابقة من التاريخ، وعلى هامش هذا الحوار والجدل العميق حينا والسطحي حينا آخر، لأسباب معروفة، فأنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى بعض الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: إن التاريخ، باعتباره سجلًا للتطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي للبشرية، هو بمثابة الذاكرة للجنس البشري، وهو بهذا المفهوم يتجاوز البعد الوطني لدولة ما، ولذا فإن عملية تسجيل أو كتابة التاريخ هي عملية صعبة ودقيقة وترتكز دوما على معايير علمية، وعلى جهود فرق بحثية أكاديمية جادة، لتجميع وتمحيص وترتيب الأحداث وكتابتها في سياقها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، بعيدا عن العاطفة، أو الانحيازات الأيديولوجية المسبقة لجانب أو آخر، وهنا يتم عادة استبعاد الكثير من الكتابات ذات التوجهات المؤيدة أو المعارضة لاعتبارات أيديولوجية أو لانحيازات دينية أو عرقية أو جنسية أو غيرها، ومن هنا أيضا يظهر الفارق العميق بين المؤرخ وبين الكاتب أو المثقف السيار الذي يعيش في حقبة ما ويكتب عنها من وجهة نظره، أو وفق ما يراه أو يروق له أو لما يرتبط بمصالحه المباشرة أو غير المباشرة.
صحيح أن المؤرخ يعمل على جمع أكبر قدر ممكن من الكتابات الجادة ذات الصلة بالمرحلة التي يقوم بدراستها، أو الكتابة عنها، ولكنه في النهاية يقوم بجهد كبير ومضن من أجل أن يقف على الحقائق، وليتجاوز الانحيازات والمبالغات والمصالح المروجة لرأي ما لأسباب مختلفة، وعادة ما يشترك معه متخصصون ومؤرخون آخرون. ومن هنا فإن الكتابة التاريخية، حول مرحلة أو أخرى تتم عادة بعد سنوات أو عقود عدة من انتهائها، من أجل ضمان أكبر قدر من الحيادية أو الاتزان في المعالجة التاريخية للأحداث، غير أن ذلك لا ينفي أو لا يمنع أن تكون هناك كتابات علمية أو موضوعية بقدر الإمكان وإلى أكبر درجة ممكنة، تكون معاصرة للأحداث أو التطورات في مرحلة أو أخرى، وأهمية مثل هذه الكتابات أنها تدخل بدرجة غير قليلة في تحديد وبلورة أبعاد التطورات المختلفة في سياقها التاريخي.
غير أن المشكلة في مجال كتابة التاريخ، هي ما يمكن تسميته مشكلة تسييس التاريخ، سواء على مستوى دولة، أو على مستوى حقبة أو مرحلة ما من مراحل التاريخ، وهذا البعد ينزع صفة التاريخ عن مثل تلك الكتابات لأسباب عديدة، علمية وثقافية واجتماعية وسياسية، ويحصرها بالتالي في الحيز الإعلامي الموجه لخدمة هدف أو آخر، والأمثلة في هذا المجال عديدة، ومن أبرزها ما تحاوله إسرائيل مثلا من بناء تاريخ لها في المنطقة، وهي التي قامت على اغتصاب الأرض الفلسطينية، ولا تزال تريد اغتصاب المزيد من أراضي الضفة الغربية المحتلة ووضع ثلث مساحتها تحت سيادتها بشكل أو بآخر، وهناك أيضا من يحاولون بناء تاريخ خاص بهم بأشكال مزيفة، أو بإعادة معالجة أحداث التاريخ أو بعضها على نحو تعسفي موجه، وأحيانا بإقامة متاحف لا تحوي بين موادها ومعروضاتها شيئا ينتمي إلى التربة التي يقف عليها، بحكم شراء الآثار أو كتابة روايات مبتورة أو مضللة حول الكثير منها، والمؤكد أن ذلك لا يدخل ضمن التاريخ ولا يخدم التأريخ الحقيقي للدولة ولا للشعب الذي تلجأ سلطاته إلى ذلك، وفي هذا المجال فإن هناك فرقا كبيرا بين اليهودية كديانة نشأت في المنطقة وبين الصهيونية كمذهب وحركة سياسية استعمارية، وبين إسرائيل كدولة اعتنقت الصهيونية وتعيش بها حتى الآن، بكل ما يعنيه ذلك من معنى. وهو ما يفرض ضرورة الحرص والوعي في التعامل مع تاريخ المنطقة والعالم من حولنا وعدم الانخداع بمحاولات بناء أو شراء التاريخ أو تزييفه بجرأة غريبة!.
ثانيا: إنه من المعروف أن التطور الإنساني لم يكن على النحو الذي نعيشه الآن، بل إن المجتمعات عرفت نظما اجتماعية واقتصادية قامت على استغلال وتسخير الجهد البدني لطبقات محددة، فكان هناك أقنان الأرض أي الفلاحون والعمال المرتبطون بالأرض والذين يتبعون مالك الأرض كجزء من الأرض وكان هناك العبيد وتجارة الرقيق التي ازدهرت خاصة بين غرب إفريقيا وبين أمريكا، وقد شكل هؤلاء عنصرا وطاقة أساسية في بناء المجتمع الأمريكي، وكان تحرير العبيد أحد عناصر الحرب الأهلية الأمريكية في ستينيات القرن التاسع عشر، واستمرت آثار العنصرية في المجتمع الأمريكي حتى عقود قريبة عندما حاولت حركة الحقوق المدنية التخلص منها في ستينيات القرن العشرين، وبرغم أن الدستور الأمريكي ينص على حقوق المواطنة لكل الأمريكيين، إلا أنه لا تزال هناك آثار غير مرئية للتراث العنصري تظهر في بعض الممارسات، كما حدث مع جورج فلويد وغيره من المواطنين السود الأمريكيين، وهو ما تحاول السلطات في العديد من الولايات التخلص منه والتغلب عليه بشكل أو بآخر حفاظا على الصورة الأمريكية في الدفاع عن مبادئ حقوق الإنسان ومصداقيتها، وحفاظا أيضا على تماسك النسيج الاجتماعي الأمريكي، والذي ظهر أنه قد يتأثر سلبا لو استمرت تلك المشاعر تحت السطح بشكل أو بآخر، خاصة أن الأسابيع الأخيرة أظهرت مدى اتساع الرفض الجماهيري لتلك الممارسات، داخل أمريكا وخارجها أيضا.
ثالثا: إن تاريخ المجتمعات هو جزء من تاريخ البشرية، وإذا كان التطور الاجتماعي والثقافي والسياسي للمجتمعات الحديثة قد حمل معه الكثير من التقدم والارتقاء وإعلاء قيم الحرية والمساواة بين البشر، وبالمناسبة فإن الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان أو الميثاق العالمي لحقوق الإنسان أصدرته الأمم المتحدة في عام 1948، فإنه من غير الممكن محاكمة التاريخ في العصور الماضية من خلال قيم اليوم، ليس فقط لأن لكل عصر أو حقبة من حقب التاريخ إطارها الاجتماعي والثقافي والسياسي والقيمي، الذي ينبغي أن يتم النظر إلى أحداثها من خلاله، ولكن أيضا لأن النظر إلى الماضي بمنظار الحاضر ينطوي بالتأكيد على تجاهل لحركة التطور الإنساني بتراكمها المستمر والتي تشكل رباط الاستمرارية لحركة التطور الإنساني. يضاف إلى ذلك أنه لن نتمكن ولن نستطيع أن نرى التقدم الذي نعيشه، والتضحيات التي بذلتها الأجيال الماضية لنصل إلى ما نحن فيه، إذا قمنا بشطب حلقة أو مرحلة أو مراحل من تاريخنا، لأننا بمشاعرنا أو بتطورنا الراهن بتنا لا نرتاح إليها أو نخجل منها بشكل ما، والحقيقة أن تلك الحقب، كانت في أوانها جزءًا من الحقائق التاريخية والاجتماعية المعروفة والمقبولة في العالم كله. وإذا كان الماضي يبرز قيمة الحاضر ومعانيه، فإن الإقدام على شطب حقب من التاريخ، أو إسقاط تماثيل لقادة مرحلة أو أخرى لن يترتب عليه تغيير التاريخ، ولكنه سيكون كمن يدفن رأسه في الرمال، أو من يريد أن يقول إنني ابن اليوم أو الأمس القريب، سواء لأنه ليس له من الماضي ما يرتكن إليه، أو لأنه لا يحب ماضيه لسبب أو لآخر، وهذا كله لن يغير من الأمر شيئا، أما المجتمعات الحية والواثقة من نفسها فإنها قادرة على التصالح مع ماضيها، والتعامل مع حاضرها باعتباره استمرارا للماضي، في وحدة واستمرارية حضارية قادرة على مواصلة التقدم والازدهار بجهود أبنائها، وتقدم السلطنة نموذجا طيبا في هذا المجال مدركة أن «من ليس له ماضٍ فلا حاضر له ولا مستقبل».